هل تتجه أوروبا وأمريكا نحو الانفصال؟
ترجمة: قاسم مكي
انتقلت القوات الجوية الأمريكية إلى قاعدة ليكنهيث في بريطانيا عام 1948. وأنشئت قاعدة رامشتاين الجوية في ألمانيا أوائل الخمسينيات. أما اليوم فتوجد أكثر من 40 قاعدة عسكرية أمريكية في أوروبا تستضيف حوالي 85 ألف جندي.
لكن لا شيء يدوم إلى الأبد؛ فلأول مرة صار من الممكن بالنسبة لي تصوُّر انتهاء الوجود العسكري للولايات المتحدة في أوروبا.
الحرب في إيران هي السبب المباشر لذلك. عدم حماس أوروبا ورفضها بين الفينة الأخرى السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها لمهام قتالية في إيران أغضبا دونالد ترامب الذي وصف الأوروبيين بالجبن وقال عن الناتو إنه «نمر من ورق».
كما تساءل ماركو روبيو وزير الخارجية بصراحة عن السبب الذي يجعل أمريكا تشغل بالها بالحفاظ على قواعد في أوروبا إذا لم يكن بمقدورها استخدامها في وقت الشدة.
يُعتقَد أن إدارة ترامب تدرس فرض قائمة من العقوبات على الحلفاء الأوروبيين بعد انتهاء الحرب في إيران.
وتشمل الأفكار المطروحة طرد إسبانيا من الناتو وسحب الاعتراف بسيادة بريطانيا على جزر الفوكلاند.
لكن ما قد لا تدركه إدارة ترامب تماما أن الغضب يندلع على كلا الاتجاهين؛ فالساسة الأوروبيون يشتكون بمرارة وأحيانا علنًا من أن الولايات المتحدة شنت حربها سيئة التخطيط وغير القانونية بدون التشاور مع حلفائها في الناتو.
أيضا ثقة الأوروبيين في قيادة الولايات المتحدة هي الآن عند أدنى مستوى لها في أي وقت من الأوقات؛ وهذا مفهوم حين ينشر القائد الأعلى لأمريكا صورا له يُشبِّه فيها نفسَه بالمسيح ويهدد بمحو حضارة بأكملها.
جاءت حرب إيران بعد سنة فرضت فيها الولايات المتحدة رسوما جمركية على الحلفاء الأوروبيين وهددت بغزو جزيرة جرينلاند، فاتحة بذلك احتمالا مذهلا وهو أن ينتهي الأمر بالجنود الأوروبيين إلى قتال الأمريكيين.
أوضح استطلاع أجرته صحيفة بوليتيكو في وقت مبكر من هذا الشهر أن مزيدا من الناس في إسبانيا وإيطاليا وفرنسا وألمانيا يعتبرون الولايات المتحدة مهدِّدا أكثر منها «حليفا موثوقا».
إلى ذلك، أنعش رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز حظوظه السياسية بإدانته الصارخة للسياسة الخارجية الأمريكية. بل حتى قادة بلدان مخلصة في تحالفها مع الولايات المتحدة كبولندا وألمانيا يتشككون علنا في قيادة واشنطن.
ظل الوجود الأمريكي في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية «إمبراطوريةً بدعوة من الآخرين.» لكن بعض الأوروبيين يميلون باطراد إلى سحب هذه الدعوة.
إذن من الذي سيخسر أكثر (الولايات المتحدة أم أوروبا) إذا انتهي التواجد العسكري الأمريكي في أوروبا؟ بالنسبة للأمريكيين يعتمد ذلك بقدر كبير على ما إذا كانت الولايات المتحدة لاتزال راغبة في «عرض القوة» في أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا.
فعلى الرغم من الموقف السياسي «الظاهري» على كلا جانبي الأطلسي إلا أن الولايات المتحدة في الحقيقة تستخدم القواعد الأوروبية بكثافة في الحرب الحالية؛ فالطيار الأمريكي الذي أسقِطت طائرته فوق إيران وأنقِذ ربما أقلع من قاعدة ليكنهيث في بريطانيا.
إذا كانت الولايات المتحدة واثقة من أنها لن تحتاج على الإطلاق إلى تلك القواعد مرة أخرى يمكن يقينا أن تغلقها.
لكن بالنظر إلى وتيرة التدخلات العسكرية لأمريكا في الشرق الأوسط (وأيضا في البلقان) في العقود الأخيرة يبدو من التسرُّع الافتراض بأن حرب إيران الحالية ستكون آخر مثل هذه التدخلات.
كما ترتبط المشتريات الأوروبية من الأسلحة والسلع الأمريكية الأخرى ضمنا باستمرار ضمان الولايات المتحدة أمن أوروبا. ومع تزايد الشكوك حول ذلك الالتزام يتعزز الاتجاه إلى «الشراء من أوروبا.»
ينطوي القول «وداعا» للأمريكيين أيضا على مخاطر كبيرة لأوروبا. فروسيا لازالت تشن حربا في أوكرانيا. وحذر رئيس وزراء بولندا دونالد توسك من احتمال مهاجمة روسيا أراضٍ تابعة للناتو خلال شهور.
كما صدرت تحذيرات ضمنية على نحو مماثل من قادة سياسيين في برلين ولندن. وحسبما أشار توسك، هنالك شكوك متزايدة حول وفاء الولايات المتحدة تحت قيادة ترامب بما ينص عليه بند الدفاع المشترك في معاهدة الناتو.
وحذر مارك روته الأمين العام لحلف الناتو من أن أوروبا لا يمكنها حاليا الدفاع عن نفسها ضد روسيا دون مساعدة أمريكية. لقد أصبح روته الوجه العلني للجهود الأوروبية التي تهدف لإرضاء ترامب مهما كان الثمن.
بعض القادة الأوروبيين أكثر تفاؤلا من روته حول قدرة القارة على الدفاع عن نفسها. فهؤلاء يشيرون إلى أن الأداء العسكري لروسيا في أوكرانيا أقل من ممتاز.
مع ذلك هنالك إقرار على نطاق واسع بأن أوروبا تعتمد حاليا على أمريكا في تقديم القدرات العسكرية التي ستكون بالغة الأهمية في أية حرب. تشمل هذه القدرات الدفاعات الجوية والموارد الاستخبارية وطائرات النقل الثقيل التي ستكون مطلوبة لنقل الجنود إلى جبهات القتال بسرعة.
يمكن أن يستغرق ملء هذه الفجوات عدة سنوات. أيضا الهيكل القيادي للناتو بُني حول قيادة الولايات المتحدة.
لكل هذه الأسباب معظم القادة الأوروبيين حذِرون جدا من تحويل أحلام يقظتهم إلى واقع وإبلاغ الرئيس الأمريكي بأن يغرب عن وجوههم (يفكك قواعده ويرحل بجنوده عن أوروبا- المترجم).
في ذات الوقت من اللافت أن أوهام الانتقام من أوروبا والتي تتفشى الآن في إدارة ترامب لا تشمل في الواقع إغلاقا بالجملة للقواعد الأمريكية في القارة. فجانبا الأطلسي يدركان كما يبدو أنهما في الوقت الحالي مرتبطان ارتباطا لا فكاك منه في «زيجة غير سعيدة.»
بالنسبة لكل من الولايات المتحدة وأوروبا إعلانُ الطلاق الرسمي يبدو شططا وتجاوزا للحد. لكن كلا الجانبين يقولان ويفعلان أشياء لا يمكن نسيانها أو سحبها بسهولة. وهذا وضع خطر في التحالف، كما في الزواج.
جدعون راكمان كبير معلقي الشؤون الخارجية بصحيفة الفاينانشال تايمز
