No Image
رأي عُمان

توقفت الحرب.. فماذا على الخليج أن يفعل؟

16 يونيو 2026
16 يونيو 2026

قبل ثلاثة أيام أُعلنت مذكرة التفاهم التي تُنهي حربا امتدت أكثر من مائة يوم بين الولايات المتحدة وإيران. ستون يوما تفصل الهدنة عما يُرجى أن يكون سلاما دائما في منطقة أنهكتها الحرب، وسيعود مضيق هرمز ليتنفس ثانية وستصمت أصوات الصواريخ والمضادات الأرضية ويعود الهدوء والأمن للخليج. وسيستطيع الخليج طرح أسئلته المؤجلة التي انتقلت في الأسابيع الماضية من خانة المسكوت عنه إلى خانة الأمن الوطني المستعجل. وأول الأسئلة التي على الخليج مواجهتها الآن سؤال الدروس المستفادة من الحرب وما تستوجب من مراجعات عميقة وعاجلة.

منذ السبعينيات قام أمن منطقة الخليج على معادلة النفط مقابل الحماية، وبدت الصفقة مربحة طوال خمسة عقود بالنظر إلى نوعية النموذج الاقتصادي. تغير الأمر بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران التي كشفت الفاتورة الحقيقية لمعادلة النفط مقابل الحماية، وصار واضحا أن تلك الفاتورة نفسها أصبحت العبء الأكبر على الخليج وعلى شعوبه. وطرح في الخليج وعلى أعلى المستويات أهمية إجراء مراجعة شاملة لكل النماذج التي تعمل في المنطقة، بما في ذلك النموذج الأمني والاقتصادي.

أثبتت الحرب أن المظلة الأمنية الواحدة أو الشراكة الواحدة من شأنها أن تجلب الخطر بنفس القدر الذي كانت فيه تعد بدرئه. يحارب الشريك وفقًا لمصالحه في المقام الأول دون أن يهتم بالارتدادات العسكرية والاقتصادية. والبديل ليس قطيعة مع الشركاء الحاليين، البديل بناء قدرة دفاعية ذاتية وجماعية تجعل الخليج شريكا في أمنه لا مجرد مشترٍ ومستهلك للأسلحة والأنظمة الدفاعية.

ثمة أمر ثانٍ في غاية الأهمية لا ينفصل عما قبله وهو الترابط البيني الذي كشفت الحرب أهميته لبناء أمن خليجي جماعي. واجهت العواصم الخليجية ارتدادات الحرب بشكل منفرد سواء كانت الارتدادات العسكرية أو الاقتصادية أو الاجتماعية. ورغم الجهود التي بذلتها دول خليجية لفتح مسارات آمنة لبقية دول الخليج كما فعلت سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية إلا أن هذا الأمر احتاج إلى أسابيع قبل أن يتبلور على نحو طبيعي. إن دول الخليج عندما تتحرك في كتلة واحدة تستطيع أن تضغط وتفرض شروطها في جميع المسارات وتكون طرفا في السلم كما فرض عليها لا أن تكون طرفا في حرب ليست حربها.

أما المراجعة الثالثة فاقتصادية في الصميم؛ حيث اكتشفت دول الخليج أن طرف المعادلة الأول وهو النفط هو ذاته مكمن الضعف الذي تبدى خلال الأشهر الماضية.. النفط الذي هو شريان اقتصاد جميع دول الخليج رهين جغرافيا لا سبيل لتغييرها. وكلّ يوم مر ومضيق هرمز مغلق أمام النفط الخليجي كان درسا عميقا في أهمية التنوع إلى حد أنه صار في لحظة من اللحظات شرطا للبقاء.

المراجعة الأهم التي على دول الخليج أن تقف أمامها طويلا تتعلق بالخطاب، الخطاب الذي تعاملت به المنطقة مع هذه الحرب، سواء خطاب النخب السياسية أو الثقافية أو الإعلامية والأكاديمية؛ إذ قرأت المنطقة الحرب بخطاب متفاوت نقصه العمق والخبرة في بعض الأوقات الأمر الذي تسبب في غياب الرؤية الكاملة للحرب ومعناها البعيد ومسارها وفرص انتشال المنطقة من جحيمها. وتأثرت الكثير من الخطابات بحالة الاستقطاب التي قادتها الدول التي أشعلت الحرب أو كانت حربها بشكل مباشر. وليس أخطر على المنطقة من أن يمتد حبل الوصاية عليها من حقل الأمن إلى حقل الوعي وهذه أفدح صور الاعتماد لأنها تَستبطن العجز عن رؤية الذات بعين الذات.

لا خيار أمام دول الخليج، وقت وضعت الحرب أوزارها ولو إلى حين، إلا أن تطرح هذه المراجعات في سياقات مجتمعية وأمام نخبها المطالبة أيضا أن تكون على قدر المسؤولية التاريخية. ويملك الخليج خيارات بناء تحولاته الحقيقية في ضوء الدروس التي خرج بها من هذه الحرب في مشهدها الكامل والعميق.

تغير المشهد بين عام 1990 وبين 2026 وعلى الخليج أن يستفيد من الدرس؛ فالنموذج الأمني الذي بني بعد عام 1990 كان هو مصدر الخطر في 2026 والستون يوما التي تفصل المنطقة عن السلام المرتقب مهلة قصيرة جدا لا تكفي لبناء الجيوش أو تغيير النماذج الاقتصادية لكنها تكفي لأن يقرر الخليج كيف يوازن بين الدرسين في العقود القادمة، كم يبقي من الاعتماد الذي لا غنى عنه، وكم يبني من الاستقلال الذي لا أمن بدونه. والسلام الذي يلوح في الأفق فرصة للمراجعة قبل أن يكون مكافأة على الصمود.