مسقط وباريس.. شراكة من ذاكرة البحر إلى اقتصاد المستقبل
27 يونيو 2026
27 يونيو 2026
منذ منتصف القرن السابع عشر بدأت السفن الفرنسية تعبر إلى الهند والخليج عبر ميناء مسقط المزدحم بالسفن القادمة من الشرق والغرب لتسجل بداية تواصل بين عُمان وفرنسا في لحظة كانت طرق التجارة العالمية يعاد رسمها بين المحيط الهندي والخليج وأوروبا. ومنذ تلك اللحظة لم تنقطع الصلة بين البلدين وإن تذبذبت حرارتها على إيقاع الإمبراطوريات الصاعدة والآفلة.
الزيارة الرسمية التي يقوم بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، لفرنسا تلبية لدعوة الرئيس إيمانويل ماكرون تأتي في سياق كتابة فصل جديد من علاقات عمرها ثلاثة قرون ونصف، وقراءة هذا الفصل تقتضي العودة إلى الفصول الأولى لأنها فصول تفسر اللحظة الحاضرة وتضعها في سياقها الصحيح.
في أربعينيات القرن التاسع عشر عندما كانت عُمان في أوج قوتها البحرية والتجارية، حتى أطلق عليها الفرنسيون أنفسهم اسم «الإمبراطورية العمانية» حيث كان يمتد نفوذها من سواحل فارس إلى زنجبار وساحل شرق أفريقيا، في تلك المرحلة وقعت عُمان وفرنسا معاهدة الصداقة والتجارة عام 1844. والأهم من المعاهدة السياق الذي وقعت فيه حيث وقع السلطان سعيد بن سلطان في الإطار نفسه اتفاقات مع بريطانيا والولايات المتحدة محافظا على «مسافة متساوية» بين الجميع. وربما في هذه اللحظة التاريخية نستطيع أن نقرأ الجذر التاريخي لما نسمّيه اليوم سياسة عُمان في التوازن والحياد. كانت عُمان حريصة جدا أن تقف على مسافة واحدة من الجميع رغم أنها كانت امبراطورية وتملك من القوة والنفوذ ما يجعلها تقف في مستوى واحد أو قريب من كل إمبراطوريات تلك المرحلة التاريخية. وكانت عُمان في تلك المرحلة فاعلا قويا في التجارة والاقتصاد فلم ترض لنفسها أن تذوب بعيدا عن فلكها الذي تنتمي له.
تكتسب زيارة جلالة السلطان المعظم، إذا، دلالتها الكبيرة من سياقها التاريخي، فالعلاقة التي بدأت بسفينة تجارية تعود الآن إلى محورها الأول ـ الاقتصاد ـ لكن بمعادلة مختلفة، فقد بلغ حجم التبادل التجاري نحو مائة مليون ريال عماني في 2025.
غير أن الرقم الذي يكشف العلاقة الأمتن بين البلدين لا يكمن في تجارة السلع ولكن في قيمة الاستثمار. وكان البلدان قد وقعا سبع عشرة اتفاقية تجاوزت قيمتها الاجمالية 762 مليون ريال عماني خلال مشاركة سلطنة عُمان في معرض «ميبيم» بمدينة كان، وهذا رقم كبير يعطي مؤشرا على مستقبل العلاقات الاستثمارية بين البلدين والمتوقع أن تتعزز خلال الزيارة وبشكل خاص في قطاعات الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر والاقتصاد الرقمي وسلاسل الإمداد.
ورغم أهمية ملف الاقتصاد في هذه الزيارة إلا أن هناك بعدا آخر يحرص حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، أيده الله، أن يعطيه المساحة التي يستحقها حتى لا تكون لغة الاقتصاد هي اللغة التي توجه حياتنا وتدير علاقاتنا بالأمم والحضارات الأخرى. ومن المقرر أن يقوم جلالة السلطان المعظم بزيارة إلى منظمة اليونسكو. وكانت عُمان قد أطلقت مؤخرا وبالتعاون مع اليونسكو جائزة باسم السلطان هيثم لصون التراث الثقافي غير المادي في تأكيد على رؤية عُمان في أن الثقافة تحمل رسالة إنسانية مشتركة بين الأمم والشعوب. وجلالة السلطان المعظم عندما يخاطب العالم من منصة اليونسكو العالمية يستأنف بلغة هذا العصر التقليد ذاته الذي مكّن عُمان قبل قرنين من أن تكون صديقة للجميع دون أن تكون تابعة لأحد. إن الرصيد التاريخي مهما كان عظيما لا قيمة له ما لم يُترجَم إلى حاضر وسيكون أمام البلدين مهمة كبيرة تتمثل في تحويل ذلك الرصيد التاريخي من العلاقات الاقتصادية والثقافية إلى شراكة متينة تنقل التكنولوجيا والمعرفة قبل السلع والبضائع.
