زيارة الملك إلى أمريكا.. الاحتضار الأخير لعصر قديم
04 مايو 2026
04 مايو 2026
من سمات العيش عند نهاية عصر أن بعض أحداث الحاضر تبدو منذ وقوعها كأنها لُقى قادمة من المستقبل؛ أشياء نتوقع أن نراها في كتاب تاريخ مدرسي، أو في فيلم وثائقي بعد سنوات طويلة. هنا زيارة الدولة التي قام بها الملك تشارلز إلى الولايات المتحدة عام 2026، موضوعة بين فصلين: الحرب على إيران وأزمة الطاقة العالمية. هنا صورة لكوكبة ترامب بأسرها، جالسة إلى مائدة عشاء تضم الرافيولي بالأعشاب الربيعية وسمك الدوفر سول. تأملوا هذه العتيقة الدالة على زمنها: الأطباق الذهبية، العلامة الكونية على نظام بلغ ذروة الإفراط. وهناك ترون الضيف الأجنبي الرفيع، يلقي خطابا بدا في حينه ضربا من قول الحقيقة بشجاعة، بينما نعرف جميعا اليوم أنه كان أقرب إلى مسرح ساذج والعالم كله يترنح عند حافة الهاوية.
كان طاقم الشخصيات الذي وقف خلف أزمة نهاية العصر حاضرا، مكثفا في مكان واحد على نحو يكاد يخدم مؤرخي المستقبل، ليشرح لهم كيف وصل الأمر إلى هنا، وعلى أيدي من. رجال المال، وأبواق الدعاية، وأبناء الامتياز الموروث، والمتعاونون. سبعة ضيوف من فوكس نيوز، وسبعة من أفراد عائلة ترامب، وجيف بيزوس، وتيم كوك، وهدية صغيرة لترامب عاشق الغولف: بطل الماسترز روري ماكلروي، الذي طلب منه الرئيس أن يقف كي يعرضه على الحضور، قاطعا خطابه الرسمي ليقول: «تهانينا! فخور جدا بك». من أراد لقطة واحدة للقوى التي تسند إدارة ترامب، غير آبهة بانتهاكاتها الهائلة، فقد كانت هناك: إعلام الشركات الممول من المليارديرات، والتكنولوجيا الكبرى، ورأس المال الخاص، ونجوم سعداء لمجرد قربهم الشديد من كل هذه السلطة.
من أكثر ما يصدم في الأزمات أن الحياة تواصل سيرها وكأن شيئا لم يحدث. تبقى القوة الأمريكية ذات جاذبية هائلة، حتى حين ينخرط ترامب في كل صنوف السلوك المنفلت، أو يهدد بمحو حضارة كاملة، بينما تستمر بروتوكولات الاحترام الرسمي والودّ الدبلوماسي في مسارها الدافئ.
يا له من ارتياح شعر به بعضهم لهذا كله؛ لفرصة الاعتقاد، ولو للحظة، بأن البيت الأبيض لم ينحدر إلى الحضيض. في اليوم التالي، خُصص القسم الأمامي من موقع نيويورك تايمز، في معظمه تقريبا، للزيارة: نكات الملك ووقاره، قائمة الطعام، أسماء الضيوف، وبرنامج تشارلز. وانظروا إلى ثنائية الحزبين العزيزة علينا! بُعثت من جديد للحظة عابرة مع الترحيب بالملك، مثل بيت يضع فيه زوجان متخاصمان واجهة موحدة أمام الضيوف، فيبدو طوال أمسية واحدة أنهما غير محكومين بقطيعة نهائية.
ويا لها من «ردود خفية» أداها الملك بإتقان. أما أولئك في المملكة المتحدة الذين يقلقون بلا انقطاع من ذبول العلاقة الخاصة، فليطمئنوا: في جانب واحد على الأقل، ستظل الولايات المتحدة ترد على اتصالاتكم. فملكية عتيقة ثرية، هي الأشهر في العالم، ما زالت قادرة على منح شيء من المصداقية لبلد خرج منذ زمن طويل من تحت حكمها. بلد كان مؤسسه السياسي يفخر بأنه صار عملاقا ديمقراطيا خلال 250 عاما فقط، متكئا على دستور وفصل بين السلطات، ثم صار اليوم مكانا يخوض فيه الرئيس معركة مفتوحة مع القضاء، ويشن الحروب من فوق رأس السلطة التشريعية. بلد كان ملفوفا من قبل بخطاب المدينة المضيئة فوق التل، وبأعراف اللياقة في أوساط النخبة، ثم غرق الآن في المهانة، وشبهات التداول بناء على معلومات داخلية.
لكن الزيارة الملكية كانت أيضا تمرينا في ترميم متبادل لصورة بلدين يمضيان نحو المجهول، ويتشبثان بأمجاد ماضية. تبدو الزيارة منذ الآن كأنها أثر باق من زمن منقض، لأن المؤسستين معا، الرئاسة والملكية، تقفان عند أدنى لحظاتهما. السياق حاضر بقوة، وتجنبه في الوقت نفسه ضرورة قصوى. طبقة كاملة من الناس لحقت بها وصمة الارتباط بجيفري إبستين. فضيحة ما زالت أمواجها ترتطم بأبواب الرئاسة، وقد أطاحت بالفعل بأمير وبسفير المملكة المتحدة لدى الولايات المتحدة، وما زالت تداعياتها مستمرة. حين يطأ المرء أرضا كهذه، يصبح عليه أن يكون شديد الحذر، شديد التلميح.
بلغ التأييد للملكية مستوى تاريخيا متدنيا، ولا سيما بين الشباب. كما هبطت نسبة التأييد لترامب إلى أدنى مستوى في ولايته الحالية. والبلدان، خارج خيبات الأمل من قيادتيهما المنتخبة وغير المنتخبة، يندفعان نحو مستقبل غامض، من دون معارضة جدية لترامب في الأفق، ومع حكومة عمالية تتلقى الضربات. كأمتين، تجلس الولايات المتحدة والمملكة المتحدة فوق إرث الماضي وسمعته وكنوزه.
كان في الحماسة للتشبث بهذه البقايا شيء مثير للرثاء ومفهوم في آن واحد. في الصحف البريطانية، قيل إن تشارلز قدّم «درسا بارعا في الدبلوماسية»، ودافع عن الناتو في «خطاب تاريخي»، وأعاد صوغ العلاقة الخاصة. حتى الأوروبيون انجرفوا مع المشهد، إذ أعلنت «لوموند» أن تشارلز أعطى ترامب «درسا في الديمقراطية»، في زيارة «تحمل ثقلا رمزيا لكل الأوروبيين الملتزمين بسيادة القانون والحفاظ على علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة».
من الصعب مواجهة حقيقة أن قطارات كثيرة قد غادرت المحطة: أن أوروبا والمملكة المتحدة لا تملكان أي نفوذ حقيقي على ترامب؛ وأن سيادة القانون تمزقت، لا على يد الرئيس الأمريكي وحده، وإنما أيضا بفعل إبادة جماعية في غزة أقرّها هؤلاء المتعالون أصحاب الخطاب الرفيع أو تركوها تمر. لم يكن تشارلز ممثلا حكيما لحضارة قديمة ما زالت قابلة للحياة في مواجهة حضارة جديدة فقدت رشدها، بل مبعوثا لمن لا يزالون عاجزين عن إدراك حجم ما صنعته إخفاقاتهم، مقرونة بهيمنة أمريكية غير مُساءلة، في إعلان نهاية نظامهم القائم على القواعد.
ما الذي سيأتي بعد ذلك؟ المسار يتجه إلى مزيد من الاضطراب، لا إلى السكينة؛ إلى احتمال حرب طويلة على إيران، ومزيد من زعزعة الشرق الأوسط، وصدمات عالمية في الطاقة، وربما تفكك الناتو وانهيار الديمقراطية الأمريكية نفسها. لهذا تبدو هذه الزيارة الملكية كأنها إيقاع داخل سردية أوسع، لحظة معلقة سيرى فيها مراقبو المستقبل زمنا كان واضحا فيه أن شيئا ما يوشك أن ينتهي، بينما لم يكن أحد في تلك اللحظة يعرف ذلك. لا ألوم الذين انتعشوا، ولو قليلا، بذلك الوقت الذي جعل فيه ملك أوروبي من الممكن التصديق، لبرهة ثمينة، أن العقل والاستقرار ما زالا في المتناول. تمسكوا بها، أقول لهم. احتفظوا بها في الذاكرة. لأن الفصل يقترب من نهايته.
