مشاهد من كأس العالم

14 يوليو 2026
14 يوليو 2026

مثل إيرلنغ هالاند لاعب فريق النرويج ظاهرة كبيرة، فمن لاعب غير معروف، على الأقل في الأوساط التي لا تتابع كرة القدم باستمرار، وتنتظر البطولات الدولية على غرار كأس العالم. مع ذلك، وفي غضون فترة كأس العالم، تجاوزت شهرته على تيك توك وحدها المعقول! وسجل رقمًا قياسيًا، من مليون متابع، يتابع هالاند، يتابعه الآن ١٦ مليون متابع!

لم يميز هالاند طوله وشقرته وبياضه، لم يعد ذلك كافيًا لتكون جميلًا في عالمنا اليوم، بل إن الليبراليين التقدميين يفضلون جمال الهامش، أو ما أصبح جميلًا لأنه كان هامشًا ذات يوم. خصوصًا مع خطاب «صائب سياسيًا»، فالسمرة فاتنة، والاحتفاء بالجسد غالبًا لادعاء التحرر من «الوصم» والمعايير الاجتماعية السائدة، مثال آخر على ذلك.

لا يعتبر هالاند لاعبًا خارقًا ومتفقًا على استثنائيته، لا يمكن قول ذلك عن رونالدو أو ميسي حتى لو كنت تحب أحدهما على الآخر، بل وحتى تكرهه، وأنت في حالة استقطاب كبيرة بينك وبين جمهور الآخر، تعترف أن رونالدو لاعب جيد فلا بأس به، لأنك لا تملك أي حق أو سبب لإنكار ذلك أو العكس. أما بالنسبة لهالاند فهو، برأيي، في المنطقة الأصعب، إذ يلعب مهاجمًا، لا يتحرك من وسط الملعب وحتى المرمى، غالبًا ما يكون أقرب إلى المرمى لانتظار الهدف المصنوع له غالبًا، لذلك يراه الكثيرون سيئًا أو حتى مبالغًا به، ربما يقولون إنه جيد بحكم بنيته الجسدية الضخمة فحسب، لكن علينا أن نذكر هؤلاء أن مشكلتهم مع فرق كروية رائعة أنها تلعب بسحر، لكنهم لا يمتلكون هدافًا لذلك لا يفوزون، أو لا يمتلكون ما يسميه كثير من متابعي هذه اللعبة: «اللمسة الأخيرة». سجل هالاند رقمًا قياسيًا في تسجيل الأهداف بالمناسبة.

ما أحبه الجمهور في هالاند، هو أنه يتحرك خارج حدود السيناريو المتبع لمكانة هؤلاء اللاعبين. ميسي معروف مثلًا أنه «غريب أطوار» (هذا ليس سيئًا أبدًا قبل أن يكرهني جمهوره)، ولا يُعرف بقدرته على التحدث، لذلك هو بعيد عن الجمهور. مما ينزع عنه، بسبب كونه أحد أفضل لاعبي كرة القدم في التاريخ، بشريته. لم يعد ميسي كذلك، إنه أشبه بأسطورة عليها ألّا تتحدث، ولا تكلمنا وجهًا لوجه، حتى لو كانت الأقرب للجماهير في ألعابهم الشعبية أو أغانيهم، مثل ما حدث مع فيروز بحسب حوار نادر معها، تقول فيه إن الأخوين الرحباني غضبا منها كثيرًا بسبب قصة الحوارات هذه، قائلين لها: «أنتِ مغنية»، وما كانوا يقصدونه أنك نجمة بعيدة، مهما حصلتِ على قلوبهم وامتلكتِها، عليك أن تبقي في السماء البعيدة، وهم يحدقون إليكِ فوق، ويقولون: آه، على الرغم من وجوده هناك، إلا أن النجم بعيد للغاية، أو أنها أثر لنجم لن نطوله أبدًا بسبب تلك القاعدة العلمية، أن بعض النجوم التي نراها قد تكون ماتت بالفعل؛ لأن ضوءها يستغرق سنوات أو آلاف أو حتى ملايين السنين ليصل إلينا.

على العكس من ذلك، يبدو هالاند بسيطًا إلى حدّ لافت.

يكتب على تيك توك كما لو أنه أحدنا، من دون أن يثقل كل شيء بالمعاني أو يصنع هالة حول نفسه. لا يبدو مهووسًا بإثبات شيء، رغم أنه يحب الفوز بطبيعة الحال، لكنه يتحدث عن كرة القدم كما لو كانت، قبل أي شيء، وسيلة للاستمتاع بالحياة. يفعل ذلك بلغة أقرب إلى detachment، وببساطة غير مفتعلة. يشبه في هذا أبناء الأجيال الجديدة الذين يرون أن الاسترسال في التعبير، خصوصًا التعبير الغنائي أو المفرط في العاطفة، يحمل شيئًا من cringe وcheesiness، فيفضلون لغة مقتصدة، ساخرة قليلًا، وأقل ادعاءً للمشاعر.

لا يصور نفسه بطريقة احترافية، يخطئ في الإملاء لأنه يكتب بنفسه، لا يوجد من يدير حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي (حتى الآن)، يلتقط صورًا عشوائية له وللآخرين. إنه يسجل الأهداف حقًا، لكنه «بشري»، يشبهنا، على نفس الأرض التي نعيش عليها، ويأكل ما نأكله، ويضجر مثلنا، وهكذا. ها هو ذا في المؤتمر الصحافي يقول، وقبل بدء المباراة مع الخصم: لن أندهش لو فازوا، إنهم فريق أقوى منا بكثير. يقولها لا تواضعًا ولا تبسطًا، ولا يبدو، وهو يقولها، مهزومًا أيضًا!

لم أعنِ أن محبتنا له قادمة من سلوكه الشخصي فقط، هو لاعب جيد، لاعب يفوز حقًا ويسجل الأهداف، لكنني أعني ببساطة أننا، أنا وأنت، قد نصبح بدورنا نجومًا، لا داعي لأن تكون «عبقريًا» أو «موهوبًا»، مما يعني أنك من عالم آخر، الأمر الذي يستغله الليبراليون لتبرير التفاوت الاجتماعي، بالإشارة إلى أن القدرات البشرية تختلف، فبطبيعة الحال، على التفاوت الطبقي مثلًا أن يكون طبيعيًا. يبدو كما لو أننا جميعًا لدينا الفرصة نفسها إذن.

***

طُرد المهاجم الأمريكي فولارين بالوغون ببطاقة حمراء مباشرة خلال مباراة بلاده أمام البوسنة والهرسك في دور الـ32، في قرار تحكيمي يستوجب، بحسب لوائح الفيفا، الإيقاف التلقائي لمباراة واحدة. لكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتصل شخصيًا برئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو، مطالبًا بمراجعة القرار، وواصفًا ما حدث بأنه مجرد اصطدام عابر بين لاعبين يركضان بأقصى سرعة. بالإضافة إلى أنه من غير المعقول والعادل أن تعاقب لاعبًا على مباراة لعبها بالفعل، وعلى مباراة أخرى لم يلعبها بعد. يقول ترامب ذلك بينما تتعلق أعيننا بالطغمة وراءه، والذين يبتسمون ببلاهة، دون أن يُظهر أحدهم اندهاشًا من خرق القانون بهذه الفجاجة، وفي أكثر لعبة جماهيرية، أي ببساطة أمام العالم كله! اشمأززت فورًا بدوري؛ لأنه يقول فحسب: أنا فوق القانون، أي قانون، ولا داعي لإخفاء ذلك.

ولا تتعلق المسألة هنا بعدالة القرار التحكيمي في ذاته، فتحكيم كرة القدم مليء بالاجتهادات المتفاوتة، وإنما بشيء أعمق: أن رئيس الدولة المستضيفة للبطولة يتدخل هاتفيًا في قرار تأديبي رياضي، ثم يقر بذلك علنًا من المكتب البيضاوي، بلا أدنى محاولة للتغطية أو التبرير المؤسسي، ويصف الحكم بأن سجله مثير للريبة، فيما يعلن الاتحاد الرياضي التزامه باستقلالية لجنته، وهو يذعن في التوقيت نفسه لضغط سياسي مباشر.

ثمة فارق جوهري بين أن يُخرق القانون في الخفاء، وأن يُخرق على مرأى من الجميع مع الإصرار على أن لا شيء قد حدث. ففي الحالة الأولى، يبقى ثمة اعتراف ضمني، ولو شكليًا، بأن القانون هو المعيار، ولذلك تستدعي مخالفته الإخفاء أو الإنكار. أما في الحالة الثانية، فلا يعود ثمة ما يستدعي التستر أصلًا؛ لأن الرسالة لم تعد إنكار المخالفة، بل إعلان أن القانون نفسه لا يُلزم من يملك من السلطة ما يكفي لتجاوزه علنًا.

يُعد ذلك «تطبيعًا للوقاحة» في الخطاب السياسي المعاصر، والذي قد كتبت عنه كثيرًا، والذي تضاعف كثيرًا بعد إبادة الاحتلال الإسرائيلي للفلسطينيين، وصولًا لملفات إبستين، واغتيال الإيرانيين واللبنانيين. يكتب الكاتب المصري عمر بركة أن السياسة التقليدية، حتى في كذبها، كانت تحتاج إلى بناء رواية بديلة متماسكة تحل محل الحقيقة، لأن الكذب السياسي كان يزعم لنفسه صفة الصدق. أما ما تكشفه واقعة بالوغون فهو نمط مختلف: لا حاجة أصلًا إلى بناء رواية مقنعة؛ يكفي التصريح العلني بالتدخل، وكأن مجرد امتلاك القدرة على كسر القاعدة يغني عن أي تبرير لكسرها. هنا تتجاوز الوقاحة الكذب؛ فالكاذب يعترف ضمنًا بوجود حقيقة يخفيها، أما الوقح فلا يرى داعيًا للاعتراف بها أصلًا، لأنه لا يعترف بسلطة أي معيار خارج إرادته.

والوقاحة ليست مجرد فظاظة في اللغة أو خشونة في الطبع، بل بنية سياسية كاملة. إنها تفترض جمهورًا استُنزفت قدرته على الاستنكار، ومؤسسات فقدت استقلاليتها الرمزية، وخطابًا إعلاميًا يعيد إنتاج الفضيحة كما لو كانت مادةً للترفيه العابر، لا خرقًا للعقد الاجتماعي. عندها لا يعود التجاوز حدثًا استثنائيًا يستدعي المحاسبة، بل مشهدًا مألوفًا يستهلكه الناس ثم يمضون إلى ما بعده، فيما تتحول القاعدة نفسها تدريجيًا إلى مجرد اقتراح قابل للتعليق كلما اقتضت موازين القوة ذلك.

ولعل ما يجعل هذه الواقعة أكثر دلالة أنها منسجمة تمامًا مع الوقاحة الأمريكية والإسرائيلية التي تتجلى بأوضح صورها في الإبادة العلنية في غزة. فالمسألة هناك أيضًا لا تتعلق بمجرد خرق القانون، بل بكسره على مرأى من العالم، ثم التعامل مع هذا الخرق كما لو أنه لا يستدعي حتى التبرير. لم تعد الولايات المتحدة وإسرائيل بحاجة إلى إخفاء ما تفعلانه، ولا إلى بناء سرديات متماسكة تقنع العالم بشرعية أفعالهما؛ يكفي استعراض القوة، وتعطيل القانون الدولي، والاستخفاف بالمؤسسات الأممية، والتصرف كما لو أن القدرة على ارتكاب الجريمة تمنح صاحبها الحق في تعريفها.

يواصل بركة أن كل مجال اجتماعي، من القضاء إلى الرياضة إلى الأكاديمية، يبني شرعيته على وهم ضروري مفاده أن قواعده الداخلية هي التي تحكمه، لا منطق السوق أو السياسة أو القوة.

وحين يخترق منطق السلطة السياسية حقلًا مستقلًا كالتحكيم الرياضي، فإن الخسارة ليست خسارة قرار واحد، بل خسارة الوهم التأسيسي الذي يمنح الحقل معناه أصلًا.

لم يعد المشجع يسأل: هل كانت اللمسة تستحق الطرد؟ بل بات يسأل: من يملك رقم هاتف رئيس الفيفا؟ عندها يتفكك المجال الرياضي بوصفه حقلًا تحكمه قواعده، ويعاد تشكيله كساحة أخرى من ساحات النفوذ السياسي المفتوحة.

لم تعد المسألة، إذًا، مقتصرة على مباراة كرة قدم أو بطاقة حمراء، بل تتعلق بنموذج كامل لممارسة السلطة، يقوم على الظهور لا على الإخفاء، وعلى الاستعراض لا على التبرير، وعلى إشهار كسر القاعدة بوصفه دليلًا على القوة، لا على التستر عليه باعتباره اعترافًا ضمنيًا بالخطأ.

أما الخطورة الأعمق لتطبيع الوقاحة فلا تكمن فقط في المؤسسة التي تُخترق، بل في الجمهور الذي يعتاد المشهد. فكل تدخل علني يمر من دون محاسبة يرفع سقف المقبول للمرة التالية، ويحول الاستهجان الأولي إلى ألفة، ثم إلى لامبالاة، وأخيرًا إلى توقع طبيعي: أليس من البديهي أن يتدخل صاحب النفوذ حين يريد؟

أمل السعيدي كاتبة وقاصة عُمانية