في مديح «الرأس الأخضر»!
04 يوليو 2026
04 يوليو 2026
حسنا، سأعترف بجهلي. قبل المونديال الحالي لم أسمع باسم «الرأس الأخضر» إلا مرات قليلة، دون أن أنتبه أنها دولة ذات سيادة، وكنت أظن أنها مجرد منطقة جغرافية، مثلها مثل رأس الحد، ورأس الخيمة، ورأس الرجاء الصالح. لكنها كرة القدم في نهاية المطاف، التي تقرب البعيد، وتجعل المجهول مشهورًا في غمضة عين.
عرفتُ هذا البلد عن قرب في مباراته ضد إسبانيا. تابعتُها لأرى كم هدفًا سيسجل ثاني منتخب في العالم، حسب تصنيف الفيفا، في مرمى هذا الضيف المجهول، فإذا بي أمام شجاعة كبيرة من لاعبيه، وصمود أسطوري من حارس عجوز في أعراف كرة القدم، عمره أربعون عامًا، اسمه فوزينيا، يقف سدًا منيعًا أمام كل هجمة إسبانية، ويجبرها على التعادل، وينتزع جائزة أفضل لاعب في المباراة، رغم وجود أسماء من وزن بيدري ورودري ولامين يامال في المنتخب الإسباني. وبعد المباراة أبكى العالم، حين سرد حكاية أمه التي عجزت عن حضور المباراة بسبب التأشيرة والتكاليف العالية، وبسبب سياسة أمريكية رعناء وضعت مواطني بعض الدول، ومن بينها الرأس الأخضر، أمام شروط مالية جشعة لدخول الولايات المتحدة، قيل إن ضماناتها قد تصل إلى خمسة عشر ألف دولار، قبل أن تتراجع واشنطن لاحقًا عن هذا الشرط لحاملي تذاكر كأس العالم. جاء التراجع متأخرًا على والدة فوزينيا، آنا كانديدا إيفورا، عاملة النظافة التي شاهدت ابنها من الرأس الأخضر، وكانت قد قالت قبل المباراة بثقة إن أحدًا لن يسجل في مرماه. وقد صدقت الأم، فخرج الابن بشباك نظيفة أمام إسبانيا.
الحكاية لم تنتهِ هنا، فقد انتشر تصريح فوزينيا كالنار في هشيم السوشل ميديا، وصارت واحدة من أجمل حكايات المونديال الإنسانية. تحركت جهات رياضية وسياسية، فتراجعت وزارة الخارجية الأمريكية وسهّلت الإجراءات، وفي النهاية تمكنت الأم من السفر إلى أمريكا، لتبدأ مشاهدة ابنها من المدرجات في مباراته الثانية مع أوروغواي.
هذه القصة أغرتني بالبحث عن «الرأس الأخضر». ما حكاية هذه الدولة؟ ولماذا لم أسمع بها من قبل؟ وكيف استطاعت أن تقف ندا لند في وجه أسبانيا، ولم أكن أعرف بعد أنها ستقف أيضا في وجه ميسي ورفاقه وتنهكهم مائة وعشرين دقيقة قبل أن يتمكنوا من الفوز عليها بشق الأنفس. فوجدتُ أنها أرخبيل من عشر جزر في المحيط الأطلسي، قبالة الساحل الغربي لأفريقيا، عاصمتها برايا، ويبلغ عدد سكانها نحو نصف مليون نسمة. استقلت عن البرتغال في الخامس من يوليو عام 1975، أي في مثل يوم نشر هذا المقال، وفي وجدانها الثقافي تحضر الموسيقى بقوة، خاصة المورنا التي توصف بأنها موسيقى الحنين والبحر والغياب، وأشهر من غنتها المطربة الراحلة سيزاريا إيفورا التي عُرِفتْ بلقب «المغنية الحافية» لأنها كانت تغني على المسرح حافية القدمين. هناك أيضا الفونانا والكولاديرا والباتوك، وهي فنون شعبية تجمع الإيقاع والرقص والذاكرة الجماعية. أما أدبها فيدور كثيرًا حول الجزيرة، والهجرة، والجفاف، والمنفى، والبحث عن الهوية، ومن أبرز أسمائه بالتازار لوبيس دا سيلفا، صاحب رواية «شيكينيو»، التي تعد من الأعمال المؤسِّسة في أدب الرأس الأخضر الحديث.
سألتُ الذكاء الاصطناعي عن دوري كرة القدم في «الرأس الأخضر» وهل هو قوي كما يبدو من استبسال لاعبي المنتخب؟ ففاجأني أن بطولات الرأس الأخضر المحلية محدودة، والدوري فيها لا يشبه الدوريات المحترفة الكبرى، لكن المنتخب عرف مع ذلك كيف يستفيد من أبنائه في الشتات، ومن لاعبين احترفوا في البرتغال وهولندا وفرنسا وتركيا وبلدان أوروبية أخرى، وعادوا إلى بلادهم بخبرة الملاعب الأوروبية، وبحب وانتماء كبيرين لوطنهم الأم.
في كتابه «كرة القدم في الشمس والظل» قال إدواردو غاليانو عبارة تصلح لوصف هذه الشهرة الواسعة والإعجاب الكبير الذي نالته بسبب كرة القدم دولة مغمورة لا تكاد تبين على الخارطة، وهي أن «المهارات في حالاتٍ كثيرةٍ تتلخص في فنّ تحويل النقائص إلى فضائل». وهذا ما فعلته هذه الدولة الأفريقية الصغيرة التي لطالما مررنا ربما على اسمها في الخارطة دون أن يستوقفنا، فقد استثمرت في أبنائها المحترفين، وجلبت مدربًا متمكنًا، فضمنت الحضور في أهم احتفالية في العالم يشاهدها نحو خمسة مليارات إنسان، واستطاعت بتألقهم ونجوميتهم أن تتحول من دولة مغمورة، إلى اسم يتردد بإعجاب على كل لسان. وهذا وحده يكفي لكي نمدح كرة القدم، ونمدح معها من يولونها الاهتمام والتخطيط.
سليمان المعمري كاتب وروائي عُماني
