وداعـًا عاشقة القمم

01 أغسطس 2026
01 أغسطس 2026

خبر ثقيل، بلا شك، هذا الذي نقل إلينا رحيل المتسلقة العمانية نظيرة الحارثي، بين كوكبة من المتسلقين إثر حادثة انهيار ثلجي يوم الخميس ٣٠ يوليو ٢٠٢٦م، بينما هم على ارتفاع ٦٠٠٠م فوق سطح الأرض (قمة جبل شمس العمانية ٣٠٠٩م) في رحلة صعودهم وتسلقهم جبال قراقرم الباكستانية أحد جبال سلسلة الهملايا، خبر فجعنا نحن العمانيين برحيل إحدى أيقوناتنا المعاصرة الملهمة عن عمر ٤٨ سنة، أول متسلقة عمانية لجبل إفرست ٢٠١٩م، وكأنما تدفعنا الحادثة كلها لتسليط الضوء، وسط تشويش الشاشات، على الثمين في تجربتنا الإنسانية الفانية، وكيف للإنسان أن تصعد به رؤاه وأحلامه وطموحه ليصبح نبع إلهام جبلي للأجيال، ورحيلها المبكر هذا يذكرنا بزميلها ومرشدها الراحل خالد السيابي أول عماني يصعد قمة جبل إفرست ٢٠١٠م الذي غادرنا فجأة عام ٢٠١٩م عن ٤٧ سنة. 

الحوادث متوقعة دومًا، والمنايا خبط عشواء كما قال زهير، ليس في هذه الرياضة الصعبة والخطرة فحسب، ولا في غيرها من الرياضات، بل تقع الحوادث في حياة الناس العادية، والموت كما يذكرنا بيت الشعر الشهير (تعددت الأسباب والموت واحد) هو واحد في حد ذاته وتجريده ونتيجته، والفارق كله يكمن في قصة الحياة نفسها لا في حادثة الموت. 

قد يرحل المرء بسبب سكتة مفاجئة من أي نوع وهو في عقر داره، فليست الحوادث ولا الفناء بحد ذاته شيئًا استثنائيًا في حياتنا البشرية، بل هو من صميم تجربة الحياة، وإنما الاستثناء في الحياة نفسها، والحيوات الملهمة حيوات استثنائية، ولعل أشرف الحوادث هي التي تقع للمرء وهو يسعى لغايته كما قال امرؤ القيس مرة: (نحاول ملكًا أو نموت فنعذرا). 

كل من يمارس رياضة تسلق الجبال يدرك بوعي تام كامل كل المخاطر التي تحدق بهذه الرياضة التي هي إحدى الرياضات الخطرة، بل كما روت نظيرة الحارثي، في مقابلاتها الأخيرة، نوفمبر الماضي، على إذاعة هلا إف إم، أن المتسلق في طريقه للقمم يجد نفسه يعبر أحيانًا فوق الجثث المتجمدة لمن سبقوه محاولين بلوغ القمة، ولذلك يتلقى المتسلقون تدريبات متخصصة تجعل التدريب المتواصل والمستمر جزءًا من نمط حياتهم، ويتخذون كل احتياطات السلامة والأمان من أدوية ومهارات الإسعاف والتنسيقات وإخطار السلطات المحلية، لكن كما قالت الراحلة في مقابلتها تلك فإن بعض المخاطر والمفاجآت خارجة عن سيطرة المتسلق أو الإنسان نفسه وضربت يومها مثلًا بالانهيارات الثلجية تحديدًا، وكأنما كانت الروح تستشرف الحادثة. 

الصعود الجبلي وتسلق الجبال في حد ذاته يوسع آفاق تجربة الجسد البشري ويرفع سقف طموحات الإنسان، فالرياضة أيًا كانت ظلت ملهمة ورمزًا لتجاوز الحدود، حتى حدود الجسد ذاته، وتلك هي قصة الإلهام نفسها التي تنبعث في أنفس الناس، فكل محبط من وضعه يرى أو يسمع بهذه الهمة العالية التي تصعد القمم لا يستلهم فحسب بل يستمد مباشرة في نفسه وأفكاره وجسده إمكانياته وقدراته بما أنه هو الآخر كائن بشري حي. 

إذا كان العالم القديم منذ ما قبل التاريخ يأخذ رموزه وأبطاله من المعارك الحربية، والمواجهات السياسية، والإنقاذ، أو الرموز الدينية، فإن عالمنا المعاصر الحديث يجدد رموزه ونجومه في الحياة المدنية من الرياضيين ونجوم السينما والفن والأدب، ولعل رياضة التسلق تحديدًا من أصعب وأشق الرياضات لما تتطلبه من تمرين مستمر لا يتوقف، فقد ذكرت الراحلة أنها تسلقت جبل شمس ثلاث مرات ليلًا من باب التدريب، وكأن الإنسان يصهر حياته كلها في رمزية وجوده، وكلما فعل ذلك كلما شعر بصفاء ووضوح رؤيته وهدفه من أجل بلوغ ذلك الهدف العالي على تخوم الآفاق البشرية، والإشراف على الأرض من قممها المتجمدة من شدة ارتفاعها، ليثبت لنفسه غاية سامية وملهمة، من صعود القمم المعنوي إلى صعودها الفعلي. 

الفتاة القروية، كما تصف نفسها في موقعها الإلكتروني، معلمة الدراسات الاجتماعية السابقة، كثّفت وجودها، وكان يكفيها لو شاءت أن تتكئ على منجزات أسرتها الصغيرة، فوالدها وإخوتها وأخواتها أعلام مبرّزون لهم إنجازاتهم الحياتية، لكنها اختارت الإنجاز الفردي، ذلك الذي لا يفيدك فيه النسب والمكانة الاجتماعية، وكرست نفسها لهذه الرياضة التي قالت مرة إنها وجدت فيها نفسها، في وجود تضيع في الأنفس والذوات من بعضها البعض وقل أن يجد المرء نفسه، هكذا كرست نظيرة لأعلى القمم كل ما تملك من وقت وجهد وحياة. 

من أجل تلك القمم التي أدمنتها وعشقتها، منذ بزغت الفكرة وآمنت بها وحققتها في صعودها الأول لقمة إفرست عام ٢٠١٩م، كرست الأعوام التالية لصعود القمم ففي عام ٢٠٢١م صعدت قمة اما دابلام كأول عربية تصل تلك القمة، وفي العام نفسه قمة ماناسلو في النيبال ثامن أعلى جبل في العالم كأول عمانية، وفي العام التالي٢٠٢٢م بلغت قمة K2 كأول عمانية، وفي ٢٠٢٣م كانت على قمة ماترهورن في جبال الألب الأوروبية، وفي عام ٢٠٢٤م كانت أول عربي من الجنسين يبلغ قمة نانكا بربت (الجبل العاري) في باكستان تاسع أعلى قمة في العالم بارتفاع أكثر من ٨ آلاف متر، المسمى بالجبل القاتل لوعورة مساراته، ولعل ذلك كان أصعب إنجاز تحققه هذه المتسلقة الفذة، وفي العام نفسه صعدت ثاني أعلى جبل بعد إفرست وهو جبل جي ٢، أو جبل جاشيربروم، وكلا القمتين قريبتان من قمة برود بيك (القمة العريضة) التي وقعت فيها حادثة الانهيار الثلجي المؤسفة التي أسفرت عن وفاة الفريق. 

تسلق الجبال نوع من التحدي في حد ذاته، هو ارتحال معاصر، والمتسلقون رحالة، لكنهم بدل أن يجوبوا الأرض المنبسطة كبقية الرحالة والمستكشفين، فإنهم يستكشفون الأعالي والقمم، وهكذا كانت متسلقتنا الراحلة في سعيها لصعود القمم الأربع عشرة، الإنجاز الذي لم يحققه على مستوى العالم غير ٣٦ متسلقًا إلى يومنا. 

يسعى المرء مدفوعًا بما يتجاوز وجوده العابر، تلك الرغبة البشرية القديمة نفسها التي تدفع أهل الهمة والطموح طوال التاريخ لبذل الغالي والنفيس، من أجل إنجاز يتجاوز حدود وجودهم العابر، خارج الجنس واللون والثقافة والانتماء، ليوسّع آفاقها في إنجاز تفتخر به البشرية جمعاء. 

ربما رحلت عنا هذه الروح النادرة، بعد أن رفعت سقف طموحنا جميعًا - بنات جنسها بالأخص- بالغة آفاقًا قلما بلغها الإنسان، لا لشيء إلا لجعل الأحلام والطموحات والآمال والأهداف البشرية أكبر من حدودها الضيقة، وتمكنت خلال أعوام قليلة منذ بدأت نظيرة مشروعها ٢٠١٧م، لم تتجاوز عقدًا من الزمن، من تحقيق إرث تستلهم منه أجيال المستقبل، وأين يمكن لخطى المرأة، بالأخص المسلمة والعربية والعمانية، أن تبلغ من قمم الأرض الحقيقية والمعنوية! 

خسرنا بلا شك مغامرة نادرة، لكنها أعطتنا قبل رحيلها من التشجيع والإلهام والتحفيز وتجاوز العقبات وقبول التحديات ما سيبقى ملهمًا لعقود وقرون قادمة، لروحها السكينة والسلام، هي التي قضت الأعوام الأخيرة من حياتها تحوم حول هذه القمم من قمة لأخرى، وشاءت الأقدار أن تلفظ أنفاسها وهي في طريقها لقمة أخرى جديدة، على ارتفاع يبلغ ضعف قمة جبل شمس (٣ آلاف متر) جبالنا، فياله من شوط بعيد بلغته في السماء، وياله من سعي بشري مشرّف نبيل. 

إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني