إشراقات

أسد الشرق الأكبر في بيت العَلَم بمسقط

18 يونيو 2026
عنوان الزاوية: عندما تتكلم الوثائق
18 يونيو 2026

بين قلعتي الجلالي والميراني العتيدتين، يشرقُ قصر العَلَم العامر ليسردَ حكاية وطنٍ صُنع مجده من صمود البحر وعزم الرجال. إنه "بيت العَلَم" الصرح التاريخي المتماهي مع سيرة السيد سعيد بن سلطان، صاحب المكانة السامقة الذي وصفه الكابتن الإنجليزي في جيش بومباي "مكنان" -عندما التقى به شخصيًّا في بيت العَلَم في عام 1825م- بقوله: "باختصار فإن السيد سعيد في جميع تصرفاته يقف فريدًا بين الحكام الآسيويين مما يجعله -بحق دون منازع- الأسد الأكبر في الشرق".

وخلال هذه الزيارة وصف مكنان بيت العَلَم وصفًا دقيقًا وكانت برفقته زوجته التي وصف على لسانها قسم الحريم في القصر حيث التقت بسيدة القصر السيدة عزة زوجة السيد سعيد بن سلطان ووالدته السيدة غنية وغيرهن من نساء القصر قائلة: "وكانت أرضية هذا القسم مفروشة بالسجاد الثمين الفاخر نوعه والرائع صنعه وكانت قطع السجاد الكاشان الزاهية منقوشة بالأزهار البارزة في شكل غريب ولون زاه خلاب.

وبالقرب من نافذة تعلوها شبيكة نحاسية رقيقة الصنع دقيقة، وتطل على بحر عُمان، نصبت طاولة وضعت عليها مختلف الحلويات العربية ووضعت أمامها ثلاثة كراسي انجليزية الطراز".

وقد استوقفني وصف الكابتن "مكنان" لشخصية السيد سعيد ليكون مدارًا للتفكّر في الرؤى المتباينة التي أحاطت بشخصيته، وتقصّي الشواهد التاريخية التي توثّق ثقل مسقط السياسي والحضاري في عهده، في ظل ذهاب البعض برأيه إلى أن السيد سعيد هجر مسقط عندما اتخذ زنجبار عاصمة ثانية لدولته في العام 1832م، ودفعني لقراءة الآراء والتحليلات حول فاعلية مسقط كمركز للحكم في عهد السيد سعيد لا سيما بعد قرار اتخاذ زنجبار عاصمة ثانية؛ لأن علاقة السيد سعيد بعاصمة حكمه "مسقط" لم تنقطع مطلقًا، وكان في تنقّل دائم بين شطري الإمبراطورية.

وقد وثَّق لوريمر تنقل السيد سعيد بين مسقط وزنجبار تحت اسم رحلات تارة وزيارات تارة أخرى، على النحو الآتي: الرحلة الأولى (1829-1830م)، الرحلة الثانية (1832م)، الثالثة (1833-1835م)، الرابعة (1836-1839م)، الخامسة (1840-1851م)، السادسة (1852-1854م). والرحلة الأخيرة (1854-1856م)، حيث عاد السيد سعيد إلى مسقط في مايو 1854م ومكث في مسقط حتى سبتمبر 1856م، ثم أبحر باتجاه زنجبار، وتوفي في البحر في 19 أكتوبر 1856م. ومن الدلائل على كثرة تنقل السيد سعيد بين مقري الحكم ما ذكره ابن رزيق في الفتح المبين بشأن وداع السيد سعيد لوالدته السيدة غنية قائلًا: "عندما غادر السيد سعيد عُمان في رحلته الأخيرة تاركًا أمه، ذكر لها أنهما قد لا يلتقيان حتى يوم البعث؛ لأنه كان يشعر أنه سيموت، إما وهو في طريقه إلى زنجبار، أو عند وصوله إليها".

وصفوة القول أن الزّعم بأن السيد سعيد أدار ظهره لمسقط قراءة قاصرة تفصل الجغرافيا عن السياسة، لأن الشواهد المذكورة تثبت أن السيد سعيد وازن بحرفية بالغة بين مقري الحكم بما يحفظ كيان الدولة واستقرارها. وكان التنقل بين أرجاء الإمبراطورية ومتابعة شؤونها سمة دائمة للسيد سعيد على مدى 52 عامًا، ونتيجة لذلك التنقل الدائم أُصيب في إحدى المعارك التي قادها بنفسه محاربًا، وتسببت تلك الإصابة لاحقًا في وفاته. يقول مايلز: "وأخذت شؤون عُمان كثيرًا من وقت السيد سعيد، وقد كان يخاف من ترك مسقط والتوجه إلى زنجبار". وعندما توفي قال: "وفي 19 أكتوبر توفي السيد سعيد الذي كان بعظمة أخلاقه رمزًا لشجاعة العربي، بل ورمزًا لحاكم عظيم أحبه أهل بلاده، وفي ظله تقدمت التجارة في ساحل أفريقيا الشرقي؛ نتيجة لنشاطه وحمايته للساحل وبعد نظره".

وبالعودة إلى بيت العَلَم، المعروف اليوم "قصر العَلَم"، نجد أن استخدام مصطلح "البيوت" وليس القصور يرجع إلى الفكر العُماني الذي انعكس على هندسة المباني سواء مساجد كانت أو قصور. ومن الأمثلة على اهتمام سلاطين عُمان بالتسمية أن السيد سعيد بنى قصرين بارزين في زنجبار أسماهما "بيت المتوني" و"بيت الساحل"، وأن السلطان قابوس أنشأ قصرًا كمقر للإقامة أسماه "بيت البركة العامر". وإذا عدنا إلى فترة تاريخية أقدم من ذلك، نجد حصن جبرين الواقع في بهلاء بداخلية عُمان بمثابة قصر للسكن ومقر للحكم في ذات الوقت، وهو يعد أيقونة معمارية في عهد اليعاربة بناه الإمام بلعرب بن سلطان في عام 1670م.

ويعد بيت العَلَم أحد أقدم وأعرق القصور السلطانية في عُمان وفي مسقط تحديدًا، وهو بمثابة أيقونة معمارية وتاريخية تجسد العمارة الإسلامية الحديثة وتاريخ حكم الأسرة البوسعيدية. وتعود جذوره التاريخية إلى أكثر من مائتي عام؛ إذ يُذكر أن السيد سلطان بن أحمد (1792-1804م) هو من وضع اللبنات الأولى لهذا البيت في القرن التاسع عشر الميلادي، ثم أقام فيه ابنه السلطان سعيد الذي أضاف إليه قسم خاص بالنساء، وهو ما أشار إليه مايلز في كتابه (الخليج بلدانه وقبائله)، مع ذكر معلومات مهمة أخرى عن قصر العَلَم في إطار وصفه لمدينة مسقط قائلًا: "وأمام المدينة على الساحل يقع قصر الحاكم ومبنى الجمارك وقد بنيت الجمارك سنة 1624م طبقًا للتاريخ الموجود على بوابة المبنى، أي بعد طرد البرتغاليين مباشرة من هرمز ونقل مركز تجارتهم إلى مسقط.

وقد مضى نحو نصف قرن على إنشاء قصر السلطان، وقد تم وضع أساس مبناه داخل حائط بحري يسمى سكة المدفع، وكان قد أقامه البرتغاليون، وهو يمتد على طول الواجهة ومسلح بستين مدفعا من الحجم الكبير. وفي منطقة قريبة من قصر السلطان تقع الجزيرة القديمة أو الكاتدرائية التي شيدها البرتغاليون سنة 1630م، وهو مبنى منفصل من ثلاثة طوابق يضم الكنيسة والثكنات والمستودعات الخ.

وفي أعقاب تحرير العرب لمدينة مسقط سنة 1650م تحول المبنى إلى مقر لأئمة عُمان على مدى سنوات إلى أن تم إنشاء القصر الجديد -يقصد بيت العَلَم-، وهناك جناح للحريم ملاصق للقصر وله شرفة خشبية عريضة تطل على الميناء وقد بني لإقامة سيدات البيت الحاكم في عهد السلطان السيد سعيد".

ولقد شهد بيت العَلَم في مسقط خلال عهد السيد سعيد بن سلطان (1804-1856م) حركة دبلوماسية دؤوبة، حيث كان السلطان سعيد شخصية عالمية منفتحة، أبرم الكثير من المعاهدات مع القوى العظمى وجعل من مسقط محطة رئيسية للتجارة والسياسة الدولية. وهنالك الكثير من الشخصيات والوفود التي استقبلها السيد سعيد في بيت العَلَم أو التقى بها في محيطه الرسمي بمسقط. نذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر:

-روبرتس، رئيس البعثة التي أرسلتها حكومة الولايات المتحدة الأمريكية إلى مسقط في سبتمبر من عام 1833م، الذي ذكر هدف الزيارة بقوله: "كان الهدف الوحيد لزيارتنا هو تأمين عقد معاهدة تجارية مع صاحب السمو السيد سعيد بن سلطان، والحصول منه على تخفيض في مقدار الرسوم وأجور الميناء التي كنا ندفعها على بضائعنا والنزول بها إلى مستوى أكثر الشعوب حظوة". وصف روبرتس استقبال السيد سعيد له في القصر وأسماه "الرواق المقابل للميناء"، يقول: "وكان الوالي ورجال الحاشية يجلسون على كراسي متقابلة وكان السلطان يجلس لوحده في ركن يبعد عنهم حوالي العشرة أو الإثني عشر قدمًا. فما أن دخلنا المكان حتى نهض من مجلسه في الحال ومشى وخلفه حاشيته إلى نهاية الرواق حيث التقانا واستقبلنا بكل حفاوة وصافح كل فرد منا".

-سالدر، كابتن في الجيش البريطاني، وصل مسقط في 7 مايو 1819م، وصف الزيارة بقوله: "وعند نزولنا إلى البر استقبلنا الوزير وقادنا إلى قصر الإمام. حيث كان سموه وأخوه جالسين بانتظارنا في نهاية الرواق. وكانت الغرفة المفروشة بالسجاد الثمين قد جهزت بالكراسي أيضًا".

-روشنبرجر، الطبيب في بعثة الولايات المتحدة الأمريكية للتجوال حول العالم زار مسقط عام 1835م، يقول واصفًا الاستقبال: "وقد استقبلنا سموه في الديوان المقابل للميناء وبمنتهى الإخلاص والمودة. وأبدى الكثير من العواطف لما لاقيناه من أذى ومتاعب أثناء سفرتنا".

-نوستيز، زوجة الدكتور هيلفر، رافقت زوجها في سفرته إلى الشرق وزارا مسقط عام 1836م: تصف زيارتها "وبعد مسيرة قصيرة وصلنا إلى القصر حيث أعلن خبر وصولنا، وصعدنا سلمًا خشبيًّا غامق اللون وغير نظيف تمامًا قادنا إلى الطابق الثاني من البناية، حيث كانت الغرف فيه مفتوحة على مصراعيها. وقد اجتزنا عدة غرف خالية قبل أن نصل صالة كبيرة كان فيها جمع غفير من النساء".

-جوبينو، دبلوماسي وكاتب فرنسي. زار مسقط في عام 1856م في العام الذي توفي فيه السيد سعيد. وصف زيارته بقوله "عندما أعلن الإمام لوزيره عن رغبته في زيارتنا بقينا في المنزل وسرعان ما أبصرنا على بعد السيد سعيد خارجًا من منزله، كان يسير على قدميه متكئًا على عصاه، يتبعه حشد من أبنائه السبعة ووزيره، لقد كان ركبًا ملكيًا حقًا، والتقينا كأصدقاء قدامى".

-مكنان، كابتن في جيش بومباي زار مسقط عام 1825م ووثقنا انطباعه عن السيد سعيد ولقائه به في بيت العَلَم، في افتتاحية هذه المقالة.

وتأسيسًا على ما تقدّم، نخلُص إلى أن مسقط كونها عاصمة للإمبراطورية وبيت العَلَم كونه مقرًا للحكم، قد حظيا بحراك دؤوب في عهد السيد سعيد بن سلطان وكان المكانان يعجان بالوفود من رؤساء ووزراء ومستشارين ورحَّالة وقناصل وشيوخ وأعيان.

وشهِد القصر توقيع عدة اتفاقيات ومعاهدات، لعلَّ أشهرها اتفاقية التجارة مع الولايات المتحدة الأمريكية، التي وقعت في مسقط في عام 1834م، واتفاقية تجديد استئجار بندر عباس في عام 1854م-. والحقيقة التي أود تقديمها من خلال هذا القصر وما شهده من حراك دبلوماسي وتاريخي هو تفنيد الرأي القائل بأن السيد سعيد ترك مسقط وأهملها لصالح زنجبار حين يممّ شطر أفريقيا، والحق أن السيد سعيد لم يفاضل بين مسقط وزنجبار، بل أحسن قسمة الأدوار بينهما بنظرة رجل الدولة الحصيف وبذكاء منقطع النظير؛ فأعطى لمسقط ثقلها السياسي، في حين جعل زنجبار عاصمة ثانية للحكم وصيَّرها رئة اقتصادية للإمبراطورية العُمانية تفيض بالخيرات والتجارة؛ فهو لم يُهمل الأصل ولم يفرّط في الفروع، مستندًا على مبدأ قوة الأطراف تأتي من قوة المركز.

وبقي بيت العَلَم حاضنًا للحياة السياسية والاجتماعية التي احتضنتها "البرزة" أو المجلس الذي استقبل فيه السيد سعيد بن سلطان شيوخ القبائل والأعيان، وناقش فيه شؤون الدولة والعلاقات الدولية، خاصة مع القوى العظمى آنذاك مثل بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.

بعد وفاة السيد سعيد احتفظ "بيت العَلَم" بمركزيته كشاهدٍ حي على امتداد المجد وعراقة السلالة؛ إذ بقي مقرًا للحكم ومسكنًا يجمع الأسرة الحاكمة ممن حكموا عُمان بعد السيد سعيد بن سلطان، وقد سكنه السلطان تيمور بن فيصل، ومن بعده السلطان سعيد بن تيمور. وبعد تولي السلطان قابوس بن سعيد -طيّب الله ثراه- مقاليد الحكم، أمر بإعادة بناء القصر بهُوية معمارية فريدة، وتوسعته؛ ليصبح قصرًا رسميًّا للاستقبالات السلطانية وصرح الدولة الرسمي، واكتملت واجهته الحالية في عام 1972م.