No Image
ثقافة

حقيقة الفينيق وأشجار الحروف

30 أبريل 2026
تحسين يقين
30 أبريل 2026

"إذا عُرف السبب بطل العجب"، فلا دهشة بما يخلعه الاحتلال من شجر، ولا من عدوان على دور التعليم والثقافة، لكن هناك من عجيبة البقاء، فكل خلع يواكبه زرع مضاعف للشجر والثقافة في فلسطين، وإلّا كيف نفسّر تسارع عقد الأنشطة والندوات الثقافية، ليس في الضفة الغربية فقط، بل هناك في قطاع غزة، فيما تبقى من مراكز، وخيام، وفي الفضاء الرحب أمام هذا البحر!

من الذي سبق: الشعب أم وصف اللغة؟

لم أشعر بالرعب حين امتدّ جدار الفصل العنصريّ تجاه كرومنا؛ فقد كان مشهد الأشجار والسناسل (الجدران الاستنادية) التي بناها أبي، وواصل بناءها أخي د. سعيد بشكل خاصّ، يمنحني الأمان، حين تُركنا لأقدارنا مع بداية سلطات الاحتلال ببناء هذا الجدار التوسعيّ عام 2002.

كنت أشعر أنّ الأشجار الخضراء، والجدران الاستنادية في الجبل ذي الانحدار السريع، قادرة عن الدفاع عن المكان، وهكذا؛ فلم يكن الغزاة قادرين فعلا على استلاب الأرض، فاضطروا للابتعاد.

كنت في اللاوعي متأثرا بنصائح كبار السنّ حينما كانوا يركّزون علينا بألا نترك الأرض، وأن نزرع المزيد من الشجر، فالأرض الخضراء تحمي نفسها، فيما تُغري الأرض البور الغزاة، وهم الذين بنوا مستوطنتهم العسكرية على شعار زائف: أرض بلا شعب لشعب بلا أرض".

كان صوت سميح القاسم يملأ مسمعي، فأرى الأشجار والسناسل تقاتل معنا، كما قاتلت أبواب المدن ونوافذها وشمسها وجمالها:

تقدمت أبواب جنين ونابلس

أتت نوافذ القدس

صلاة الشمس

والبخور والتوابل

تقدمت تقاتل

والمقطع مقتبس من في قصيدته الخالدة التي كتبها تعبيرا عن الانتفاضة الأولى التي انطلقت عام 1987 التي ابتدأها

بـ"تقدّموا كل سماء فوقكم جهنّم وكل أرض تحتكم جهنّم".

لقد اتّفق الفلاسفة والمفكرون أن المكان هو أهم بعد في حياة الإنسان. والمكان هو الأرض، وهو الوطن، لذلك فإن أهم ما يمّيزه هو إنسانه وشجره وكائناته التي في البيئة. والإنسان هو هذا المزيج الطبيعيّ في جانبيّ الوعي والشعور. وهكذا، فإن المميّز هنا، هو خصوصية الإنسان. وتلك هي الخصوصيّة الوطنيّة.

ولعلّ خصوصية الإنسان تتجلّى في ثقافة الإنسان، ولغته وفنونه وتراثه. ولما كان المكان هو أساس هذا الوجود، فإن الإنسان وأشجاره التي يقتات على ثمارها، ويستظلّ بها، هما معا المعنى العميق، بل والجوهريّ للوطن.

في كل مرحلة من مراحل الاستلاب، وما يرافقها من مقاومة، فإن هناك أمرين حرص الفلسطيني عليهما، وهما الزراعة والثقافة. ويدخل في حقل الثقافة التعليم والأدب والفن والإعلام؛ فمنذ ثورات ما قبل 1948، ثم مع نكبة عام 1948، وما تلا ذلك من انطلاق المقاومة، وهزيمة 1967، واجتياح لبنان، وانطلاقة الانتفاضتين الأولى والثانية، وصولا إلى الحرب البشعة التي لم تنته لا في قطاع غزة ولا في الضفة الغربية،

فقد لاحظ المؤرخون والشاهدون لما كان ويكون، كيف كان يحرص الفلسطينيّ على الزراعة، كما تفعل الغزّيات من زراعة النعناع والخضار حول خيام اللجوء، وكما احتفظت به الوثائق من اهتمام بالغ بالتعليم والثقافة والتمسّك بالتراث على مدار 78 عاما، وصولا إلى حرص الغزّيين على تعليم أبنائهم، بكل الطرق الممكنة، من تعليم وجاهي في الخيام، في ظل القصف، وتعليم افتراضي عن بعد، من خلال مُمكنات الحياة المعاصرة، التي فتكت تكنولوجيا الحرب بهم، لكنها لم تقوَ على الفتك بأحلامهم في الوجود، الذي يتجلّى كأبعد ما يكون بالكلمة.

لم أستطع العثور على من بدأ باستخدام رمزية طائر العنقاء أو الفينيق، في تشابه حالنا هنا مع حال هذا الطائر القادم من الأسطورة؛ ففي كل مراحل شعب فلسطين، كان الاستخدام الرمزيّ للتأكيد على عودة الروح بعد الهزيمة، للبدء من جديد.

لم أجد كاتبا محددا بدأ بربط فلسطين بطائر الفينيق، لكنّ جوهر الحياة الفلسطينيّة نفسه، هو ما دفع الكتّاب والمناضلون إلى هذا الربط؛ لتقوية البقاء هنا.

يقوم وجه الشبه المجازيّ والرمزيّ على انبعاث الشعب للدفاع عن وجوده، يتجلّى في رمزيّة أسطورة الطير الذي يخرج من بين الرماد. لذلك وكما سبق أن قلنا، فقد استخدم الرمز في الأدب والأدب الفلسطينيّ الحديث والمعاصر، وبشكل خاص بعد نكبة عام 1948.

ويبدو والحالة كذاك، أن هذا الطائر يرتبط نضاليا وثقافياً بفلسطين. ولمن يتساءل عن هذه الأسطورة، فإننا نذكّره بأن طائر الفينيق (أو العنقاء) هي حكاية رمزية قديمة عن طائر ذهبيّ يعيش طويلا، وعندما يشعر بدنوّ أجله، فإنه يحترق ليُبعث من جديد من رماده. وهي كما نتأمل ترمز إلى الخلود، التجدد، والقدرة على النهوض من تحت الأنقاض. ولم تقتصر الأسطورة علينا هنا على هذه الأرض، فقد تبنّتها حضارات أخرى كالفينيقيين، والمصريين، والإغريق كرمز للتجدد والمقاومة.

جميلة هذه الأسطورة وموحية، ولكن لربما نعود إلى ما تساءلنا به في أول الكلام: من الذي سبق: الشعب أم وصف اللغة؟

الأصل هو إبداع البقاء والوجود، وخلال ذلك، استلهم المبدعون من هذا الوجود رموزا تحاكي عبقريّة الوجود، والبقاء والخلود، فكان طائر العنقاء أحد هذه المقترحات الجمالية، ذلك أن البقاء على هذه الأرض والاستمرار بالحفاظ عليها خضراء، والاستمرار بالكلمة والرسم والغناء لا يعني إلّا أن الباقين يجترحون المعجزات. وهو اجتراح يحاكي الحفر في الصخور، والذي يعني انتصار إرادة الإنسان، وهذا ما لا يريد الغزاة التوقف ولو قليلا عنده.

الأصل هو الحقيقة، وقد حسم راشد حسين الأمر حين كتب وهو داخل فلسطين المحتلة عام 1948:

سنفهّم الصخر إن لم يفهم البشر إن الشعوب إذا هبّت ستنتصر

ومهما صنعتم من النيران نـخمدها ألم تروا أننا من لفحها سمر

ولو قضيتم على الثوار كـــــلّهم تمرّد الشيخ والعكاز والحجر

ليس بقاء الشعب مستحيلا إن تحلّى بالإرادة، وأبرز البقاء هو الشجر المثمر حلو المذاق، وسحر هي طاقة الزيت إن مسّ اليد، نور على نور، تمنح الحيوية للجسد والنفس والروح، فينهض الإنسان مقبلا على الحياة، فشرب الشاي بالميرمية أو النعناع، أو تناول الزعتر، سيكفيه، ورحم الله الشاعر عبد اللطيف عقل حين قال:

"أعيشك في المحلِ تيناً وزيتا

وإنْ جُعت أقتاتُ زعترْ"

إذن، وبعد ما كان ويكون، فحقّ أن نقول: ظلّ الشعب حقيقة، أكان هناك طير أسطوريّ أو لم يكن؛ لأن المشبّه والمشبّه به واحد، ووجه الشبه حاضر، وهكذا سيجد المؤرخون أسطورة أخرى للحديث عنها.