المنطق الكامن وراء اتفاق محدود
01 يونيو 2026
جينيفر كافانا - روزماري كيلانيك
01 يونيو 2026
بعد ثلاثة أشهر من الهجمات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة على إيران، التي أشعلت حربا في الشرق الأوسط، لا تزال الولايات المتحدة عالقة في مأزق استراتيجي، من دون أن يلوح في الأفق مسار واضح لإنهاء الصراع.
فقد أدت عمليات الحصار المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران إلى إغلاق مضيق هرمز أمام معظم حركة الملاحة البحرية، ما أخرج نحو 14 مليون برميل يوميا من نفط الخليج العربي من الأسواق العالمية.
وعلى الرغم من أسابيع من الضربات الجوية القاسية، لا تزال الجمهورية الإسلامية متماسكة ومتحدية. وتستمر الاتصالات الدبلوماسية بوساطة باكستانية، فيما أشار مسؤولون أمريكيون وإيرانيون إلى أن اتفاقا ما قيد الإعداد. غير أن مواقف التفاوض بين واشنطن وطهران لا تزال متباعدة إلى حد كبير، لا سيما أن الولايات المتحدة تواصل ضرب أهداف عسكرية إيرانية في أثناء محادثات السلام، وقد قوبلت جولات القصف الأخيرة بتهديدات انتقامية من طهران.
الوضع مع إيران لم يعد قابلا للاستمرار. ومع أن ترامب يحتاج بشدة إلى اتفاق ينهي هذا الانسداد، ويرغب فيه، فإن قراراته نفسها تواصل تقويض عملية التفاوض. ولكي يصبح التوصل إلى اتفاق ممكنا، سيحتاج ترامب أولا إلى إعادة ضبط مطالبه بما يتوافق مع الواقع الاستراتيجي، الذي بات يميل الآن لمصلحة إيران. ويعني ذلك التخلي عن المواقف القصوى بشأن البرنامج النووي الإيراني، والتخلي نهائيا عن أي أمل في فرض قيود على قدرات إيران الصاروخية أو دعمها للقوى الحليفة لها.
ولكي يصمد أي اتفاق، سيحتاج ترامب أيضا إلى التعامل مع مشكلة خلقتها الإجراءات الأمريكية خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية، وهي غياب الضمانات الموثوقة، وهي المسألة التي كتبنا عنها في فورين أفيرز العام الماضي. فدفع إيران إلى اتفاق يتطلب أكثر من مجرد التهديدات العسكرية. إنه يتطلب كذلك إقناع النظام الإيراني بأن تعاونه مع المطالب الأمريكية وتخليه عن برنامجه النووي يمكن أن يحول دون وقوع عدوان مستقبلي من الولايات المتحدة وإسرائيل. ومن خلال مهاجمة إيران أثناء المفاوضات، والانخراط في خطاب إلكتروني متشدد، مثل تهديده بمحو «حضارة كاملة»، جعل ترامب من الصعب بصورة متزايدة على واشنطن أن تقدم نوع الالتزامات التي ستطلبها طهران قبل أن توافق حتى على نسخة محدودة جدا من المطالب الأمريكية.
لا يزال هناك مسار ضيق نحو اتفاق، لكنه سيتطلب تنازلات أمريكية في ملفي مضيق هرمز والبرنامج النووي معا. ويمكن أن تأتي الضمانات الضرورية والموثوقة في صور عدة، من بينها اعتماد مسار تدريجي يفصل وضع مضيق هرمز عن المفاوضات النووية، ويكافئ إيران على التحرك في أي من الملفين، أو الاستعانة بضامين من أطراف ثالثة مثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
قد يكون هذا النوع من الاتفاق غير مستساغ لترامب، لكن واشنطن لا تواجه في هذه المرحلة سوى خيارات سيئة؛ فالمواجهة المفتوحة إلى أجل غير مسمى حول المضيق لن تفعل سوى إضعاف الموقف التفاوضي الأمريكي، مع تراكم وتفاقم النتائج المتأخرة لإخراج نفط الخليج العربي من الأسواق العالمية. كما أن المزيد من التصعيد العسكري عبر ضربات إضافية لن يدفع إيران، على الأرجح، إلى الاستسلام. وبدلا من ذلك، سترد إيران غالبا باستهداف البنية التحتية النفطية في الخليج. وبعد أن يتسبب ترامب في مثل هذا التصعيد، سيظل محتاجا إلى اتفاق، ما سيعيد مشكلة الضمانات الموثوقة نفسها إلى الواجهة. وبوسعه أن ينسحب ببساطة، فينهي الضربات ويترك المنطقة تتعامل وحدها مع ما تبقى من تداعيات. غير أن هذا الخيار يبدو الأقل قابلية للحياة سياسيا بالنسبة إلى رئيس جعل منع إيران من امتلاك سلاح نووي جزءا من شعاره المتكرر.
إن التوصل الآن إلى اتفاق محدود وقابل للاستمرار، يخرج الولايات المتحدة من مستنقعها الراهن ويمنع جولات جديدة من الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يمثل النتيجة الأقل سوءا لترامب، حتى لو تطلب ذلك تنازلات أمريكية غير مريحة. لكن هذه التنازلات، في نهاية المطاف، هي ثمن حرب فاشلة تركت الولايات المتحدة في وضع أسوأ مما كانت عليه عند بدايتها.
رمال متحركة
عندما أطلقت الولايات المتحدة عملية «الغضب الملحمي» في 28 فبراير، وسط مفاوضات جارية مع إيران، اعتقدت إدارة ترامب أنها تستطيع دفع طهران بالقوة إلى قبول اتفاق أفضل من الاتفاق الذي كانت مستعدة لقبوله على طاولة التفاوض. وعلى الرغم من أن أهداف العملية أخذت تتغير بصورة شبه يومية منذ ذلك الحين، فإن رغبة ترامب الأساسية بقيت على حالها إلى حد كبير: اتفاق نووي أفضل من أي شيء عرضته طهران سابقا، بما في ذلك خطة العمل الشاملة المشتركة التي أصبحت الآن في حكم المنتهية، وهي الاتفاق النووي الإيراني الذي أبرمته إدارة أوباما.
ويواجه ترامب الآن أولوية أكثر إلحاحا، تتمثل في إعادة فتح مضيق هرمز، الذي أبقته إيران مغلقا فعليا منذ بدء الحرب. ووفق المسار الحالي، لا تبدو واشنطن في موقع يسمح لها بانتزاع اتفاق يحقق أيا من هذين الهدفين.
إن التنازلات النووية التي توقع ترامب تحقيقها حين قرر في البداية ضرب إيران لا تلوح في الأفق. والسبب بسيط: موقع الولايات المتحدة التفاوضي أصبح اليوم أضعف مما كان عليه قبل الحرب. فقد أثبت النظام الإيراني أنه أكثر صلابة مما توقع الرئيس، ما بدد آمال تحقيق نصر أمريكي سريع شبيه بالنصر الذي حققه في عملية مادورو في فنزويلا. إضافة إلى ذلك، كشفت الحرب أن قدرات إيران الصاروخية وقدراتها في مجال الطائرات المسيرة تمنحها نفوذا هائلا لتعطيل مرور إمدادات الطاقة الحيوية عالميا، وإلحاق أضرار مؤلمة بالمنشآت العسكرية الأمريكية وبالدول المجاورة.
الموقف المعلن لإدارة ترامب هو أن أي اتفاق يجب أن يتضمن التزام إيران بتعليق تخصيب اليورانيوم، وتسليم ما تبقى لديها من مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، على الأرجح إلى الولايات المتحدة أو إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وإعادة فتح مضيق هرمز من دون رسوم أو إتاوات. وفي المقابل، ترفع الولايات المتحدة حصارها عن الموانئ الإيرانية. أما تخفيف العقوبات وتجميد الأصول الإيرانية فسيحدثان فقط مع التزام إيران بتعهداتها النووية وتفكيك منشآتها النووية.
بالنسبة إلى النظام الإيراني، تبدو هذه الصيغة غير مقبولة. فمن حيث المبدأ، لا تنسجم المطالب الأمريكية مع ميزان القوة، الذي تحول بصورة حاسمة لمصلحة إيران منذ بداية الحرب. لم تهزم الولايات المتحدة إيران، ومن ثم لا تستطيع أن تملي شروط المنتصر أو تتوقع استسلاما إيرانيا كاملا. كما أن إيران لم تنتصر في الحرب، لكنها تريد، ولها ما يبرر ذلك، اتفاقا نهائيا يعكس موقعها التفاوضي الأقوى. وهذا يعني أنها باتت تملك الآن مصدرين للضغط، البرنامج النووي والسيطرة على المضيق. وإذا كان المفاوضون الأمريكيون قد عجزوا عن تحقيق أهدافهم القصوى في جنيف قبل الحرب، حين بدت إيران في موقع أضعف، فمن غير المستغرب أن تكون الشروط نفسها مرفوضة من الأساس اليوم.
ولا تمثل التوقعات الأمريكية غير الواقعية المشكلة الوحيدة؛ فقيادة إيران لا تستطيع أيضا قبول المطالب الأمريكية لأنها لا تأتي مصحوبة إلا بتهديدات قسرية، وتفتقر كليا إلى الضمانات الموثوقة اللازمة لمنح طهران الثقة بأن الولايات المتحدة تفاوض بحسن نية وستلتزم بنصيبها من أي صفقة. وبعد أن ضللت إدارة ترامب نظراءها الإيرانيين مرارا، وعرقلت عدة جولات من المفاوضات بهجمات عسكرية، أصبحت كلمة ترامب قليلة القيمة لدى قادة إيران الجدد. ولدى طهران كل الأسباب التي تدفعها إلى الخشية من أن الولايات المتحدة، ما إن تعيد إيران فتح مضيق هرمز وتسلم مخزونها النووي، ستتنصل من التزاماتها، أو ما هو أسوأ، ستهدد بعدوان جديد ما لم تلب إيران شروطا إضافية.
ولكي يحصل ترامب على اتفاق، سيحتاج إلى ترميم انعدام الثقة الذي تسببت به الإجراءات الأمريكية، أو التعامل معه على الأقل بوصفه حقيقة قائمة. وهذا سيتطلب تنازلات أمريكية مكلفة، هدفها إقناع النظام الإيراني بأن الاتفاق مع الولايات المتحدة سيجعل طهران أكثر أمنا مما كانت عليه قبل الحرب، لا أقل أمنا. وقد تشمل هذه التنازلات تقديم المنافع المعروضة على إيران في بداية المسار، عبر رفع الحصار الأمريكي فورا، أو الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة في المصارف الأجنبية، مقابل إعادة طهران فتح مضيق هرمز. وقد تنظر الولايات المتحدة أيضا في منح إيران تخفيفا محدودا للعقوبات منذ البداية، إذا وافقت طهران على تسليم اليورانيوم عالي التخصيب الذي لديها.
خيارات سيئة جدا
أي اتفاق يتضمن تنازلات أمريكية سيتعرض، حتما، لمعارضة شرسة من أشد دعاة الحرب في واشنطن، الذين يواصلون المطالبة بشروط قصوى وغير واقعية؛ غير أن اتفاقا من هذا النوع بات خارج المتناول بصورة حاسمة. وإذا رفض ترامب التسوية نزولا عند رغبة صقوره، فسيتعين عليه مواجهة البدائل المتبقية أمامه، وهي بدائل يحمل كل واحد منها مخاطر خاصة، تمتد من كارثة اقتصادية إلى ضرر سياسي وسمعي.
أحد الخيارات السيئة يتمثل في تمديد الحصار الأمريكي أملا في أن يجبر ذلك، في نهاية المطاف، إيران أضعف على قبول تنازلات أكبر. غير أن خطوة كهذه لا تبدو مرشحة للنجاح، وقد تقوض النفوذ الأمريكي بمرور الوقت. فقد فرضت ستة أسابيع من الحصار ضغوطا اقتصادية على إيران، لكنها لم تغير، على نحو قابل للقياس، موقع طهران التفاوضي. وعلى الرغم من تراجع عائدات النفط، لا تقترب إيران من نوع الانهيار الاقتصادي الذي تصوره ترامب أو الذي يمكن أن يفرض عليها الاستسلام، خصوصا أن طهران تنظر إلى الصراع بوصفه صراعا وجوديا.
ومع أن إيران تستطيع احتمال استمرار حالة الانسداد الراهنة، فإن كلفة المواجهة المفتوحة حول هرمز على الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي قد ترتفع قريبا على نحو حاد. فبحسب وكالة الطاقة الدولية، فإن مخزونات النفط العالمية، التي خففت حتى الآن من موجات ارتفاع الأسعار الأكثر حدة، تُستنزف بوتيرة قياسية، بعدما فقدت الأسواق العالمية، على نحو تراكمي، أكثر من مليار برميل من إنتاج نفط الخليج العربي.
ويحذر خبراء الصناعة من أنه إذا بقي مضيق هرمز مغلقا بعد يونيو، فإن مخزونات النفط العالمية ستنخفض إلى مستويات حرجة إلى درجة تدفع الأسواق سريعا إلى رفع الأسعار من أجل الحفاظ على نظام الطاقة، بما يشل الاقتصاد العالمي. وإذا بدا الاقتصاد الأمريكي أكثر اضطرابا بصورة واضحة مع حلول الصيف، فإن قدرة ترامب على الحفاظ على المواجهة ستتراجع بسرعة، ومعها القوة التفاوضية الأمريكية.
ويطرح التصعيد العسكري خيارا آخر غير مرغوب فيه. قد يأمل ترامب أن تؤدي الضربات الجوية التي تستهدف البنية التحتية للطاقة في إيران، أو سلسلة من عمليات القوات الخاصة، إلى تركيع طهران، غير أن هذه الخيارات أيضا لن تحقق على الأرجح النتيجة المرجوة؛ فالضربات ضد شبكة الكهرباء الإيرانية أو منشآتها النفطية، على سبيل المثال، ستقود شبه حتما إلى هجمات انتقامية إيرانية على جيرانها، بما يفضي إلى أضرار طويلة الأمد بإنتاج النفط في المنطقة، وارتفاعات مستمرة في أسعار النفط، ومزيد من الضرر بالمكانة السياسية الداخلية لترامب. وفي الوقت نفسه، قد تؤدي العمليات البرية داخل إيران إلى خسائر أمريكية كبيرة، وهي مرشحة للفشل بالنظر إلى صعوبة العمل بفاعلية داخل إيران لا تزال تملك قدرات عسكرية معتبرة.
وأخيرا، تبرز مسألة المخزونات العسكرية الأمريكية المستنزفة بشدة؛ فأي حملة عسكرية متجددة لن تفعل سوى تعميق الأسئلة حول جاهزية الولايات المتحدة لعمليات عسكرية مستقبلية، بما في ذلك في غرب المحيط الهادي، الذي لا يزال، ظاهريا، أولوية البنتاغون.
وحقيقة أن ترامب تجنب حتى الآن -إلى حد كبير- استئناف الحرب على نطاق كامل توحي بأنه ومستشاريه، إلى جانب قادة دول الخليج، يدركون ارتفاع مستوى المخاطرة وانخفاض العائد المتوقع.
أما البديل السيئ الثالث أمام ترامب فهو أن يكتفي بوقف الخسائر والانسحاب، معلنا النصر ومنهيا الحصار الأمريكي. ومع أن هذا الخيار سيترك مسألتي مضيق هرمز والقدرات النووية الإيرانية من دون حل، فإنه سيكون مقبولا من زاوية المصالح الأمريكية. فالضربات الأمريكية، وفق اعتراف ترامب نفسه، أخرت البرنامج النووي الإيراني، وربما لسنوات. وفوق ذلك، فإن امتلاك إيران سلاحا نوويا، رغم كونه تطورا غير مرغوب فيه، لا يشكل تهديدا وجوديا للولايات المتحدة، التي تمتلك ترسانتها النووية الخاصة القادرة على ردع إيران، وهي ترسانة أكبر وأقوى بكثير من أي شيء يمكن لإيران أن تبنيه على نحو معقول.
وفي الوقت نفسه، ومع انتهاء الحصار الأمريكي، ستواجه إيران ضغوطا دولية كبيرة لإعادة فتح مضيق هرمز، ربما من خلال نوع من نظام الرسوم. ومع أن حصول إيران على مصدر جديد للإيرادات لن يكون النتيجة المثلى، فإن الرسوم التي قيل إن إيران فرضتها على المرور عبر المضيق تبدو متواضعة، كما أن تحويل العبور الآمن إلى مصدر دخل سيمنح إيران حافزا لإبقاء مضيق هرمز مفتوحا. غير أن الانسحاب قد يكون صعبا سياسيا على ترامب، لأنه سيُنظر إليه بوصفه تراجعا فعليا وعلامة على ضعف الولايات المتحدة وانعدام مسؤوليتها. ولذلك لم يُبد ترامب حتى الآن اهتماما يذكر بهذا الخيار، رغم أن نفاد صبره بحثا عن مخرج ما بات واضحا على نحو متزايد.
قول نعم
بالمقارنة مع البدائل الرديئة، يبدو الاتفاق المحدود، الذي يقدم بعض التنازلات الأمريكية الحقيقية في مقابل تسويات إيرانية لا تقل أهمية، خيارا أكثر قابلية للحياة. وسيحتاج أي مخرج عملي إلى عدة خصائص: أن تسمح شروطه لإيران بالحفاظ على قدر من الردع الذي كسبته خلال الحرب؛ وأن يُصمم بطريقة تضمن لإيران مكاسب أمنية واقتصادية ودبلوماسية أفضل من الوضع الراهن؛ وأن يمنح إيران حماية من محاولات الولايات المتحدة أو إسرائيل التنصل من الاتفاق أو تغييره لاحقا.
وللوصول إلى ترتيب من هذا النوع، سيتعين على إدارة ترامب أن توازن مطالبها من إيران بتنازلات من جانبها. فإذا طلبت واشنطن من طهران الالتزام بإعادة فتح مضيق هرمز وعدم فرض رسوم عبور، مثلا، فسيتعين عليها تقديم تضحيات مماثلة، مثل رفع حصارها سريعا ومنح إيران حق الوصول المسبق إلى الأموال المجمدة. وينبغي أن تقترن تنازلات إيران في برنامجها النووي بمكافآت أمريكية إضافية.
فإذا قبلت إيران، على سبيل المثال، تعليقا ممتدا لتخصيب اليورانيوم، فينبغي أن تحصل على تخفيف فوري ومتدرج للعقوبات.
ومن أجل طمأنة إيران إلى سلامتها من هجمات مستقبلية إذا التزمت بالاتفاق، ستحتاج واشنطن أيضا إلى تقديم تنازلات في ما يخص قدرات إيران الصاروخية واليورانيوم عالي التخصيب. وينبغي السماح لإيران بالاحتفاظ بترسانتها الصاروخية التقليدية وبنيتها التحتية، من دون قيود، لسببين: أولهما: أن حرمان إيران قسرا من صواريخها ليس أمرا واقعيا؛ إذ تفيد الاستخبارات الأمريكية بأن نحو 70 في المائة من مخزونات الصواريخ ومنصات الإطلاق الإيرانية نجت من الحرب، كما تستطيع إيران إعادة البناء سريعا بمساعدة روسيا والصين.
وثانيهما: أن ترك قدرات الرد الأساسية لدى إيران سليمة سيرسل إشارة قوية إلى أن الولايات المتحدة لا تعتزم مهاجمة إيران مجددا.
فالصواريخ تمنح إيران القدرة على معاقبة أي انتهاك للاتفاق، تماما كما يمنحها نفوذها المثبت والدائم، بحكم الجغرافيا، على مضيق هرمز. قد لا يعجب واشنطن أن تبقى هذه القدرات في يد إيران، لكنها لا تملك خيارات كثيرة. كما أن هذه القدرات تمثل وسائل ردع ضرورية ضد أي هجوم أمريكي، ومن المرجح أن تطلبها إيران قبل أن تبدي استعدادا للتخلي عن المكونات الأساسية في برنامجها النووي.
والولايات المتحدة لم تهزم إيران، ومن ثم لا تستطيع أن تملي شروط المنتصر.
أما مسألة اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب فهي أكثر تعقيدا، غير أن هناك أرضية وسطى يمكن أن توفر ضمانات موثوقة.
فبدلا من تصدير المخزون الإيراني إلى الولايات المتحدة، يمكن للوكالة الدولية للطاقة الذرية أن تتولى الوصاية على المواد المخصبة، فتخفف جزءا منها داخل الموقع، وتحتفظ بالبقية خارج إيران. كما يمكن أن يشكل التعهد بحق إيران في استعادة هذه المواد إذا تعرضت مستقبلا لعدوان أمريكي أو إسرائيلي ضمانة أمنية إضافية.
وسيحتاج ترامب أيضا إلى طمأنة طهران، بصورة موثوقة، إلى أنه قادر على كبح إسرائيل ومنعها من مهاجمة إيران في المستقبل. وهذه مهمة صعبة بالنظر إلى الدور الحاسم الذي يبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أداة في تشجيع ترامب على مهاجمة إيران.
وعلى الرغم من أن القوات العسكرية الإسرائيلية تتمتع بقدرات عالية، فإنها تعتمد اعتمادا كبيرا على الولايات المتحدة في الدفاع الصاروخي وأنظمة حيوية أخرى، ما يعني أن إسرائيل لا تملك القدرة العسكرية على خوض حرب ضد إيران من دون دعم أمريكي.
ولتبديد الشكوك الإيرانية بشأن استعداد واشنطن لكبح إسرائيل، قد توافق الولايات المتحدة على تقييد مبيعات السلاح وحجب الدعم العسكري عن إسرائيل إذا تصرفت مستقبلا بعدوانية تجاه إيران. ويمكن أيضا أن يتضمن الاتفاق بندا يسمح لإيران بفرض رسوم عبور في المضيق في حال تعرض أراضيها لهجوم أمريكي أو إسرائيلي.
ومن جانبها، إذا تراجعت إيران عن التزاماتها، فستواجه هي الأخرى عواقب تشمل خسارة المنافع المالية والدبلوماسية، وخسارة الضمانات التي تحميها من أي هجوم مستقبلي.
سيكون هذا النوع من الاتفاق مزعجا لكثير من المسؤولين الأمريكيين الذين اعتادوا قبول اتفاقات مواتية فقط، مع قيود محدودة على حرية الحركة الأمريكية. غير أنه، بعد بدء حرب اختيارية سيئة التصور ومن دون استراتيجية خروج، يمثل الخيار الأقل سوءا، والوحيد القابل للحياة، أمام ترامب لوقف الألم الناتج عما تحول إلى جرح متقيح في ولايته الثانية.
إن اتفاقا يعيد فتح مضيق هرمز، ويحقق بعض التنازلات النووية الإيرانية في مقابل ضمانات أمنية وفرصة للتعافي الاقتصادي، ستكون له كلفة على الولايات المتحدة. لكنه، إذا أُنجز بنجاح، قد يضع الأساس لشرق أوسط أكثر استقرارا، وبمستوى أدنى من الانخراط الأمريكي على المدى الطويل.
