ثقافة

التسويق.. مسؤولية الكاتب أم الناشر؟

01 مايو 2026
01 مايو 2026

الإعلان عن الكتب ينهمر الآن علينا في "ريلز" الفيسبوك وإنستجرام مثله مثل وصفات الطبخ والسفر والعلاقات الزوجية الجيدة. الكُتَّاب أنفسهم يشاركون في التسويق، ربما عملاً بمبدأ أن البعيد عن العين ليس له مكان في عالم لا يعترف الآن سوى بالضوضاء والمزاحمة.

قد يقضي الكاتب وقتاً من العام في كتابة رواية مثلاً، لكن عليه أن يعمل بقية السنة كبهلوان يسعى لجذب أعين القراء. في أسبوع واحد قد تجده في برنامج تلفزيوني وبودكاست وحوار صحفي في جريدة أو حوار مصوَّر على يوتيوب، وكل هذا يتم تقطيعه إلى "ريلز" تظل تحاصرك على مدار اليوم وهي تعلن أن هذا المؤلف هو الأفضل وأن كتابه يحتل القمة، وبالتالي يصبح لديك يومياً بلا مبالغة عشرات الأعمال تحتل القمة، فوسيلة الفرز صارت غائبة وكل فرد صار بإمكانه أن ينصِّب نفسه أميراً للشعراء أو عرَّاباً للروائيين أو ملكاً للقصة القصيرة!

والسؤال هل صار لزاماً على الكاتب أن يشارك في التسويق لأعماله أم أنها مهمة أصيلة للناشر؟ وهل انتهت الصورة الكلاسيكية للكاتب المختفي خلف أعماله بعد أن صار بإمكان القراء الوصول إليه بسهولة؟

الكاتب العماني محمد الشحري يرى أن على الكاتب النزول من برجه ومقابلة القراء للتأكد أن أفكاره وصلت إليهم بشكل جيد، بل والأهم من ذلك هو التعرف على أراء الناس ومواقفهم واتجاهاتهم ورؤاهم.

وبما أن وسائل التواصل الاجتماعي كسرت حاجز التواصل بين الكاتب والقارئ يرى الشحرى أيضاً أن هذا التواصل مهم جداً للكاتب قبل القارئ لكي يفهم ذائقة الشريحة المهتمة بأعماله وتتابع إنتاجه. فالحوار مع القارئ يفتح للكاتب دهاليز تمكنه من كتابة أعمال جديدة.

أما فيما يتعلق بإعلان الكاتب عن مؤلفاته، يفضِّل الشحري كلمة "إشهار" على كلمة "تسويق"، ولفظة الإشهار منتشرة كثيراً في الدول المغاربية أكثر منها في الشرق العربي، لأنها توحي بالشهرة وتعلي من قيمة المنتج الأدبي والفكري. يستدرك: "لكن إذا لم نستعمل كلمة إشهار فالأفضل استعمال كلمة ترويج بدلاً من كلمة تسويق، لأن الترويج له دلالة ومعنى أرقى من كلمة التسويق التي تعني أيضاً التسليع وتوحي بالتقليل من المُنتج، وأرى بأن الكتاب ليس سلعة لأن قيمته الحقيقية تكمن في تأثيره على القارئ وليس مادة كمالية مستهلكة، فالكتاب يساهم في تشكيل وعي الإنسان وسمو روحه وذائقته. لكل ذلك أفضِّل ترويج الكتاب بالتشارك بين دور النشر والكاتب، خاصة في منطقة عربية تفتقر إلى وجود وكيل أعمال للكتاب والأدباء. وكذلك لا ننسى بأن الإعلام الثقافي في بلداننا يخفق في متابعة الإصدارات الحديثة، بل ويغيب أيضاً عن مواكبه حركة النشر والتوزيع لذلك يتحتم على الكاتب الإعلان عن أعماله بغية الحصول على قراء وليس المقابل المادي".

سطوع الميديا

هل يحكم على الكاتب الزاهد الآن بالنسيان؟ وكيف ترين مبالغات الكتَّاب في تسويق أعمالهم بصور متعددة؟

تجيب الروائية السورية نجاة عبد الصمد: "بشكلٍ ما وسط سطوع الميديا وصناعة الإعلام الحالية، أخشى أن يأتي يوم يُغيب الكاتب الزاهد طي النسيان. قد يكون كاتباً مبدعاً حقاً، لكن دار النشر لا تقوم بوظيفتها في إشهار كتبه، سواء بإيصالها إلى الصحف والإعلام، أو عرضها على وسائل التواصل بنبذةٍ احترافية وجاذبة، أو المشاركة في معارض الكتب الدولية أو توزيعها على مكتبات في العواصم العربية. قلة من دور النشر تملك فريق عملٍ مختص، ويتقن مهنته. المتتبع لهذا الأمر يعرف معاناة كثيرٍ من الكتَّاب من تقصير ناشريهم".

وتضيف: "الكاتب بدوره ومن حيث المبدأ، يدرك أن عليه الانشغال فقط بالكتابة. لكن هذه الكتابة لن تكتمل إلا بوصولها إلى القراء، فمن سينشغل بتسويقها إذا قصَّر الناشر؟ هنا نعود إلى نقطة الصفر. قد يضطر الكاتب حينها إلى تسويق أعماله بنفسه، ويواجه مطباتٍ عديدة".

تفصِّل نجاة تلك المطبات. أولاً قد يبالغ الكاتب في تسويق أعماله أو يخطئ في أسلوب تقديمها عن جهلٍ لا عن قصد، ما قد يثير نفور القارئ بدلاً من جذبه. وهذا واردٌ جداً، فالتسويق ليس مهنته أصلاً، ومهما اجتهد، فليست لديه أدوات الناشر نفسها.

وثانياً قد يرتاب القارئ في أهمية كتابٍ لا يرَوج له سوى من كاتبه، وليس خفياً أصلاً أن الكاتب غير موضوعي تجاه نتاجه الشخصي.

وثالثاً، وهو الأهم، سوف تسرق مهمة التسويق وقته وانتباهه وتركيزه، على حساب وقته المخصص لمتابعة الكتابة.

وتعلق: "هنا أيضاً نعود إلى نقطة الصفر. لا جواب أكيد عندي عما على الكاتب حقاً أن يفعل. لديَّ حلم: أن تتعهد دور النشر بوظيفتها. صحيحٌ أنها منشأةٌ ربحية لصاحبها، لكنها أيضاً مؤسسة ثقافية وهي نافذة الكاتب إلى قرائه. عليها أن تعتمد خطة عملٍ تأخذ بيد الكتاب حتى وصوله إلى كل منبرٍ ممكن، وإلى حينه، أقول عن نفسي فقط: في جميع الأحوال، لا أحرف بصري وبصيرتي عن التطلع إلى أمام، ومتابعة الكتابة. كما أشعر بمسؤوليتي في التعريف بكتبي، القديم والجديد منها، عبر صفحاتي الشخصية، خطوةً خطوة، بانتقائية، ودوماً بذوقٍ واحترامٍ لمنتَجي ولقارئي المأمول على السواء".

أشكال الترويج

هل على الكاتب أن يبقى في الظل مهما طُلِب منه أن يظهر ويشارك في التسويق؟

يقول الكاتب المصري وليد علاء الدين إنه عند الحديث عن التسويق ينصرف الذهن أول ما ينصرف إلى مجموعة العمليات الاحترافية التي تنتظم معاً من أجل خلق سوق لمنتَج ما. ويشمل ذلك أشكال الترويج، والدعاية، والإعلان، والإعلام، والتعريف المختلفة، وغير ذلك من أنشطة هدفها جعل المنتج مرغوباً لدى الجمهور، وأحياناً خلق الرغبة في اقتنائه، والحصول عليه.

ويخلص إلى أن التسويق، بهذا المعنى، عمل تخصصي يحتاج إلى منظومة محترفة تمتلك الكفاءات والمهارات، قد يكون الناشر، أو تكون مؤسسات أخرى يلجأ إليها الناشر، أو يلجأ إليها الكاتب مباشرة، أو عبر وكيل أدبي.

ويرى أنه لا توجد قواعد تمنع الكاتب من المشاركة في التسويق لمؤلفاته، ولكن ثمة أعراف ربما تعيب مشاركته المباشرة في أعمال الدعاية والترويج والإعلان، وتحصرها في المساحة ذات الصلة بالإعلام، من خلال الظهور في اللقاءات، والحوارات، والإدلاء بالرأي، والمشاركة في الندوات، وجلسات النقاش، والمساءلة النقدية... وغير ذلك من أنشطة، سواء تعلق الأمر بأحد كتبه ومؤلفاته مباشرة، أو بحضوره العام ككاتب أو أديب، باعتبار هذه النوعية من الأنشطة امتداداً لحالة الحوار المقصودة بالكتابة من الأساس.

ويقول إن البعض يرى أن الكاتب في كل الأحوال، متورط في حالة التسويق لكتبه أو لتجربته، حتى هؤلاء الذين يبالغون في الترفع عن المشاركة، ويتهربون من الحضور الإعلامي؛ فإنهم يطبقون -بوعي أو بدون وعي- نموذج البقاءَ في الظل، وهو منهج تسويقي معروف، وله قواعده وأصوله، بموجبه يظل الكاتب أو الفنان بعيداً عن قنوات التسويق، والترويج، يتجنب الظهور التفاعلي، مع الاستمرار في ترويج منتجه وأفكاره، حرصاً على قدر من الإيحاء بالنخبوية يصلح مع بعض أشكال الكتابة، أو رغبة في إضفاء حالة من الغموض على العقل وراء المنتَج، حماية له، أو حرصاً على عدم قطع الشك باليقين بما يسمح بإبقاء الجدل حول منتجهم الأدبي أو الفكري، وتصعيده.

ويختتم حديثه قائلاً: "لقد أتاحت طبيعة العصر الذي نعيشه للكتاب والناشرين، وشركات التسويق على حد سواء سبلاً وقنوات متعددة للترويج والتسويق للكتاب وللكاتب، ولا بأس في أن يستعين بها أي منهم، طالما أن الأمر يخلو من الزيف، والتدليس، والادعاء، والكذب".

ظاهرة معقدة

هل يطلب منك الناشر الإعلان عن عملك بكثافة على مواقع التواصل الاجتماعي؟ وهل ترى أن هذا الدور واجب عليك أم أن على الدار أم مسؤولية مشتركة بينكما؟

يمهِّد الكاتب المصري شريف صالح لإجابته قائلاً إن نشر الكتب الآن صار فعلاً معقداً ولم يعد قاصراً على ناشر حكومي ولا بضعة أسماء تكتب روايات بل تحوَّل إلى عوالم موازية يصعب رصدها وتصنيفها وتتدخل فيها المنصات والبودكاست والسوشيال ميديا وصفحات القراءة وكل من يعرِّف نفسه بأنه "ناشط ثقافي".

لذلك، بحسب شريف صالح، فإن عملية نشر الكتاب الآن لم تعد مجرد تعاقد بين ناشر وكاتب على طريقة نجيب محفوظ ومكتبة مصر قديماً وإنما تتطلب وجود محرر وكاتب ظل وقائم بالدعاية والتسويق ووكيل أدبي ومسؤول في السوشيال ميديا ومخرج فني وغير ذلك، وواقع الحال أن دور النشر بدأت تنتبه للأدوار الوسيطة الناشئة وتكلف بها بعض موظفيها مثل بث مقاطع فيديو قصيرة عن الكتب الجديدة أو تصريحات مصوَّرة للمؤلف.

ثم يتحدَّث عن تجربته الخاصة: "بالنسبة لي قد يكون هناك اتفاق ضمني أو صريح في العقد بالتعاون مع دار النشر في تسويق العمل. حتى وإن لم يحدث نقاش حول هذا الدور وحدوده ومتطلباته فبسبب ازدحام السوق وتعقيداتها يجد كل كاتب نفسه مضطراً أن يقوم بأدوار كثيرة فيصبح الوكيل الأدبي لنفسه ومدير الدعاية ويوظف صفحاته الافتراضية في بث الأخبار والصور المتعلقة بكتابه ويرتب الندوات، ويقدم بنفسه غالباً للجوائز، وينشط في تواصله مع وسائل الإعلام ومقدمي البرامج الثقافية والمنصات ومسؤولي صفحات القراءة، لأنه لو انتظر مبادرات الناشر المشغول بكتب كثيرة سيجد كتابه خارج المنافسة أو ذهب للنسيان كأن لم يكن".

شريف يؤكد أنه سواء نسَّق الكاتب والناشر معاً أو تركا الأمر للاجتهاد الشخصي فالغالب أنه لا توجد خطة مسبقة متفق عليها لتسويق الكتب والدعاية لها، وبالتالي لا يتم تحديد مواعيد الندوات على مدار العام مثلاً، ولا توجد فرصة للقاء مع تجمعات شبابية في الجامعات أو أندية القراءة. باختصار هي محاولات عشوائية لمجاراة تعقيدات السوق، وقد يتركها بعض الناشرين بالكامل على عاتق مؤلف الكتاب لتستنزف طاقته وجهده بدلاً من التركيز على الإبداع وحده، وتضطره للقيام بأدوار يفترض أنها مسؤولية الآخرين، لكن ربما بالتجربة والخطأ يمكن أن تقل الفوضى ونصبح سوق النشر أكثر فاعلية بما يخدم مصلحة الطرفين.

مسؤولية الناشر

مرة أخرى التسويق مهمة مَن؟

يجيب الكاتب التشادي الذي يكتب باللغة العربية روزي جدَّي: "مسؤولية الناشر في المقام الأول. لا بأس أن ينشر الكاتب معلومات عن أماكن توافر كتبه أو مشاركتها في المعارض لمساعدة الناشر، إلا أن العملية برمتها تظل مسؤولية للناشر، فهذا دوره الأساسي. شخصياً أنزعج من أي كاتب يتحدث دائماً عن كتابه، وينشر عنه اقتباسات، ويكتب مراجعات بنفسه حوله؛ وأشعر بالشفقة تجاهه، إذ يتعامل مع كتابه بوصفه بضاعة".

يستدرك: "لا بأس أن يساند الكاتب ناشره في حدود ضيِّقة، كالإعلان عن وجود الكتاب في المعارض والمكتبات، خاصة إذا كان يمتلك حسابات نشطة على وسائل التواصل الاجتماعي ويتابعه الآلاف".

أسأله: هل تشعر بالقلق من ضعف التسويق لكتابك مقابل تسويق أعمال أخرى بصورة مكثفة؟

ويجيب: "نعم، أشعر بالقلق من ضعف التسويق لعملي مقابل أعمال أخرى، خاصة أن هذا التسويق يحدث أحياناً لأعمال أقل جودة. لكنني أتعامل مع المسألة دون إحباط كبير، فأنا أكتب من الهامش؛ أعني أنني إفريقي يكتب باللغة العربية. وكأي كاتب قادم من الأطراف، لا أجد ما يكفي من التسويق، بينما تحظى به أعمال لا تستحق القراءة، وهو أمر غير عادل".

مصدر القلق الأساسي بالنسبة لروزي أن هذه العملية تقوم على تدوير وتكرار أسماء بعينها، دون النظر إلى جودة ما كُتب، وهذا يمنع القارئ من اكتشاف عمل جيد قادم من الهامش، أو من قراءة كاتب لم يقرأ له من قبل. يعلق: "المحبط أن نصوصنا أحياناً لا تحظى إلا بالصمت أو التجاهل، وهو أمر مزعج، لأننا لا نحصل على فرصة للوصول إلى القارئ. ككاتب من جمهورية تشاد في وسط إفريقيا، وأكتب بالعربية، أشعر بالقلق فمن الصعب أن يحظى كتابي بتسويق كافٍ، فبلادي لا تُعد عربية بحسب جامعة الدول العربية، وغالباً ما يعتقد الناشر أنه لن يجد مبيعات لكتاب صادر عن روائي من إفريقيا، بينما في الوقت نفسه تحظى روايات عادية بترويج كبير رغم ضعفها، وآمل أن تكون عملية التسويق جزءاً من دور الناشر في إيصال الكتاب إلى القراء، وأن يكون دورنا نحن الكُتاب هو الفرح بعدد القراء وتنوعهم. وبدل الانشغال بالتسويق، علينا أن نمنح هذا الوقت والجهد للمسودات والكتابة نفسها".

رأي الناشرين

ماذا إذن عن رأي الناشرين؟

تعترف الدكتورة فاطمة البودي مؤسسة دار "العين" المصرية بأن الترويج واجب الناشر، فالمفترض أنه نشر العمل عن اقتناع، وبالتالي يجب عليه أن يوزع نسخاً منه على الإعلام والصحافة الثقافية.

وتقول إن بعض الكتَّاب لديهم تحركات واسعة ويظهرون من تلقاء أنفسهم في الإعلام دون أن تطلب منهم ذلك وهذا يساعد الناشر، لكنها ترى أن بعض المؤلفين لا يكون لهم تواجد نهائي، وهذا يؤثر في المبيعات مهما كانت أعمالهم جيدة، وتشبِّه ذلك بما يحدث حين تنشر عملاً لكاتب ثم يموت فجأة، حيث يتحول العبء بالكامل عليها في الترويج لذلك العمل. وتنهي حديثها قائلة: "لا يجب أن أجبر كاتباً ضد طبيعته وأرحب بأي كاتب يستجيب للتوجيه ويرضى بالظهور في برنامج تلفزيوني أو حوار صحفي".

***

والآن.. أنت ما رأيك؟ هل تفضِّل الكاتب المختفي على الطريقة القديمة قبل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي أم ترى أن ظهوره المتكرر شيء عادي؟!