No Image
ثقافة

خالد الجبيلي: صوفيٌّ في محراب الترجمة وناسكٌ بين لغتين

01 مايو 2026
01 مايو 2026

لا أعرف بالضبط عدد الروايات المترجمة التي قرأتها وكانت بترجمة المبدع خالد الجبيلي، ولكنني أعرف بدقة الرواية التي يكون قد ترجمها، حتى لو لم يكن اسمه محفورًا على غلافها.

كسوري، لم ألتقِ بالجبيلي من قبل، فالمسافات باعدت بيننا، ولكن الترجمات قرّبت بيننا كثيرًا، ولأنني أعرف مدينة حلب التي درست فيها، وأحفظ تفاصيلها، فقد كنت ميّالًا لهذا الأديب المترجم، وتواصلت معه مرات عديدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي رغبةً في حوار، ولكنه يعتذر إيمانًا منه بعدم تكرار نفسه وما يقول. احترمت رغبته، وأبقينا على مسافة الود عبر الكتب التي يجود علينا بترجماتها.

كانت "قواعد العشق الأربعون" مفتاحًا للتقارب، سلاسة التفاصيل وهي تنساب بين يديك كأنها شلال يحفر بين راحتيك معاني التصوف لتستقر في روحك، ومن ثم تتالت القراءات، ولعل آخرها رواية رفيق شامي "حكواتي الليل"، وهكذا استمر المشهد ببقية الكتب، واستمرت الصداقة عن بُعد.

كيف لك أن تصادق روائيًا أو شاعرًا أو مترجمًا أو باحثًا وأنت لا تراه ولا تعرفه، ولم تلتقه...؟ بعض الأسماء تدخل قلبك عبر أغلفة الكتب، تقرأ لهم مرارًا، وتثق بهم، ثم تكتشف أنك تعرفهم من دون أن تلتقيهم يومًا. هكذا كان حالي مع الذين قرأت لهم، وهكذا يبدو خالد الجبيلي، المترجم السوري الذي عرفه كثيرون من خلال كتبه، وعرفته أنا أيضًا رجلًا هادئًا، دقيقًا، متابعًا، بعيدًا عن الضجيج، وقريبًا من جوهر ما يفعل وقلوب محبيه.

في زمن باتت فيه الترجمة عند البعض عملًا تقنيًا سريعًا، بقي خالد الجبيلي وفيًّا لفكرة أعمق: أن الترجمة فعل ثقافي قبل أن تكون نقلًا لغويًا. فالمترجم الحقيقي لا ينقل الكلمات فقط، بل ينقل الإيقاع، والروح، والظلال الخفية التي تسكن النص. وهذا ما يشعر به القارئ في أعمال الجبيلي، حيث تبدو الترجمة سلسة، حيّة، وكأن النص وُلد بالعربية من جديد.

لا أريد في هذه العجالة أن أسبر سيرته الطويلة، فالجبيلي، المولود في حلب عام 1953، حمل معه من مدينته الأولى حساسية اللغة ودفء الثقافة الشرقية، ففي جامعتها أعتى اللغويين في العالم، ومنهم نهل، قبل أن تقوده الحياة إلى الولايات المتحدة، حيث واصل مشروعه الطويل في الترجمة والعمل المهني. ورث عن والده صنعة الترجمة، وقد شجعه على أن يواصل الترجمة الأدبية إلى جانب عمله لسنوات مترجمًا ومراجعًا في مؤسسات دولية، من بينها الأمم المتحدة، وهي خبرة انعكست بوضوح على دقته العالية واحترامه الشديد للمعنى.

هنا الترجمة الأدبية شيء آخر. هنا لا تكفي الدقة وحدها، بل يحتاج المترجم إلى أذن موسيقية، وذائقة أدبية، وصبرٍ يشبه صبر النحّات. ومن يقرأ ترجمات خالد الجبيلي يلمس هذا التوازن النادر بين الأمانة والجمال: فلا هو يضحّي بروح النص لصالح لغة جامدة، ولا يبالغ في التصرّف حتى يفقد الأصل ملامحه.

خلال مسيرته الطويلة، قدّم الجبيلي عشرات الكتب المترجمة في مختلف فنون الأدب والفلسفة، وقد دخل نادي المائة بجدارة، حيث بلغ رصيده أكثر من 100 كتاب مترجم، ومع كتابة هذه المقالة ستزيد كتابين على المائة، وهو رقم يكفي وحده للدلالة على الجهد والصبر والمشروع الفكري الذي يشتغل عليه، كواحد من أهم المترجمين العرب الذين نقلوا الأدب العالمي للناطقين بالعربية. ومن يتأمل هذه القائمة، يجد تنوعًا لافتًا في اختياراته: من الرواية الحديثة إلى الفكر، ومن الأدب الروحي إلى السرد النفسي.

ترجم أعمالًا لكتّاب عالميين تركوا أثرًا واسعًا لدى القارئ العربي، مثل إليف شافاق في "قواعد العشق الأربعون" و"لقيطة إسطنبول"، كما نقل كتب إرفين يالوم، وترجم أعمالًا لهنري ميلر، وأوميد صفي، وكان أول من قدم الكاتب السوري رفيق شامي للقراء العرب، وغيرهم من الأسماء التي تتطلب مترجمًا يمتلك حساسية خاصة تجاه اختلاف الأساليب والأصوات.

وهنا تكمن فرادته: كل كتاب يمرّ بين يديه لا يخرج نسخة واحدة مكررة، إنما يحتفظ بفرادته. تتنسم فيه روح الكاتب وروح المكان بدقة عالية، فالمترجم الضعيف يجعل كل الكتّاب يتحدثون بصوت واحد، أما المترجم الحقيقي فيترك لكل كاتب نبرته الخاصة. والجبيلي من هذا النوع النادر.

وقد يسأل البعض: ما الذي يدفع إنسانًا إلى هذه المهنة الشاقة؟ فالترجمة، في حقيقتها، عمل مجهِد وقليل الأضواء، لا تمنح صاحبها الشهرة التي تمنحها الرواية، ولا التصفيق الذي يناله المؤلف، ومع ذلك، يواصل المترجم الحقيقي عمله بدافع أشبه بإيمان صوفي مخلص لعبادته، لا يمل الصبر ولا يبارح سعيه الدؤوب في البحث عن الحقيقة والجمال والهدف: إيمان بأن الكتب يجب أن تعبر الحدود، وأن اللغات ليست جدرانًا بل جسورًا، لأنها يجب أن تشكل عناقًا صوفيًا يصل للنشوة دون ابتذال.

ربما لهذا اختار خالد الجبيلي الترجمة طريقًا، وربما وجد فيها ما هو أبعد من المهنة: وجد فيها رسالة، ومتعة خفية، وعشق عاشقًا صوفيًا لا يمل عشقه، وحوارًا دائمًا مع العالم.

ويبقى سؤال آخر يلحّ عليّ وعلى القارئ: لماذا لم يكتب رواية خاصة به بعد كل هذه السنوات، وفي مخيلته آلاف الحوادث والمشاهد والقصص، وفي أسلوبه ما يمكنه من أن يمتطي صهوة الرواية بكل سلاسة ويحلق بنا بعيدًا؟ لكن ربما في السؤال شيء من الحيرة وسوء الفهم، وعدم تقدير حجم الجهد المبذول في هذه المهنة، فمن يترجم بهذا العمق، لا يكون بعيدًا عن الكتابة أصلًا.

ليست غربة هذه الحالة التي يعيشها المترجم وهو يعيد صياغة النصوص بذائقته العالية، ولكنه اختيارٌ مرّ وحلو في آن واحد، أن ينصهر في بوتقة الإبداع الذي يقدمه، ولكن قناعات الجبيلي تبدو أوسع من هذا بكثير، بل وأكثر دلالة على التواضع الجم، فهو لا يريد أن يقدم ما لا يفيد، وبرأينا كقراء أنه لو قدم لأفاد كثيرًا، وبعبارة أخرى، لعلّه اختار أن يكتب بأصوات الآخرين، وأن يشارك في صناعة مكتبة عربية واسعة تحمل بصمته وبلاغة امتناعه عن الكتابة الشخصية؛ ليست كل الكتابة توقيعًا على الغلاف. أحيانًا، تكون الكتابة أن تمنح قارئًا عربيًا فرصة أن يقرأ دوستويفسكي، أو شافاق، أو يالوم، كما لو أنهم يتحدثون بلغته.

وفي الوقت الراهن تبدو الترجمة مهنة سهلة لمزاوليها في عصر الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ يزاحم كثيرًا من جماليات العمل ومتعته وروحه النابضة بالحياة. وقد شكّل تهديدًا واضحًا للكثيرين بفقدان أعمالهم. لكنه، في الترجمة كما يرى الجبيلي، لا يستطيع أن يحل محل الحس الإبداعي للمترجم البشري. يحتاج الأدب العالمي، والشعر، والنصوص الفلسفية، والمسرح إلى مترجم يتفهم حدود اللغة ومخزونها الثقافي، ويأخذ بالاعتبار ما بين السطور وما وراء الكلمات." هكذا يمكن النظر إلى خالد الجبيلي: ليس مجرد مترجم محترف، إنما وسيط ثقافي نبيل ومحترف، جعل القراءة رحلة ممتعة وآمنة بين ضفتين، وترك في رفوف المكتبات العربية أثرًا أوسع مما تركه كثير من المؤلفين.

إنه واحد من أولئك الذين يعملون بصمت، لكن ترجماتهم تتكلم طويلًا.