الأشدّ حرارة من الصيف!

01 يوليو 2026
هوامش.. ومتون
01 يوليو 2026

ارتفعت درجات الحرارة الصيف الحالي كثيرًا عن معدّلاتها التي تُسجَّل في كلّ عام، بسبب عوامل مناخيّة عالميّة كثيرة يعرفها ذوو الاختصاص، ويُجملونها بزيادة الاحتباس الحراري، والنشاط الشمسي الذي يتكرّر مرّة كلّ أحد عشر عامًا! 

وقد اعتاد الكثيرون ممّن لا يطيقون درجات الحرارة العالية في مناطقنا الفرار إلى أوروبا، هربًا من الهجير، وهو، كما تقول المعاجم العربية، الوقت الذي يشتدّ فيه الحرّ في منتصف الظهيرة، ويمتدّ حتى العصر، والمفردة مشتقّة من الهجر؛ لأنّ الناس، عندما ينتصف النهار، يهجرون أماكن البيع في الأسواق، ويعودون إلى بيوتهم هربًا من الحرّ الشديد، فلا تطبخهم الهاجرة، كما يقول أهل البلاغة، ويلفحهم حرّها، لكنّ أوروبا لم تعد كما كانت ملاذًا مناسبًا للمصطافين، فقد شهدت، هي الأخرى، ارتفاعًا قياسيًّا في درجات الحرارة تجاوز 40 درجة مئوية، أدّى إلى وفاة الكثير من كبار السن، خصوصًا في فرنسا وإسبانيا، حتى زاد عدد المتوفّين على 1300 حالة، لذا أعلنت الجهات المسؤولة حالة الطوارئ، ووضعت المستشفيات خططًا للحدّ من المخاطر الناجمة عن ذلك، وأغلقت بعض المدارس أبوابها لحماية الطلّاب من ضربات سياط الشمس الحادّة، وحذّرت وسائل الإعلام المواطنين من الخروج إلى الأماكن العامّة، إلّا للضرورات، مع الإكثار من شرب الماء، وضجّت وسائل التواصل الاجتماعي بمقاطع فيديو يصوّر أصحابها شدّة الحرارة في تلك المناطق التي لم تُصمَّم بيوتها على التكيّف مع الحرّ الشديد. 

لكنّ الشعراء يرون أنّ هناك ما هو أشدّ حرارة من الشمس، ويعنون: حرارة الشوق؛ لأنّها تحرق القلب، الذي هو في قصائدهم مركز الحرارة، يقول المتنبّي: 

واحرَّ قَلباهُ مِمَّن قَلبُهُ شَبِمُ 

وَمَن بِجِسمي وَحالي عِندَهُ سَقَمُ 

وتكبر المفارقة، عندما تُقابل حرارة القلب ببرود قلب الطرف الآخر، وهذه المفارقة جعلت المعنى في مطلع القصيدة عميقًا وبليغًا، ويرى الشاعر والأديب العباسي أحمد بن أبي طاهر (819 ــ 893)، المعروف بـ(ابن طيفور)، بأنّ حرارة الشوق أشدّ من حرارة ظهيرة يوم قائظ، خصوصًا عندما تكون الريح ساكنة (أومد)، بقوله: 

ويومٍ كحرّ الشوق في صدرِ عاشقٍ 

على أنّه منه أحرّ وأَومدُ 

ظللتُ به عند (المبرّد) قائلًا 

فما زلتُ في ألفاظه أتبرّدُ 

وحين قرأ البيتين على مسامع اللغوي (المبرّد)، الذي لجأ إليه ذات ظهيرة، فقدّم له الطعام والشراب البارد، لم يعجبه المعنى، وهو العالم بأسرار اللغة، فشتّان ما بين الكلام الحارّ والكلام البارد، لذا غضب على ضيفه، ويبدو أنّ حرارة الظهيرة جعلت أعصاب (المبرّد) تثور بسرعة، كما يحصل كثيرًا هذه الأيام، فلم يتحمّل هفوة الشاعر غير المقصودة، التي فرضتها القافية، وولعه بالمحسّنات البديعية اللفظية، والجناس الناقص في (المبرّد) و(البرد)، فانفجر بوجهه، وقال له: «قد كان يسعك، إذ لم تحمد، أن لا تذم، وما لك عندي جزاء إلّا إخراجك، والله لا جلست عندي بعد هذا». فأخرجه، وعاد إلى الهجير ثانية، ليعاني من حرقتين: حرقة القلب ندمًا، وحرقة الهجير، حاله حال الجارية التي صادفها الأصمعي عندما خرج ذات يوم في الهاجرة، «والجو يلتهب ويتوقّد حرًّا، ومعها جرّة فضّة تستقي فيها ماء، وهي تردّد هذا البيت بحلاوة لفظ، وذرابة لسان: 

حرُّ وجدٍ وحرُّ هجرٍ وحرُّ 

أيّ عيشٍ يكونُ من ذا أمرُّ؟» 

فاجتمعت حرارة الشوق، والحزن، والفراق، بحرارة الظهيرة، التي لم تسلم منها حتى الدوابّ في الصحراء، فالأفاعي تتململ من شدّة الحرّ، يقول الشاعر الجاهلي ثابت بن أوس الأزدي، المعروف بـ(الشنفرى). 

في لاميّته الشهيرة بـ(لاميّة العرب)، واصفًا تحمّله شدّة الحرّ، حين يخرج في الظهيرة بوجه مكشوف لا يضع عليه أيّ شيء يقيه منه، ويرتدي (الأتحميّ المرعبل)، أي: الثوب الممزّق، وهو خرقة بالية، و(الأتحميّ) نوع من الثياب اليمنية التي كانت تُلبس كالعباءة، وكلّ ذلك يحدث في يوم شديد الحرّ تضيق به الأفاعي، رغم اعتيادها عليه: 

ويومٍ من الشِّعْرى يذوب لعابُه 

أفاعيه في رمضائه تتململُ 

نَصَبْـتُ لـه وَجْهِـي ولا كِـنَّ دُونَـهُ 

ولا سِــتْــرَ إلاَّ الأَتْـحَـمِــيُّ الْـمُـرَعْـبَــلُ 

ويذهب الشاعر الأموي غيلان بن عقبة (ذو الرمة) بعيدًا في وصفه شدّة الهاجرة في الصحراء، حتى إنّ الحرباء تخرج من جحرها، الذي يتحوّل إلى فرن، لكنّها تصطدم بحرّ الهواء، فيكون حالها «كالمستجير من الرمضاء بالنار»، في قصيدته التي مطلعها: 

أَمُنكِرٌ أَنتَ رَبعَ الدارِ عَن عَفَرِ؟ 

لا بَل عَرَفتَ فَماءُ العَينِ مَسكُوبُ 

فيرسم صورة بصرية موجعة، فالحرباء لا تجد غير غصن شجرة ذاوٍ، فتقف عليه متسمّرة، تستقبل الشمس بجسدها، فتشبه بذلك رجلًا كبير السنّ مصلوبًا على شجرة: 

كأنَّ حِرْباءَها في كلِّ هاجرةٍ 

ذو شيبةٍ من رجالِ الهندِ مصلوبُ 

ووجد البعض في حرّ الصيف فرصة للتذكير بنار جهنم لأخذ العظة والعبرة: 

تفرُّ من الهجيرِ وتتقيهِ 

فهلاّ من جهنمَ قد فررتَ 

ولستَ تطيقُ أهونها عذابًا 

ولو كنتَ الحديدَ بهِ لذبتَ 

والإنسان، بطبعه، خطّاء، فيحمد الله لأنّ حرّ الدنيا أهون بكثير، ولا فرار من الهجير. 

عبدالرزّاق الربيعي شاعر وكاتب عماني