النمو الاقتصادي واختبار التنويع
22 يونيو 2026
22 يونيو 2026
تكشف أرقام الربع الأول من عام 2026 أن الاقتصاد العُماني يدخل الخطة الخمسية الحادية عشرة من موقع أفضل مما كان عليه قبل عام، لكنه يدخلها أيضا أمام اختبار أكثر تعقيدا. فالنمو البالغ 2.6 بالمائة، وارتفاع الناتج المحلي الإجمالي إلى 9.7 مليار ريال عُماني، يمنحان مؤشرا مطمئنا على قدرة الاقتصاد على مواصلة التوسع رغم اضطراب البيئة الإقليمية وتقلبات سوق الطاقة. غير أن قيمة هذه الأرقام لا تقاس بحجم النمو وحده، وإنما بطبيعته ومصادره ومدى قابليته للاستمرار.
اللافت في بيانات الربع الأول أن النمو جاء من مصدرين متوازيين: انتعاش الأنشطة النفطية بعد تخفيف قيود الإنتاج، واستمرار نمو الأنشطة غير النفطية، وإن كانت بوتيرة لا تزال دون الطموح الذي تفترضه مرحلة التنويع. فقد نمت الأنشطة النفطية بنسبة 4.6 بالمائة، مدفوعة بارتفاع القيمة المضافة للنفط الخام والغاز الطبيعي، وهو تطور يمنح المالية العامة والنشاط الاقتصادي متنفسا مهما. لكن الاعتماد على هذا المتنفس ينبغي ألا يحجب سؤال إلى أي مدى يستطيع الاقتصاد غير النفطي أن يتحول من عامل مساند إلى محرك رئيسي للنمو؟
لا تزال الإجابة مختلطة، فالأنشطة غير النفطية حققت نموا بنسبة 2.4 بالمائة، وهي نتيجة إيجابية في ظل الضغوط الإقليمية وتأثر بعض القطاعات مثل السياحة. كما أن نمو الخدمات بنسبة 3.7 بالمائة والزراعة وصيد الأسماك بنسبة 6.1 بالمائة يشير إلى مساحات واعدة في الاقتصاد الحقيقي. في المقابل، فإن تراجع الأنشطة الصناعية بنسبة 1.2 بالمائة يبعث برسالة لا يصح تجاوزها، لأن الصناعة تمثل الحلقة الأكثر صلة بالإنتاجية والتصدير ونقل التقنية وخلق وظائف ذات قيمة مضافة.
من هنا تبدو أرقام الربع الأول أكثر إرشادا للسياسة الاقتصادية. تحقق النمو وظهرت المرونة لكن الخطة الحادية عشرة مطالبة بأن تنقل الاقتصاد من مرحلة امتصاص الصدمات إلى مرحلة بناء قدرة إنتاجية أعمق. والتوقعات التي تضع النمو بين 2.6 و3.7 بالمائة هذا العام ومتوسطا يقارب 4 بالمائة خلال سنوات الخطة تبقى قابلة للتحقق إذا ظل الانضباط المالي قائما وتقدمت الاستثمارات النوعية وتوسعت القاعدة الصناعية وتحسنت كفاءة التنفيذ.
لقد أثبت الاقتصاد العُماني أنه قادر على العبور في ظروف صعبة، والمهمة الآن أن يتحول هذا العبور إلى مسار نمو أقل حساسية للنفط وأكثر ارتباطا بالإنتاجية والابتكار والتنافسية وهذه هي القيمة الحقيقية لأي نمو مستدام.
