اجتماع النقطة العمياء.. هل فعلها نتنياهو؟
قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عقب لقائه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب: إن المحادثات التي أجراها مع ترامب كانت واحدة من أفضل المحادثات التي جمعته مع ترامب، وإن الحوار معه اتسم بالشراكة الكاملة والدعم المتبادل وفهم الهدف المشترك، وهو ضمان عدم امتلاك إيران أسلحة نووية، ووصف اجتماعه مع ترامب بأنه «ممتاز»، وقال: إنه يقول ذلك ليس على سبيل المجاملة، علما بأن هذا اللقاء هو الثامن الذي جمع الرجلين خلال الولاية الحالية للرئيس ترامب، والأول بينهما منذ فبراير الماضي قبيل الهجوم على إيران.
هذا الثناء الشفاهي السخي الذي أسبغه نتنياهو على لقائه بترامب وفريقه بالبيت الأبيض مضافا إليه لغة الجسد المصاحبة لحديثه؛ حيث بدا نتنياهو فرِحا فخورا باللقاء متباهيا به، يؤكدان أن نتنياهو قد تلقى وعدا من الرئيس ترامب بتوجيه مزيد من الضربات ضد إيران، واعتماد الخيار العسكري بديلا لخيار التفاوض.
وأكثر من ذلك فإن هذا الانتشاء الذي بدا على وجه نتنياهو يشير إلى أنه قد نال موافقة ترمب على مشاركة إسرائيل في الضربات القادمة ضد إيران؛ حيث من المحتمل أن يكون نتنياهو قد عرض على ترامب بنك أهداف محدد ضمن حزمة معلومات استخباراتية حملها معه ليدعم بها منطقه ويقوي بها حجته بضرورة استئناف الحرب، والتحلل من حبل مذكرة التفاهم التي يرى نتنياهو أنها بمثابة قبلة الحياة للنظام في إيران وضمانة لاستمراره أقوى مما كان عليه قبل حرب الأربعين يوما.
نتنياهو الذي يتهدده شبح الفشل بالفوز في الانتخابات القادمة كان يبحث عن نصر ما يتوكأ عليه وهو يخوض السباق الانتخابي الذي بدأ العد التنازلي له والمقرر إجراءه في السابع والعشرين من أكتوبر المقبل، وهو يواجه منافسا صاعدا هو غادي آيزنكوت رئيس أركان الجيش الأسبق، وقد وجد نتنياهو ضالته في هذا اللقاء الذي جمعه مع ترمب؛ حيث من المؤكد أن يكسبه قوة دفع كبرى في مواجهة منافسه، ويوسع من فرصه في الفوز هو وحزبه الليكود.
إن مشاركة إسرائيل في الحرب القادمة ضد إيران تتيح لنتنياهو تحقيق وعوده الانتخابية؛ وبالتالي فإنه سيسعى جاهدا للمشاركة في الحرب، وقد أطلق تصريحات نارية عبر شبكة فوكس نيوز قبل أيام توعد فيها إيران برد عسكري قاسي وقوي للغاية حسب تعبيره إذا ما هاجمت إسرائيل.
كما أنه وعد ناخبيه بأنه لن يسمح لإيران بامتلاك أسلحة نووية (سواء باتفاق أو من دون اتفاق)، وبالطبع فإن الجملة بين القوسين سرق بها نتنياهو لسان ترامب وعبر بها نيابة عنه؛ حيث لا محادثات مباشرة أو غير مباشرة تجري بين تل أبيب وطهران تفضي إلى اتفاق، وفيها إشارة ضمنية إلى قدرته على إقناع الرئيس ترامب في كلتا الحالتين حربا أو سلما.
ومما يقوي سردية عودة أمريكا للحرب بمشاركة إسرائيلية ذلك السياج المنيع من الغموض الذي أحيط به لقاء ترامب ونتنياهو؛ حيث كان مغلقا وعقد بعيدا عن وسائل الإعلام، ومن دون تصريحات مشتركة أو فتح المجال لأسئلة الصحفيين ولم يكشف قط عمّا دار خلاله من محادثات ولا ما تمخض عنه من نتائج، مما يعني أن اللقاء انطوى على موضوعات غاية في الحساسية ولا يراد لها أن تخرج إلى العلن، وليس هناك موضوعات حساسة ومهمة أكثر من موضوعات الحرب على إيران وتداعياتها.
كما أن اللقاء ضم إلى جانب ترامب ونتنياهو من جانب أمريكا نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف والمبعوث الأمريكي الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، وقد اقتصر اللقاء على جلسة موسعة بين الوفدين من دون لقاء ثنائي حسبما ذكرت تقارير صحفية.
ورغم أن الرئيس ترمب بدا أنه يفضل الخيار السلمي من خلال تصريحاته التي قال فيها: «علينا أن نأخذ في الاعتبار مصير نحو 91 مليون نسمة قد يجدون أنفسهم بلا كهرباء ولا جسور إنها مسألة تتطلب توازنا دقيقا للغاية»، إلا أنه في ذات الوقت عاد وقال «نحن في موقف قوي جدا الآن وهم يدركون أنني سأقدم على تلك الخطوة إذا لم يبرموا اتفاقا». وهدد باستهداف وتدمير منشأة جبل الفأس قرب مجمع نطنز النووي في عمق الأراضي الإيرانية. وهو ما يفهم منه أن المنشأة المشار إليها ستكون ضمن بنك الأهداف في الجولة القادمة المحتملة من الضربات الأمريكية على إيران.
وقد كان لافتا سرعة تعليق نتنياهو على إعلان الحرس الثوري الإيراني أمس الأربعاء استهداف ثلاث ناقلات نفط في مضيق هرمز قال: إنها «اتخذت مسارا غير قانوني، ولم تتجاوب مع التحذيرات!».
وقد استثمر نتنياهو هذا الحدث على الفور لدعم توجهه الداعي للعودة للحرب، فقد قال تعليقا على هذا الحدث في مقابلة له مع فوكس نيوز: إنه «في كل مرة يقترب فيها الأطراف من التوصل إلى اتفاق مع إيران يأتي المتشددون ويهاجمون السفن في مضيق هرمز»!! وأردف تصريحه بالقول إنه لا يجد غضاضة في الإعراب عن شكوكه علانية في أي فرصة للتوصل إلى اتفاق حقيقي مع إيران!! وهذا التشكيك الصريح من نتنياهو في المسار التفاوضي لا يمكن فصله عما جرى في لقائه المغلق مع الجانب الأمريكي الثلاثاء الماضي.
ولما كانت الحرب خدعة فإنه لا يستبعد أن تعمل أمريكا على نصب شراك وفخاخ لإيران واستدراجها لتوسيع دائرة هجماتها؛ لتبرير توجيه الضربات إليها، ولإيجاد ذريعة للانسحاب من المسار التفاوضي. وقد بدت نذر هذا السيناريو تتمظهر في التوسعة الفجائية والتمدد السريع لجبهات المواجهة والتصعيد على جبهات أخرى في البحر الأحمر وفي العراق والهجمات التي تزايدت وتيرتها على كل من المملكة العربية السعودية والأردن.
إنما يجري في الوقت الراهن يمكن أن يتفاقم بصورة خطيرة ليضع المنطقة بأسرها على فوهة بركان إذا لم يتم تداركه واحتواؤه، وتدارك هذا الوضع الخطير يبدأ بمبادرة من إيران بأن تكف أيدي أذرعها الإقليمية عن مهاجمة الآخرين وأن تبدي مرونة في مواقفها تجاه جيرانها وشركائها في المنطقة وأن تليّن موقفها حيال قضية مضيق هرمز؛ فالسياسة هي فن الممكن وقوامها الأخذ والعطاء والتنازل والقبول بأنصاف الحلول والحكمة تقول: «ما لا يدرك كله لا يترك جله».
الركابي حسن يعقوب كاتب سوداني
