تطبيق الفعاليات الثقافيّة في عمان
16 يونيو 2026
16 يونيو 2026
اليوم -والحمد لله- هناك شيء من التفاعل الثقافي خصوصا في محافظة مسقط، هذا التفاعل ليس لصيق عالم محدد من الثقافة، هناك تنوع ثقافي واضح، على مستوى الأدب أو الفكر أو التأريخ أو الفنون بأنواعها، وغيرها من الجوانب الثقافية، وهي تظاهرة جميلة أن نجد مثل هذا التفاعل الأسبوعي غير المتوقف، ومن مبادرات العديد منها شبابية.
هذا التفاعل يحتاج إلى تطبيق جامع له؛ مثلا في مسقط تجد أحيانا في الأسبوع الواحد من عشر إلى خمس عشرة فعالية، وفي اليوم الواحد تجد أكثر من برنامج ثقافي، وهذا شيء صحي، بيد يحتاج هذا إلى تطبيق جامع له -كما أسلفت-، بمعنى أن المتابع يستطيع أن يعرف الفعاليات الثقافية اليومية، وبالتالي يستطيع اختيار الفعالية المناسبة لعالمه.
هذا البرنامج موزع على المحافظات ابتداء، ثم على الولايات ومراكزها ومقاهيها وأماكن مبادراتها الثقافية، بمعنى إذا كنتَ في ولاية معينة، تستطيع بكل سهولة معرفة البرنامج الثقافي فيها، وبالتالي اختيار البرنامج المناسب لك، وهذا يشجع البرامج الثقافية ذاتها في التنافس والإبداع، وفي الوقت نفسه يسهل الوصول إلى الفعالية المناسبة.
كثير من الإعلانات موزعة على وسائل التواصل المختلفة، لكنها متضاربة ولا تصل أحيانا، بينما لو وجد تطبيق محكم لاستطاع المتابع اختيار ما يناسبه بكل سهولة، ثم يمكن أن يكون هناك شراك بين المبادرات الفردية، والمؤسسات الثقافية، كانت رسمية أو اعتبارية أو مؤسسات مجتمع مدني، مع الجامعات والكليات والمدارس التعليمية، بحيث يحدث شيء من التكامل من جهة، وشيء من التنافس من جهة أخرى، مما يرقي بالعمل الثقافي ذاته.
في دالاس مثلا وجدت برنامجا مخصصا للمقاهي الثقافية، بمعنى هناك العديد من المقاهي تعلن عن برنامجها مؤقتا باليوم والساعة، ومرفقا بالخريطة إلى المقهى، وعنوان التواصل مع الجهة المعنية.
وقد اخترت أحدها يناسب مما جئت لأجله، فوجدت المقهى ممتلئا بالحضور، حيث كانت جلسة حوارية مفتوحة، فهذا البرنامج سهل لي معرفة الفعالية والمشاركة فيها.
مثل هذه البرامج من جهة أخرى تشجع السياحة الثقافية، سواء كانت السياحة الداخلية، أم السياحة الخارجية، فلا تقتصر السياحة الثقافية عند زيارة المزارات والمعالم، أو المكتبات والأماكن التعليمية والمؤسسات والمتاحف ذات الصبغة الثقافية، فهناك السائح الراغب في الاقتراب من ذات المناشط الثقافية وقراءتها إما لكشف الآخر، أو لدراسة، أو لكتابة صحفية، أو لتقرير إعلامي، فمثل هذه التطبيقات تختصر له الطريق.
كما أن هذه البرامج تعطي خريطة أفقية لأصحاب القرار، ومن له صلة مباشرة بالثقافة؛ فالإعلانات المتناثرة لا تعطي تلك الصورة الحقيقية، وقد تغيب عن صاحب الشأن، بينما البرنامج أو التطبيق يعطي خريطة واضحة للمشهد الثقافي، من حيث نوعية المناشط الثقافية ذاتها، وبها يدرك النقص في مناشط أخرى، كما بها يدرك المقاهي والمؤسسات ذات الصبغة الفاعلة من المقاهي والمؤسسات الخاملة، كذلك يستطيع قراءة العناوين المقدمة وميولات المجتمع، وأين يكمن الثقل الثقافي من حيث الولايات وأين محل الضعف، مما يعطي إحصائية أفقية تقود إلى العلاج الرأسي من المعنيين بالأمر الثقافي.
لهذا ينبغي أن ينطلق هذا التطبيق أو البرنامج من الجهة المعنية، وهي حاليا وزارة الثقافة والرياضة والشباب، لما لها من قدرة مالية من حيث الابتداء، ثم لكونها الجهة المباشرة والمعنية بالثقافة والمبادرات الثقافية والشبابية، ومثل هذه التطبيقات مكلفة نوعا ما، وتحتاج إلى تحديث وإشراف مستمر، وهي حالة ضرورية في الارتقاء بالعمل الثقافي، لما يترتب عليه من قراءة واضحة للعمل والمشهد الثقافي، وليس مجرد انطباعات وتقييمات متناثرة، وهذا يحتاج إلى مركزية وزارة الثقافة ذاتها.
على أن هذا التطبيق لا يقتصر عند الجانب الإعلاني، فهو يشكل أمرين في نظري بجانب ما أسلفت إليه من جوانب ثلاثة: تفعيل الجانب الثقافي تنافسا ورقيا، وتنشيط السياحة الثقافية، ووضعها في خريطة أفقية واضحة بها يدرك القراءة الرأسية للباحثين وأصحاب القرار. بجانب هذا هناك أمران مهمان أيضا في نظري، الأمر الأول: هذا البرنامج لا يتيح متابعة مكان وزمان وموقع الفعالية فحسب، بل يتيح مشاهدتها مباشرة وهو في بيته أو سيارته أو سفره، فالبرنامج يشجع على البث المباشر، ولنا مثلا في النادي الثقافي تجربة جيدة في هذا؛ فغالب إن لم يكن جميع المناشط الثقافية في النادي تبث بشكل مباشر، لهذا يتابعها القريب الذي لا يستطيع الحضور، والبعيد من حيث الولايات الذي يصعب عليه الوصول إلى مسقط، والمتابعين من خارج عُمان؛ فنجد في الفعالية رسائل وأسئلة ترسل من دول عربية من موريتانيا وحتى العراق، وأحيانا من عرب المهجر، وهذا تيسر بسبب البث المباشر.
البث المباشر ذاته يقود إلى الأمر الثاني وهو حفظ الذاكرة الثقافية؛ فللأسف غالب البرامج والمناشط الثقافية في عُمان هي رهين اللحظة، مثلا: منذ 2000م وحتى 2026م هناك مئات الفعاليات الثقافية التي أقيمت في مسقط والمدن الأخرى، ومنها ما لازم المهرجانات والمناسبات الثقافية، ولكن نسبة ما حفظ من ذاكرتها مرئيا وكتابيا قليل جدا، فمع كونها ذاكرة قريبة لكنها شاخت بسرعة حتى أصبحت من التأريخ المنسي؛ فالذي يريد دراسة هذه المرحلة سوف يبحث عن الرواية الشفهية التقليدية التي قد تناسب قبل خمسين عاما، لكن لا تناسب المرحلة الرقمية الموثقة للحظة بدقة في واقعنا اليوم.
فمثل هذه التطبيقات بعد حين سوف تضعنا على برنامج يحمل ذاكرة مليئة بالفعاليات يستفيد منها الجيل القادم، كما تكون مادة متاحة للدراسة والنقد والتطوير، مثال هذا تطبيق (عين) في وزارة الإعلام، فهو برنامج ناجح بمعنى الكلمة، يوفر البث المباشر المرئي والسمعي.
كما يوفر ذاكرة لما يبث يسهل الرجوع إليها والاستفادة منها، وهذا ما نرجو أن تلتفت إليه وزارة الثقافة لحفظ وتنشيط البرنامج الثقافي العماني من خلال تطبيق محكم، يدرك المجتمع ثمرته بعد حين.
