فتاوى :يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان
30 أبريل 2026
30 أبريل 2026
ما صحة حديث «شيبتني سورة هود وأخواتها»؟
هذا الحديث فيه كلام طويل، لكن الأظهر أن هذا الحديث ضعيف، حاول بعض العلماء أن يصححه أو يحسنه، ولكن الظاهر أن هذه المحاولات لا ترقى إلى تحسين هذا الحديث، الحديث من حيث السند، أشهر رواياته وردت من طريق عكرمة عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وعكرمة لم يلتقِ بأبي بكر.
كثير ممن تحدث في هذه الرواية نظر في الرواة عن أبي إسحاق، وأبو إسحاق هذا نفسه فيه جرح عند كثير من المحدثين، فضلًا عن غيره من رواة هذا الحديث الذي عليه مدار هذا الحديث.
حاول البعض أن ينتصر لرواية عند الطبراني من طريق عقبة بن عامر، لكن الصحيح أيضًا بأنها ضعيفة، لا ترقى، لأن شيخ الطبراني الذي روى عنه أيضًا انفرد بهذه الرواية، وهو متهم إذا انفرد، ولو لم ينفرد فإن في الحديث عللًا أخرى.
الحاصل أن من حاول جمع الطرق والشواهد والمتابعات، ترخص كثيرًا وتجوز كثيرًا، لأن الجرح في عدد من رواة هذا الحديث جرح لا يمكن جبره.
بعض المحدثين أيضًا نظر إلى المتن من حيث إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يُعد فيه شعر المشيب، ما كان كثير الشيب، وهذه الروايات صحيحة إلى آخر أيامه عليه الصلاة والسلام، فلم يكن كثير الشيب في شعره.
والأمر الآخر من حيث عدم اختصاص هود وأخواتها، واختلف في أخواتها، هناك روايات أنها الواقعة، وعمّ يتساءلون، والتكوير، أنه ليس فيها مزيد ترغيب وترهيب ومواعظ وزواجر عما يوجد في سور أخرى من كتاب الله عز وجل.
فإذًا من حيث السند تقدم بأنه ضعيف، ومن حيث المتن هناك أيضًا علل تعتري هذا المتن، فالأقرب الظاهر أنه حديث ضعيف.
فقط هناك من تسامح فيه باعتبار أنه لا يؤخذ منه أحكام تشريعية، وهم يتسامحون في أحاديث الترغيب والترهيب وأحاديث فضائل الأعمال، ولكن حتى هذا، أن يُنسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي الأمر نظر، والله تعالى أعلم.
في قوله تعالى في سورة التغابن: «وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ»، ما دلالة الترتيب: العفو ثم الصفح ثم المغفرة؟ وما الفرق بينها؟ والله تعالى وصف نفسه بالعفو وبالغفور، هل يجوز وصفه بالصفوح؟
العفو هو ترك المؤاخذة، فلا معاقبة على المسيء، يعفو عنه أي يترك معاقبته، فإذا العفو ترك المؤاخذة، قد يكون هناك توبيخ، قد يكون هناك شيء من اللوم.
هذه هي مرحلة الصفح، الصفح بمعنى الإعراض عن التثريب، عن التوبيخ واللوم، ومن باب أولى عن المؤاخذة والعقوبة.
إذا الصفح أعلى درجة من العفو، لأن العفو ترك العقوبة؛ ترك المؤاخذة، الصفح أعلى منه، وهو الإعراض بترك التثريب، أي لا عقاب ولا لوم ولا توبيخ. أعلى منهما المغفرة، لأن المغفرة من الغفر، أي الستر، فهو إنهاء هذا الموضوع، يستر عليه وكأنه لم يقع أبدًا.
وفوق هذه كلها، الإحسان، إذا هذه هي معانيها، وبهذا يتبين هذا الترتيب في هذه الآية الكريمة، وفي حيثما وردت مجتمعة أو ورد بعضها، لأن ذكرنا في آية: «وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ»، هناك ذكرنا أن الله تبارك وتعالى ذكر العفو وذكر المغفرة، فبحسب السياق، لكن هي لا تخرج عن هذه المعاني.
الآن فيما يتعلق بالصفوح: أولًا، هذه المسألة مبنية على: هل أسماء الله تبارك وتعالى توقيفية، أو ما وصف به جل وعلا نفسه في كتابه الكريم من أفعاله، فيمكن أن يسمى بها؟ خلاف، والأولى الوقوف عند النصوص، فما سمى الله عز وجل به نفسه يسمى به، وما ذكره من أفعال فإنه ينسب إليه بالفعل دون أن يشتق منه، هذا هو الأولى، لكن المسألة لا تخرج من الخلاف عند أهل العلم.
ومثل الصفوح، ألفاظ أيضًا أخرى كثيرة وردت في القرآن الكريم بصيغة الفعل، ولذلك اختلف أهل العلم: هل يصح أن يشتق منها الوصف، ويسمى بها الله تبارك وتعالى فتكون من جملة أسمائه الحسنى وصفاته العليا؟ مسألة شهيرة.
لكن على الأقل، ما ورد في كتاب الله عز وجل أو في أدلة صحيحة، فالخطب فيه أهون، لأنه متى ما وصف به رب العزة والجلال، فإنه يوصف به باعتبار الكمال، وباعتبار ما يليق به تبارك وتعالى من صفات الجلال والكمال، والتنزه عن أي نقص أو تكلف، والله تعالى أعلم.
ما الرد على من يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم استباح قافلة أموال أبي سفيان له وللمسلمين، مع أن الإسلام يحرم قطع الطريق وأخذ أموال الناس؟
هذه شبهة ضعيفة، لا يتكلف في الرد عليها، لأن هذا الذي يقول مثل هذا القول لا يعرف حقيقة السيرة والتاريخ، فإن المهاجرين رضوان الله تعالى عليهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنما أخرجوا من ديارهم وأموالهم، فظُلموا واعتدي عليهم في أنفسهم وفي أموالهم وفي أولادهم، فجُردوا من كل ما يملكون، واستولى أهل مكة على أموالهم وعلى دورهم وعلى كل ما يملكون، وحالوا بينهم وبين أولادهم، وهذا الذي دفعهم إلى الهجرة.
ومن أجل ذلك، فإن هذا القياس الوارد في هذه الشبهة لا يصح أصلًا، لأن ربنا تبارك وتعالى بين، فقال: «أذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ»، فبيّن أنهم قد ظلموا، ظلموا في أنفسهم، وظلموا في أموالهم، فأما ما تحراه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه المؤمنون، إنما هو استرداد لبعض حقوقهم المسلوبة، وهذا هو المعنى الأول.
والمعنى الثاني: أن ما فعله أهل مكة بالمسلمين، برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، من النكاية فيهم في أنفسهم، وتعذيبهم، ومحاصرتهم، والعدوان على أموالهم وعلى دورهم، هو إعلان حرب.
ولهذا كان أهل مكة حريصين على ألا يصل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة المنورة، لأنهم يعلمون أنه بوصوله سيبدأ في تكوين مجتمع مسلم يناهضهم ويناصبهم العداء، وهذا كان واقع الحال.
ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استمر في دعوتهم مع فرض هيبة المدينة عليهم، ولهذا بدأ بتقطيع طرق التجارة لأجل محاصرة أهل مكة بعد ما فعلوه في المسلمين، وبعد مناسبتهم العداء، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أذن له أن يقابلهم بالمثل.
وكان أصحابه رضوان الله تعالى عليهم ينتظرون هذا الإذن وهم في مكة المكرمة، وكان أهل مكة يعرفون أن هذا حاصل لا محالة، ولهذا فإن أبا سفيان كان يخشى من هذه المواجهة، فقد أرسل إلى أهل مكة أن العير قد سلمت، وأمرهم بالرجوع، فأصروا، قالوا: لا، حتى نصل إلى بدر، وننحر جزورنا، ونشرب خمورنا، وترقص غوانينا، إلى آخر ما ذكروه بطرًا ورئاء الناس كما وصفهم الله تبارك وتعالى.
ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لتأكيد أنه لم يكن المقصود مجرد استرداد الأموال المسلوبة، ورد المظالم، هو أن العير لما فاتتهم، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لم يرجعوا إلى المدينة المنورة، ومع شدة رغبتهم في أن يحظوا بغير ذات الشوكة كما حكى القرآن الكريم: «وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ»، ولكن بين الله تبارك وتعالى: «وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ».
فإذا هذه هي الوجوه التي نفهم بها هذا الحدث وسياقه، وما احتف به، وما كان قبله، وما دفع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وما دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأنصار معه إلى الخروج في بدر: استرداد بعض الحقوق، وفرض الهيمنة، ومحاصرة قريش، ودفع المظالم، ورد هذه المظالم عن أنفسهم، وتأمين أمنهم وسلامتهم، كل هذه المعاني هي التي كانت في بدر، والله تعالى أعلم.
