المجالس المغلقة
27 مايو 2026
27 مايو 2026
كثر المال، وكثر العيال، وتعددت الأسباب، وغاب التواصل، غاب ذلك اللقاء الحميمي الذي أنسته القرى العمانية منذ أزمنتها الغابرة، فها هو العيد يأتي محملا بالفرح، والحياة، والرحمة، ولكن بقيت ثغرة كبيرة في تلك اللوحة التي ألفناها منذ زمن، حين كانت البساطة هي سيدة المشهد، حين كانت القلوب بيضاء، دون حقد، ولا غل، وكان الناس سواسية في كل شيء، حتى في الجوع، والفقر، وكانت مظاهر العيد باذخة دون بذخ، ومشرقة حد الإسراف، وكان التواصل الأسري، والاجتماعي هو العنوان الكبير لكل ذلك الاحتفال، كانت المنازل تتزين بالبهجة، والقرية كانت كأنها بيت واحد، متآلف، ومتماسك، كان كل شيء متواضعا، ولكنه كان مفعما بالسعادة في كل تفاصيله.
كانت الأسر تجتمع طيلة أيام العيد في منزل أحدهم لكي يتناولوا وجبة الغداء، وكان صوت ا(لطبل) يصدح ليل نهار، وخفوف (البوش) تستعرض هيبتها، وسطوتها في (المركاض)، وفرق (الرزحة) لا تكاد تصمت، وحالة الفرحة عامة على كل أهالي القرية، يأتي الكبار بأطفالهم ليشاهدوا تلك الفعاليات العفوية، وتلك اللوحة الفرائحية، فيشعلون الأجواء ضحكا، ولعبا، وبهجة، ويتحول المكان من حالة السكون، إلى حالة الحركة والضجيج، فالجميع يشارك في رسم تلك الأهزوجة الجماعية، ويعبّر عن سعادته بما يشاهد، ويسمع.
كانت البيوت البسيطة كلها (مجالس)، يأتي إليها الزائرون، والمهنئون، ويدخلون دون استئذان، أو (بروتوكول)، أو موعد مسبق، فالبيوت مفتوحة على مصراعيها، ترحب بالزائر، بقلبها قبل طينها، وسعفها، رغم قلّة الزاد، وكان الناس كلهم أشبه بالأخوة، يتعاملون مع بعضهم دون تكلف، ودون تزلّف، كانت الحياة أشبه بعالم مثالي بمقياس هذا الزمان، عالم نفتقده اليوم رغم التطور المادي الذي وصلت إليه البشرية، حين كان الناس أكثر عفوية، وقربا، وتآلفا، وكان العيد (سعيدا) بالفعل، عكس ما نراه من حولنا في هذه الأيام؛ حيث كثرت وسائل التواصل، وقلّت الزيارات، وبات الناس يكتفون برسالة نصية معلبة على (الواتس آب)، يبعث بها الجميع (إعادة إرسال)، خالية من الروح، والحياة، والحب.
كانت ألعاب الأطفال البسيطة، والمصنوعة يدويا، أكثر سعادة من هذه الألعاب الالكترونية المصدّرة التي تسلب عقول هذا الجيل، وتسرق وقته، وتقتل روح التواصل بينه وبين مجتمعه، وكانت المجالس الصغيرة أيام زمان، تشع بالأحاديث، والحكايات، والأخبار، وعلوم الرجال، بينما أصبحت مجالس هذه الأيام ذات المساحات الواسعة، والتي فُرشت بأغلى السجاد، وأفخم الديكورات، فارغة، لا ضيف يدخلها، ولا صاحب يزورها، وحين يجتمع فيها الضيوف، في مناسبة ما، أو دعوة معدّة سلفا، تجد كل واحد منهم لاهٍ بهاتفه، مشغول به، لا يكاد يرفع رأسه لمحدثه! نشتاق لأعياد تلك الأيام الخوالي، نحنّ لتلك الألفة التي تسود المكان، والزمان، نتمنى أن يعود لها تلك الروح الحالمة، وذلك الضجيج العفوي، ورغم أن الأمنيات كثيرة، وأن لـ(كل زمان دولة ورجال)، ورغم أننا مؤمنون بأن التغيّر، والتغيير سمة الحياة، إلا أنه لا يزال هناك متسع من الوقت، لكي نعيد الأشياء إلى طبيعتها، وجمالها، بقليل من التخلّص من أعباء هذه المدنية، ومظاهرها الكاذبة، الكئيبة، وأن نعود إلى ذواتنا البسيطة التي فقدناها منذ أمد بعيد، حينها سيكون للعيد معنى، وروحا، وحياة أخرى، أكثر زخما، وعفوية، وجمالا مما هي عليه الآن.
