الكاتب والسياسة

16 مايو 2026
16 مايو 2026

ذات يوم، قبل خمسة عشر عامًا، قال لي الناقد صبحي حديدي، في معرض إجابته عن أحد أسئلتي له في حوار إذاعي: إن الناقد الذي لا يكتب مقالًا سياسيًّا بين الحين والآخر عليه أن يستحي من نفسه، «وربما عليه أن يتقاعد، ولعله من الأفضل له أن يكتب كلمات متقاطعة». وأنا أضيف إلى الناقد، في عبارته المؤثرة تلك، كل أنواع الكتّاب من شعراء وروائيين وباحثين ومفكرين، خصوصًا في زمننا هذا، الذي تفرض فيه الأحداث السياسية نفسها على الكتّاب مهما حاولوا النأي بأنفسهم عنها. وشخصيًّا لم أجد كاتبًا مهمًّا لا يصدر في كتابته عن رؤية سياسية لهذا العالم وقضاياه، حتى ذلك الذي يؤمن -مثل بول أوستر- أن الكتابة لا توقف إطلاق الرصاص، ولا تمنع القنابل من الانفجار، ولا تغذّي طفلًا جائعًا، أو مثل الشاعر جون أشبيري الذي يرى أن عمله الشعري قيمته أكبر بكثير من أي نصّ ملتزم ضد الحرب. فهذا أيضًا موقف سياسي مثلما هو موقف أدبي. 

لكن علينا في الوقت نفسه أن ننتبه إلى نقطة بالغة الأهمية وهي أن الموقف السياسي في الكتابة لا يعني بأي حال من الأحوال أن تتحول القصيدة إلى خطبة سياسية، ولا القصة إلى مواعظ أو توجيهات، ولا المقال إلى شعارات سياسية. فالموقف السياسي في الكتابة كما أفهمه يكون في الطريقة التي يرى بها الكاتب العالم، وفي زاوية النظر التي يختارها، وفي الانحياز إلى الهامشيين والبسطاء ومحاولة أن يكون صوتَهم المعبر، ولكن بالفن، وبالفن وحده. 

ولو ضربنا مثلًا بكاتب عربي مهم كغسان كنفاني، فإننا نجد أن كتابته الأدبية والمقالية تتنفس السياسة دون أن تتخلى عن شروط الكتابة. ورغم أن موضوعات روايتيه «رجال في الشمس» و«عائد إلى حيفا» شديدة الصلة بفلسطين والمنفى والمقاومة، فإنها لم تنزلق إلى المباشرة الفجة. بل جعل الموقف السياسي يتسرّب من خلال الشخصيات والأحداث. وفي مقالاته أيضًا كان واضح الفكرة، قوي العبارة، بدون شعارات ولا خطابة. بعبارة أخرى كان ملتزمًا سياسيًا، ومخلصًا في الوقت نفسه لشروط الرواية والقصة والمقال. وكذلك كان مواطنه محمود درويش الذي بدا غنائيا في بداياته الشعرية وهو يتحدث عن حنينه لخبز أمه ولمستها، لكنه استطاع مع تطور تجربته أن يكتب قصائد يمكن عدُّها سياسية دون أن يشعر القارئ بذلك، كما هي قصيدة «خطبة الهندي الأحمر الأخيرة» على سبيل المثال. هذا الحديث عن الكتابة والسياسة يستدعيه الآن التحول الواضح في اهتمام القراء، في الآونة الأخيرة، بالكتابة التي تمس الواقع السياسي أو تلامسه، ربما بحثًا عن فهم لهذا الواقع المجنون الذي يباغتنا كل يوم بمفاجأة جديدة. وهنا لا بد من إشارة إلى أن السياسة في النص المكتوب لا تنحصر فقط في حال تحدث الكاتب عن حرب أو ثورة أو سُلطة، فإذا خلت كتابته من ذكر مباشر لهذه القضايا عُدَّتْ كتابة خالية من السياسة، ذلك أن الصورة، في تصوري، أكثر اتساعًا من هذا الضيق. فالسياسة اليوم تكمن في كل شيء في حياتنا، وتنعكس على كتابتنا شئنا أم أبينا. حين نكتب عن حليب الأطفال فهذه كتابة سياسية، وحين نكتب عن ازدحام طريق، أو فاتورة كهرباء، أو تداعيات حالة مناخية، أو تأخر صرف منفعة، فهذه أيضًا كتابة سياسية، لأن السياسة تسكن تفاصيل حياتنا اليومية، وتطل من الأشياء الصغيرة التي نظنها بعيدة عن الشعارات والبرامج الانتخابية والبيانات الحكومية. 

لذا، فأنا لا أؤمن بالفصل بين الضمير السياسي للكاتب وبين مشروعه الكتابي، لأن كليهما ينبعان، في حقيقة الأمر، من عين واحدة ترى العالم وتتفاعل معه وتعيد تأمله. فالمشروع الكتابي الحقيقي لا يتكوّن في فراغ، ولا ينفصل عن حساسية صاحبه تجاه العدل والحرية والكرامة الإنسانية، مثلما أن الضمير السياسي، حين يكون حيًّا ويقِظًا، فإنه يمنح الكتابة حرارة الموقف وصدق الانحياز للإنسان. 

سليمان المعمري كاتب وروائي عُماني