فتاوى :يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان
28 مايو 2026
28 مايو 2026
امرأة متزوجة ولا تلد، فتبنت يتيمًا وربته، وهي تريد أن ترضعه ليكون عند كبره ابنًا لها، الأطباء يعملون على إدرار الحليب من صدرها بعلاج طبي كتنشيط الهرمونات التي تقوم بإدرار اللبن، وبالتالي أو بعد ذلك تقوم بإعطائه اللبن وهو صغير ثم كبر، هل عندما يكبر يكون ولدًا لها من الرضاعة بهذه الطريقة؟
نعم، ما دام قد حصل الرضاع وهو في عمر السنتين، ولو كان إدرار اللبن بمؤثرات خارجية من أدوية وهرمونات وغير ذلك، فالحاصل أن الرضاع قد حصل، فيترتب عليه أثره، فهي أمه من الرضاع، وزوجها يكون أبًا له من الرضاع.
وإنما أنبه إلى اجتناب استعمال كلمة «تبني»، فالتبني هو الذي نفاه هذا الشرع الحنيف؛ لأنه يعني نسبة الابن المكفول إلى الأسرة التي قامت بكفالته وحضانته ورعايته.
وإذا أتينا إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنجد أنه سمى هذا: كافل يتيم، فيمكن أن تقول امرأة: كفلت يتيمًا أو طفلًا يتيمًا، أو أسرة كفلت أو قامت بكفالة طفل يتيم، هذا من باب التنبيه.
وأما من حيث الأحكام الشرعية، فنحن نؤيد بشدة أن تقوم المرأة في الأسرة التي كفلت يتيمًا أن تقوم بإرضاعه في فترة الطفولة، في أول سنتين، فإن كانت غير ذات لبن فلتسعَ، لا مانع أن تسعى لما يدر لها اللبن لتقوم برضاعه، ذكرًا كان أو أنثى؛ لأن هذا سيرفع الحرج عندما يبلغون سن الرشد، أو حتى من سن التمييز، سواء كانوا ذكورًا أو إناثًا، سيرفع الحرج عن باقي أفراد الأسرة؛ لأنهم من حيث الحكم أجانب، فإذا حصل الرضاع رفع هذه الإشكالات، ويترتب على هذا النوع من الرضاع كل آثاره الشرعية التي هي مبنية على الرضاع، بقطع النظر عن مسبب الرضاع، والله تعالى أعلم.
في قوله تعالى: «َولِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ»
هل هذا يعني أن للمؤمنين أكثر من جنة في الدار الآخرة؟
بمنطوق هذه الآية الكريمة وبما فيها أيضًا في سورة الرحمن، فإن ربنا تبارك وتعالى يقول: «َلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ». ما المراد بالجنتين، خلاف عند أهل التفسير، سنبدأ بالقول الأقرب، الموافق للفظ الآية الكريمة؛ لأنه قال بعد ذلك: « وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ»، إنهما جنتان عددهما اثنان، عن يمين قصر المنعم في جنان الله تبارك وتعالى، وعن ميسرته هذا القصر جنة في الميمنة وجنة في الميسرة، فهما جنتان.
وقول آخر: أن المقصود هو التكثير؛ لأن صيغة التثنية تستعمل في العربية، واستعملت في كتاب الله عز وجل للدلالة على التكثير: « ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ» أي مرة بعد مرة بعد مرة، فلا يراد العدد، وإنما يراد الكناية عن التكثير، فجنتان أي جنان كثيرة، جنان كثيرة، وقد علمنا في كتاب الله عز وجل أنها جنات، هل هي درجات، هل هي جنات، هل المؤدى واحد؟ لكن هذا ثابت في كتاب الله عز وجل، نعم، إذًا ليس المقصود هنا العدد عند هؤلاء، وإنما المقصود هو التكثير، وقلت بأن هذا سائغ في اللغة وورد في كتاب الله عز وجل، كما قلت في قوله تبارك وتعالى في سورة الملك: « ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ «، وورد: «سنعذبهم مرتين»، ولا يقصد مرتين اثنتين فقط، وإنما التكثير في العذاب والعياذ بالله.
وورد أيضًا في السنة النبوية وفي لغة العرب: «لبيك وسعديك»، أي تلبية بعد تلبية، إجابة بعد إجابة، لا يراد منه المرتان فقط، إذاً هذا هو القول الثاني.
والقول الثالث هو أنها جنسان من الجنات، فعبر بالجنتين ويراد أنهما جنسان من الجنات، ولكل جنس من الجنات طبيعة ومتع وملاذ ينعم فيها أهلها، فهو كناية عن جنس أو عن جنسين من الجنات، نعم، إذاً المؤدى واحد من حيث إنه نعيم مقيم فيه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، نعم، هي دار الخلود، لا نكد فيها ولا نصب ولا تعب، وهذا تشويق من الله تبارك وتعالى لعباده المتقين، وكيفما قلبنا هذه المعاني بناء على هذه التفسيرات سنجد معنى الترغيب والتشويق حاضرًا، نعم، نسأل الله تبارك وتعالى أن يلطف بنا جميعًا، آمين يا رب، والله تعالى أعلم.
ماذا يقصد بمهر العقر؟ وكم يساوي بالريال العماني؟
العقر هو ما تستحقه امرأة إن انتهك عرضها بإكراه، أو كانت صغيرة أو مجنونة أو بعقد فاسد ممن فعل ذلك، وهو يساوي إن كانت بكرًا عُشر ديتها، وإن كانت ثيبًا نصف العشر، هذا هو العقر.
إذا وقع إكراه على الزنا، والعياذ بالله، من بالغ لبالغة، ولكنها كانت مغتصبة كما يقال بإكراه، فإنه لا يكفيه أن يتوب فيما بينه وبين الله عز وجل بالندم والاستغفار والعزم على عدم العودة، وإنما لا بد أن يؤدي هذا الحق المالي للمرأة بما انتهك من عرضها. بعض كتب الفقه تقول: مهر المثل، وبعضهم يقول كما تقدم، وهذا هو الأكثر: إنه عشر الدية إن كانت بكرًا، ونصف عشر ديتها إن كانت ثيبًا.
وكذا الحال إن كانت صغيرة أو مجنونة؛ لأن من قارف، والعياذ بالله، هذه الفاحشة مع صغيرة أو مجنونة، فإن الصغيرة والمجنونة في حكم المكرهة؛ لأنها فاقدة للعقل والتمييز، فيجب عليه دفع ذلك الحق. كذلك كثير من الفقهاء فيما يقع من وطء شبهة، ظن أنها امرأته فوقع عليها ولم تشعر، فأيضًا ألحقوا بأن لها العقر، فهذا هو معنى العقر، وتفاصيله تدور حول هذه المعاني التي تقدم بيانها، والله تعالى أعلم.
امرأة حامل في الأسبوع التاسع بكيس فارغ بدون جنين، وسقط بنزول الدم، هل تصوم وتصلي؟ وهل يعتبر دم نفاس؟
الفقهاء المعاصرون يرون تأسيسًا على ما قعده أهل العلم من أن النفاس لا يكون إلا بعد حمل، أما إذا كان ما يسمى بكيس فارغ، فهذا يعني أنه ليس بحمل، فليس هناك جنين ولا سقط، فبناء على ذلك هذا دم فساد، ودم الفساد كما تقدم بيانه فيما مضى حكمه حكم الاستحاضة؛ لأنه دم نزيف، فلا تترك المرأة الصيام ولا الصلاة، وإنما تحتشي لمنع وصول الدم إلى بدنها وثوبها وموضع صلاتها، وتمضي في أداء هذه العبادات؛ لأنها طاهر، وإنما هذا كما تقدم دم فساد، والله تعالى أعلم.
في قوله تعالى: «قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ»، ما تفسير الآية؟ ومن هو الأخ الذي قصده إخوة يوسف عليه السلام؟
خلاصة الجواب هو أن إخوة يوسف قالوا ذلك بهتانًا، نعم، دفعًا للمعرة عن أنفسهم، فلما تبين أن الصواع في رحل أخيهم الذي هو شقيق يوسف، أرادوا أن يبرئوا ساحتهم؛ لأنهم قالوا قبل ذلك: «وما كنا سارقين».
وكانوا في تلك المرحلة لم يستغفروا بعد، كانوا على نفس المسلك الذي ساروا عليه منذ أن رموا يوسف عليه السلام أخاهم في البئر، وفعلوا ما فعلوا بإيهامهم أباهم يعقوب عليه السلام ما أوهموه به، فلا إشارة إلى أنهم تابوا ورجعوا إلى الحق والصواب.
فيكون التفسير الأقرب هو ما ذكرته طائفة من المحققين من المفسرين، منهم من المتقدمين أبو علي الفارسي، ومنهم أبو حيان، ومنهم من المتأخرين الطاهر بن عاشور، ومنهم الشوكاني، أنهم قالوا ذلك افتراءً وبهتانًا، ولما قالوه قالوه دفعًا للمعرة عن أنفسهم، هذا هو القول الأقرب الذي تطمئن إليه النفس.
وما سوى ذلك من أقاويل فهي من الإسرائيليات التي لا سند لها ولا ينبغي أن تروى، من نحو أن عمته أخفت منطقة كانت لإسحاق عليه السلام لأنها كانت ضنينة به، أي بيوسف، لما كان صغيرًا، فأراد أبوه أن يأخذه فلجأت إلى هذه الحيلة، إلى أن ماتت احتفظت به بسبب هذه الحيلة، أو أنه كسر صنمًا كان لجده، وقيل لخاله، هذه أقاويل لا تستند إلى أدلة ولا إلى أسانيد.
وسياق القصة يشهد، فيوسف عليه السلام قال: «فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانًا والله أعلم بما تصفون». على القولين: إن هذا القول الذي قال: «أنتم شر مكانًا والله أعلم بما تصفون» هو مما أسره في نفسه، فهذا يعني المعنى المتقدم، أن إخوة يوسف قالوا ذلك افتراءً وكذبًا، واضح جلي.
وعلى القول بأنه قاله علانية، فهو في كل أحواله صادق؛ لأنه النبي الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، فلذلك قال: «أنتم شر مكانًا والله أعلم بما تصفون»، فلو كان عنده شيء من العلم لكان قوله مختلفًا، فبناء على هذا، هو القول الذي ذكرته، هو القول الذي تطمئن إليه النفس، واللائق بسياق القصة وبأحداثها، والله تعالى أعلم.
