من يتحمل مسؤولية فشل آخر في السياسة الخارجية الأمريكية؟
08 يونيو 2026
08 يونيو 2026
ترجمة: أحمد شافعي -
يجري دونالد ترامب اختبارا على مستوى العالم لما يحدث حينما ينال صقور واشنطن ما ظلوا عقودا يتوقون إليه، أي الحرب الشاملة مع إيران.
والنتائج الأولية صادمة. فهذه الحرب ماضية في طريقها إلى تكلفة الولايات المتحدة أكثر من تريليون دولار أمريكي. وقد أدت إلى ضرر هائل بالقواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، وقللت بدرجة كبيرة مخزون الصواريخ الاعتراضية التي تعتمد عليها الولايات المتحدة في ردع الصين وغيرها من الخصوم المحتملين، وعرضت عشرات ملايين البشر في العالم لخطر الجوع الشديد، وزادت من سرعة التضخم في الولايات المتحدة، وأفضت إلى وفاة أو إصابة مئات الأمريكيين وآلاف الإيرانيين ومن بينهم أكثر من مائة طفل تردد أنهم لقوا مصرعهم حينما أصاب صاروخ توماهوك بالخطأ مدرسة ابتدائية في بلدة ميناب.
وبرغم هذه التكلفة الاقتصادية والبشرية، لم تحقق الحرب غير أقل القليل. ففي حين أن الرئيس كان متقلبا كدأبه في تحديد أهداف الحرب، فقد أكد على مدار الأشهر الثلاثة الماضية بصفة عامة أهدافا ثلاثة: تقليص صواريخ إيران البالستية، إنهاء برنامجها النووي، ومساعدة الشعب الإيراني على الإطاحة بالحكم.
ولم يتحقق شيء من ذلك. فبحسب المخابرات الأمريكية نفسها، تحتفظ إيران بقرابة 70% من مخزونها الصاروخي الذي كان لديها قبل الحرب. ولم تقلص الولايات المتحدة سيطرة إيران على اليورانيوم عالي التخصيب الذي يمكن أن تستعمله في تصنيع قنبلة نووية ولا أسقطت النظام الإسلامي الحاكم نفسه. بل يقال إن الحكومة الإيرانية باتت أقوى مما كانت عليه قبل بداية الحرب بعد أن أظهرت قدرتها على شل الاقتصاد العالمي بتقييد الملاحة عبر مضيق هرمز.
ولا أحد يعلم علم اليقين متى ستنتهي هذه الحرب أو كيف ستنتهي. لكن شيئا واحدا واضح وهو أن كوارث السياسة الخارجية المشهودة الآن سوف تظل تتكرر ما لم يلق مناصروها حسابهم.
ولو كان هذا الحساب قد تم بعد غزو أمريكا للعراق، لقل كثيرا احتمال أن تكون الولايات المتحدة في حرب الآن مع إيران. لقد كان أغلب الشعب الأمريكي ـ بحلول ولاية جورج دبليو بوش الثانية ـ يعتقد أن غزو العراق خطأ، وأعربوا عن سخطهم لسنين بعد ذلك من خلال التصويت المتكرر لمرشحين رئاسيين معارضين للحرب من أمثال باراك أوباما أو متظاهرين على الأقل بمعارضتها من أمثال دونالد ترامب، لا مرشحين من أنصار الغزو من أمثال هيلاري كلينتن أو جون ماكين.
ولكن، فيما يتعلق بشاغلي المناصب بالتعيين، فقد كوفئ من ناصروا الحرب. فاختار الرئيس أوباما لمنصب النائب جو بايدن، ولوزارة الخارجية هيلاري كلينتن ثم جون كيري الذين صوتوا للتفويض بحرب العراق. وفي ولايته الأولى، اختار دونالد ترامب لمنصب مستشار الأمن الوطني جون بولتون الذي ناصر الغزو. وعندما تولى بايدن الرئاسة اختار لمنصب وزير الخارجية أنطوني بلينكن الذي كان كبير مستشاريه في السياسة الخارجية في وقت إدلائه بصوته الكارثي في مناصرة الحرب.
ويمتد غياب المحاسبة ليتجاوز جناح السلطة التنفيذي. فقبل سنوات قلائل، أحصى معهد كوينسي ـ وهو مركز بحثي مناهض لسياسات التدخل ـ الخبراء الأكثر استدعاء للشهادة أمام لجنة الشئون الخارجية بمجلس النواب بين عامي 2021 و2024 في ظل رئاسات الديمقراطيين والجمهوريين. وتبين أن مركز الأبحاث الأكثر تلقيا لدعوات الشهادة هو مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات التي أعلنت عبر موقعها على الإنترنت عشية حرب العراق: «نحن نعلم أن صدام حسين يقوم بتصنيع أسلحة دمار شامل، بيولوجية وكيميائية ونووية، وأنه يمثل تهديدا».
يأتي في المركز الثالث معهد أمريكان إنتربرايز الذي تباهى قبل غزو العراق بـ«دور رائد في تحديد الخطر الذي يمثله صدام وتبيان كيفية إعادة إعمار العراق بعد التخلص منه». والمسؤولون من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات ومعهد أمريكان إنتربرايز هم من أعلى أنصار الحرب اليوم صوتا.
ولا أقول بذلك إن كل صانع سياسة أو خبير ناصر حربا فاشلة يجب إبعاده من الجدل العام. لكن على أقل تقدير، يجب أن نتوقع من المحللين والمسئولين العموميين ممن يثبت خطأ تقديراتهم أن يتجاوزوا محض الأسف على أخطائهم ويثبتوا أنهم أعادوا النظر في افتراضاتهم التي أقاموا عليها تلك التقديرات الخاطئة. لقد ناصرت أنا نفسي حرب العراق وكتبت كتابا تناولت فيه أسباب خطئي الفادح.
وهذا لا يبطل الضرر الذي أحدثه رأيي. لكن فقط من خلال التفنيد الواضح للعقلية التي قامت عليها حربا العراق وإيران، يمكن أن تتخلص السياسة الخارجية الأمريكية من إدمانها لاستعمال القوة العسكرية وتدرك أن الولايات المتحدة ينبغي أن تعلي من أولوية اللجوء إلى الحلول الدبلوماسية مع خصومها بدلا من محاولة إكراههم على الخضوع.
لكن بدلا من مطالبة مناصري الحرب بإعادة النظر في أخطائهم السابقة، فإنهم يحصلون مرارا على قرص لترويج حرب جديدة. ففي الأول من مارس، أي بعد يوم من مهاجمة الولايات المتحدة لإيران، صرح ليندسي جراهام ـ وهو من أكثر الصقور تشددا في مجلس الشيوخ ـ لبرنامج (مقابلة الصحافة) على شبكة (إن بي سي) بأن «أكبر دولة راعية للإرهاب، أي إيران، قريبة من الانهيار» وأعلن قائلا «إننا دمرنا برنامجهم الصاروخي، وبرنامجهم النووي». ولما حدث بعد شهرين ونصف الشهر أن ثبت خطؤه في ما قال ظهر في البرنامج نفسه فلم يوجه إليه سؤال عن ذلك الذي قاله من قبل، بل تنبأ قائلا «لو استأنفنا العمل العسكري، وزدناهم ضعفا، فسيكون بوسعنا أن ننهي هذا الأمر عما قريب».
منذ عشرين سنة، حينما كان أفراد الجيش الأمريكي يموتون في بغداد والرمادي، كان يصعب أن نتخيل هذا البلد وهو يشن حربا أخرى لا داعي لها من أجل الإطاحة بحكومة أخرى في الشرق الأوسط. لكن ها هي هذه الحرب الأخرى قد وقعت، ومن أسباب ذلك أن حرب العراق غيرت الرأي العام الأمريكي أكثر مما غيرت جدل السياسة الخارجية في واشنطن.
وما تصويت مجلس النواب الأخير بإيقاف حرب إيران من خلال قانون سلطات الحرب إلا علامة على أن مزيدا من السياسيين يستجيبون أخيرا لمزاج البلد المناهض للحرب. لكنها محض خطوة صغيرة. ودونما حساب أعمق، لنا أن نتوقع في المستقبل كوارث نبتلي بها أنفسنا فلا تزيد فقط من هدم القوة الأمريكية في العالم، وإنما تزيد أيضا من تقويض إيمان الشعب بالديمقراطية في الداخل.
بيتر بينارت أستاذ الصحافة في جامعة مدينة نيويورك، ومحرر في مجلة «جويش كارنتس»، ومؤلف كتاب «أن تكون يهودياً بعد تدمير غزة».
خدمة نيويورك تايمز
