الاضطراب الكبير في إمدادات السلع الأساسية
04 مايو 2026
ترجمة: قاسم مكي
04 مايو 2026
تمر 50% من تجارة الكبريت المنقولة بحرًا عبر مضيق هرمز. كما تفعل ذلك أيضا 34% من التجارة في النفط، و29% من الغاز البترولي المسال، و19% من الغاز الطبيعي المسال، و19% من المنتجات النفطية المكررة، و13% من المواد الكيماوية بما في ذلك الأسمدة، وما يقارب 10% من الألمونيوم.
فالمضيق نقطة اختناق لاقتصاد العالم. إنه مكان لا يشعل فيه المرء حربًا إلا بعد دراسة دقيقة للأهداف والوسائل والمخاطر؛ وذلك ما لم يحدث قبل الهجوم على إيران يوم 28 فبراير 2026. ونتيجة لذلك بعد شهرين من الحرب ها نحن نجد أنفسنا في وضعنا الحالي.
ما هو هذا الوضع الذي نحن فيه الآن؟ يقدم تقرير البنك الدولي «آفاق أسواق السلع الأساسية» الذي نشر مؤخرا صورة تفصيلية لنتيجة الحرب الأكثر أهمية للعالم وهي بالتحديد أثرُها على إمدادات كل السلع التي عدَّدناها أعلاه.
هذه الحرب تذكير لنا بأننا لا نعيش في عالم غير محسوس؛ فنحن لسنا فقط نأكل طعاما محسوسًا ونرتدي ثيابًا محسوسة لكن خلف كل شيء غير محسوس بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة توجد كمية هائلة من المواد المحسوسة وذلك على نحو ما أوضح الكاتب البريطاني إد كونواي في كتابه «العالم المادي.»
وهكذا إذا مُنِع توريد مواد حيوية سرعان ما ستحدث أشياء غير لطيفة. فكما أشار البنك الدولي كان أول أثر لإغلاق المضيق خسارة عالمية لحوالي 10.1 مليون برميل من النفط في اليوم في مارس.
وهذا يفوق كثيرا أثر الثورة الإيرانية في 1979 والمقاطعة النفطية العربية عام 1973 وغزو الكويت عام 1990 أو الحرب الإيرانية العراقية في الثمانينيات.
إنه نتيجة مباشرة للإغلاق الذي قلل عدد الناقلات العابرة لمضيق هرمز من حوالي 60 ناقلة في اليوم إلى ما يقارب الصفر بعد 5 مارس. وكانت المحصلة الحتمية لذلك قفزاتٌ كبيرة جدا في الأسعار.
فقد قفز سعر برميل النفط بحوالي 46 دولارا للبرميل في مارس يفوق كثيرا أي ارتفاع شهري آخر في العشرية الأولى. وفي الفترة بين بداية الحرب و20 أبريل تضاعف سعر وقود الطائرات في سنغافورة وارتفع سعر سماد اليوريا بنسبة 85% والعقود الآجلة للغاز الطبيعي المسال الآسيوي بنسبة 46% وخام برنت بنسبة 32%.
ثم ماذا بعد؟ يوجد سؤالان كبيران. أولهما، إلى أي حد يمكن إحلال النفط العالق الآن في الخليج من مصادر أخرى؟
للإجابة على هذا السؤال يقدم البنك الدولي تحليلا مثيرا ومهمَّا: من إجمالي خسارة 20 مليون برميل في اليوم يمكن تعويض 1.5 مليون برميل بواسطة منتجي أوبك الآخرين و5.5 مليون برميل باستخدام خطوط أنابيب بديلة و3.3 مليون برميل من المخزونات و3.9 مليون برميل من النفط الخاضع للعقوبات أثناء نقله (في عرض البحر) و0.5 مليون برميل إمداد إضافي من البلدان مرتفعة الدخل و0.4 مليون برميل من الوقود الحيوي (الذي أصبح توافره أكثر صعوبة الآن بالنظر إلى النقص في الأسمدة).
هذا يترك نقصا بحوالي 4.6 مليون برميل في اليوم أو ما يزيد قليلا عن 4% من الاستهلاك العالمي. لكن السحب من المخزونات لا يمكن أن يستمر الى الأبد، وعندما تنفَد سيرتفع معدل النقص إلى نحو 8% من استهلاك العالم.
السؤال الثاني بالغ الأهمية وهو: إلى متى سيطول الإغلاق شبه التام للمضيق ثم بعد ذلك كم من الوقت ستستغرق عودة الأمور إلى وضعها الطبيعي؟
ليس من المفاجئ أن النخبة الإيرانية منقسمة حول التنازلات التي قد تقدمها وليس أقلها تلك المتعلقة بالبرنامج النووي. وإذا كان ثمة شيء واضح لها فهو أن الحصول على قنبلة نووية سيجعلها أكثر أمانا.
لقد تقلَّب دونالد ترامب بين عدد مذهل من الأهداف. وربما سيكون إيجاد هيئة لحماية الخليج واقتسام رسوم العبور بين الولايات المتحدة وإيران الحل المثالي بالنسبة له.
تفترض توقعات البنك الدولي لأسعار السلع الأساسية انتهاء المرحلة الأكثر حدة لاضطرابات الإمداد السلعي في مايو. بعد ذلك يُفترض تعافي حركة النقل عبر المضيق بشكل متقطع ثم استقرارها عند حوالي مستويات ما قبل الحرب بحلول الربع الأخير من هذا العام.
على أساس هذه الافتراضات من المتوقع ارتفاع مؤشر البنك لأسعار الطاقة بنسبة 24% هذا العام. ومن المتوقع ارتفاع أسعار الأسمدة بنسبة 31% وسماد اليوريا بنسبة 60%. لكن يُتَوقع ارتفاع أسعار الغذاء بنسبة 2% فقط هذا العام بسبب وجود مخزونات كبيرة تعود الى عام 2025.
وربما يكون وضع إمدادات الغذاء أكثر صعوبة في العام القادم إذا استمر إغلاق المضيق لفترة أطول من المتوقع.
المخاطر مرتفعة بالتأكيد. فالبنك الدولي يتوقع أن يكون متوسط سعر النفط لهذا العام 86 دولارا للبرميل، وهو تقريبا ما تشير إليه سوقُ العقود الآجلة.
لكن مع بقاء الاضطراب لفترة أطول وتعاظم الإضرار بالمنشآت قد يصل متوسط سعر النفط إلى 115 دولارا للبرميل (أو أكثر) مع استمرار ذلك حتى العام القادم.
ما الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها من هذا؟ الاستنتاج الأول والأكثر وضوحا هو أن اقتصادنا العالمي الأكثر ترابطا ضعيفٌ أمام تصرفات الفاعلين «المارقين.» في الماضي كان هؤلاء أناسا آخرين. والآن هم رئيس الولايات المتحدة ورئيس وزراء إسرائيل. فذلك الخطر لا يزال قائما.
ثانيا، في حين من المستحيل أن يكون هنالك أمان تام من الاضطراب إلا أن التأمين ضد الصدمات في إمدادات الوقود الأحفوري له ما يبرره. لقد تأكدت الحاجة الى التحول بسرعة أكبر إلى الموارد المتجددة والطاقة النووية.
ثالثا، الولايات المتحدة غير موثوقة للأسف؛ لقد كشفت عن ذلك بحربها التجارية والشكوك التي أثارتها حول علاقتها بحلفائها في الناتو، ومن المرجّح أن يصدُق ذلك على دورها كجهة إمداد بالطاقة أيضا.
رابعا، هذا الاضطراب في إمدادات السلع كبير ومن المؤكد أنه سيؤذي بشدة العديد من أفقر الناس وأضعف البلدان في العالم. الارتفاع في أسعار النفط والأسمدة سيضمن ذلك. وهذا يؤكد على الضرورة الأخلاقية لمواصلة تقديم المساعدات الإنسانية.
خامسا، ستمرّ البنوك المركزية بوقت عصيب في مواجهة العواقب، لكن يجب ألا تدع التوقعات التضخمية تفلت من يدها.
سادسا وأخيرا، سيتكيف اقتصاد العالم، لكن ستعتمد سرعة وجودة هذا التكيف على النهاية المبكرة للحصار.
ما يبشر بالخير أن لدى ترامب والإيرانيين أيضا أسباب قوية لإنهاء الحرب؛ فالشعب والاقتصاد في كلا البلدين والحلفاء في حاجة إلى وقفها. هل ستوقف أمريكا وإيران الحرب؟ دعونا نأمل ذلك.
مارتن وولف كبير معلقي الاقتصاد بصحيفة الفاينانشال تايمز
