إشراقات

د. كهلان الخروصي: نحتاج أن نعيد حلاوة القرآن وهيبته إلى نفوس الناس

30 أبريل 2026
في كلمة ألقاها في ندوة «القرآن وبناء الإنسان»
30 أبريل 2026

في ندوة «القرآن وبناء الإنسان» التي نظمتها مؤسسة جابر بن زيد الوقفية مؤخرًا، قدّم فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي، مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان، كلمة علمية اتسمت بعمق الطرح واتساع الرؤية وجرأة المعالجة، حملت عنوان «ضوابط التفسير القرآني وحدود التأويل»، لتشكّل في مضمونها قراءة نقدية ومنهجية شاملة لواقع التعامل مع النص القرآني، تتجاوز حدود العرض التقليدي للقواعد والأصول المعروفة في هذا العلم، نحو مساءلة معرفية تستحضر التاريخ وتقرأ الحاضر وتستشرف الحاجة المستقبلية.

وانطلق الشيخ الدكتور في مستهل حديثه من تساؤل بدا في ظاهره بسيطًا، إلا أنه في جوهره يمس لبّ الإشكال العلمي والمنهجي في علم التفسير، وهو: لماذا نبحث أصلًا عن ضوابط التفسير وحدود التأويل، مع أن العلماء قد قرروا هذه الضوابط منذ قرون، وبسطوها في كتب التفسير وعلوم القرآن، وأحاطوا بها من مختلف الجوانب العلمية والمنهجية؟

ومن هذا السؤال التأسيسي، أوضح أن الضوابط والأصول ليست غائبة عن التراث الإسلامي، بل هي مبثوثة في كتب التفسير وعلوم القرآن، إلى درجة أنه لا يكاد يخلو تفسير من بيان المنهج الذي يسير عليه صاحبه، والأدلة التي يعتمدها، والأسس العلمية التي ينطلق منها.

غير أن هذا الحضور الكثيف للضوابط داخل بطون الكتب، لم يمنع من استمرار الإشكال، بل ربما أسهم في تعقيده؛ لأن المتلقي اليوم يجد نفسه أمام مادة علمية واسعة ومتشعبة، لكنها متفرقة وغير مجتمعة في إطار واحد يسهل الرجوع إليه واستيعابه بصورة متكاملة.

وانتقل الشيخ الدكتور من هذا التوصيف إلى جوهر الإشكال الحقيقي، موضحًا أن السؤال عن الضوابط ليس سؤال وجود، وإنما هو سؤال حاجة واستثمار، بمعنى أن المشكلة لا تكمن في غياب القواعد، وإنما في كيفية الوصول إليها وتوظيفها واستثمارها بصورة منهجية صحيحة. وهو ما يجعل الإشكال المعاصر إشكال وعي ومنهج، أكثر من كونه إشكال نصوص أو مصادر.

ثم أضاف موضحًا أن هذا السؤال يتكرر بصيغ متعددة في الواقع العلمي والطلابي، حين يُسأل الناس: أي كتب التفسير نقرأ؟ وما الذي يمكن أن يغنينا منها؟ وهنا تتجلى -كما أشار- صعوبة الإجابة؛ لأن المجيب لا بد أن يراعي اختلاف مستويات السائلين، وتفاوت قدراتهم العلمية، وتنوع مقاصدهم من القراءة والفهم والتدبر.

وفي هذا السياق، بيّن أن كثيرًا من الطلبة حين يُوجَّهون إلى بعض التفاسير، يصطدمون بحدود تفسير المفردات والغريب، دون أن يجدوا معالجة للأسئلة الكبرى أو بناءً منهجيًا متكاملًا للفهم، مما يدفعهم إلى إعادة طرح السؤال من جديد، بحثًا عن مدخل أوسع وأعمق. ومن هنا خلص إلى أن الحاجة إلى ضوابط التفسير وحدود التأويل تعود إلى سببين رئيسيين.

أولهما -كما ذكر الشيخ- أن الموجود من العلوم التفسيرية غير كافٍ من حيث كونه غير مجمع في صورة واحدة، إذ إنه مبثوث في عشرات الكتب، وموزع بين مناهج واتجاهات متعددة، ما يجعل عملية الجمع والاستيعاب مهمة شاقة تتطلب جهدًا علميًا كبيرًا. وهذا التشتت المعرفي يفرض على الباحث أن ينتقل بين مصادر متعددة، وأن يجمع بين مناهج مختلفة للوصول إلى صورة متكاملة.

ومن جهة أخرى، أوضح أن هذا التوزع المعرفي يفرض على الباحث أن يطالع عددًا كبيرًا من المؤلفات، وأن يقارن بينها، وأن يوازن بين مناهجها، ليصل في النهاية إلى تصور شامل، وهو أمر لا يتيسر لكل أحد، بل إن بعض التفاسير الجامعة نفسها قد تكون صعبة التناول لمن لم يكن متمكنًا من علوم اللغة والبلاغة وأدوات الفهم، مما يجعل الوصول إلى الفهم العميق عملية تحتاج إلى تأهيل علمي متدرج.

ثم انتقل إلى السبب الثاني، مشيرًا إلى ظهور أطروحات معاصرة في التفسير تتسم بالانحراف عن المنهج العلمي الرصين، وهي أطروحات، وإن كانت مرفوضة علميًا عند كثير من العلماء والباحثين، إلا أنها تجد من يتبناها أو يتأثر بها في بعض السياقات الفكرية. ومن هنا أكد أن هذا الواقع يستدعي إعادة التأكيد على الضوابط العلمية، ليس من باب الترف المعرفي، وإنما من باب التحصين الفكري والمنهجي.

وفي هذا الإطار، تساءل عن الدوافع التي تقف خلف هذه القراءات المنحرفة، موضحًا أن بعضها قد يكون ناتجًا عن غياب المنهج العلمي السليم، وبعضها الآخر قد يكون بدافع مقصود للإضلال أو التشويه. وبناء على ذلك، شدد على أن التعامل مع هذه الظاهرة لا يكون بنمط واحد، بل يختلف باختلاف دوافعها؛ فإن كان الخلل في المنهج أمكن الحوار والتقويم، أما إذا كان القصد الإفساد، فإن الواجب هو البيان والتحذير والتوضيح.

وبعد هذا التشخيص، أوضح أنه لن يتوسع في عرض القواعد والأصول التفصيلية؛ لأنها كما قال معروفة ومبثوثة في كتب التراث، وأن إعادة سردها لن تضيف جديدًا، بل قد تتحول إلى تكرار غير ذي جدوى. ومن هنا، اتجه إلى رسم ملامح منهج عملي يساعد على التعامل مع القرآن الكريم بصورة أكثر فاعلية ووعيًا.

وفي هذا السياق، أكد أن من يتصدى لتفسير القرآن الكريم يحتاج إلى جملة من العلوم الأساسية، وفي مقدمتها علوم اللغة العربية، موضحًا أن هذه العلوم لا تقتصر على النحو فقط، بل تشمل الصرف والبلاغة ومعاني النحو، وكل ما يتصل ببنية اللغة وأساليبها ودلالاتها. وأضاف أن المفسر يحتاج كذلك إلى علوم القرآن، مثل معرفة المكي والمدني، والناسخ والمنسوخ، وعلوم القراءات، وغيرها من العلوم التي ترتبط مباشرة بالنص القرآني.

ومن ناحية أخرى، أشار إلى أهمية علوم أصول الفقه، لما لها من دور في ضبط عملية الاستنباط، وترشيد الفهم، وتوجيه الترجيح عند التعارض. غير أنه لم يقف عند هذا الحد، بل أضاف عنصرًا مهمًا يتمثل في الموهبة أو الفراسة العلمية، التي تنشأ من كثرة النظر في كتاب الله مع صفاء القصد وحسن التوجه، بما يعين على إدراك المعاني العميقة.

ومع ذلك، أوضح أن الغاية من هذه العلوم ليست مجرد التحصيل المعرفي، وإنما الوصول إلى تذوق حلاوة القرآن الكريم، مؤكدًا أن المسلم لا يكفيه أن يؤمن بإعجاز القرآن نظريًا، بل ينبغي أن يذوق هذا الإعجاز ويشعر به ويتفاعل معه وجدانيًا وعقليًا. ومن هنا شدد على ضرورة إعادة تقديم القرآن للناس بأساليب تقربه إليهم وتكشف جماله، بدل أن تضع بينه وبينهم حواجز الفهم.

وفي ضوء ذلك، بيّن أن من أولويات العمل العلمي والتربوي هو التعريف بالمقاصد الكبرى للقرآن الكريم، موضحًا أن هذه المقاصد تدور حول التعريف بالله تعالى، وبيان الطريق الموصل إليه، وبيان أحوال السالكين ومآلاتهم. وأكد أن استحضار هذه المقاصد الكبرى يساعد القارئ على بناء فهم كلي للنص القرآني، لا يقتصر على الجزئيات المنفصلة.

ثم انتقل إلى الحديث عن مقاصد السور القرآنية، موضحًا أن لكل سورة مقصدًا عامًا تنتظم حوله موضوعاتها، وأن إدراك هذا المقصد يسهم في فهم ترابط الآيات، وفهم الانتقالات بينها، ويكشف عن وحدة البناء القرآني. ومع ذلك، أشار إلى أن هذا الجانب لم يحظ بالعناية الكافية في كثير من كتب التفسير، رغم أهميته في بناء الفهم الكلي للنص.

وعلى نحو متصل، تناول مسألة التناسب بين الآيات والسور، موضحًا أن هذا التناسب يكشف جانبًا مهمًا من إعجاز القرآن، ويظهر وحدة نسقه البنائي، ويساعد القارئ على الانتقال من القراءة الجزئية إلى التدبر الكلي. وأضاف أن كثيرًا من القراء يكتفون بمعرفة معاني المفردات، دون الانتقال إلى المعنى العام، وهو ما يعد قصورًا في منهج التلقي.

ومن ثم أكد على ضرورة بيان سبب اختيار الألفاظ والتراكيب، لما لذلك من أثر في تذوق جمال القرآن، وإدراك دقته البيانية، وفهم أسرار بلاغته. وفي الوقت نفسه، شدد على أهمية ربط القرآن بالواقع، موضحًا أن القارئ ينبغي أن يستحضر دلالات القصص القرآني في حياته اليومية، وأن يربطها بقضاياه المعاصرة.

وفي هذا السياق، أكد أن القرآن كتاب هداية قبل أن يكون كتاب معلومات، وأن هذه الهداية لا تتحقق إلا إذا تم ربط النص بالواقع ربطًا واعيًا ومنهجيًا. ولذلك، فإن هذا الربط هو من صميم التأويل الصحيح، لأنه ينقل المعنى من مستوى الفهم النظري إلى مستوى التطبيق العملي.

وبناء على ذلك، حذر من أنماط من التأويل المنحرف، منها التأويل القائم على الأهواء، والتأويل الغارق في الخرافات، والتأويل الذي يبالغ في رد كل شيء إلى الأسباب المادية، مؤكدًا أن هذه الأنماط جميعها تبعد عن الفهم الصحيح للقرآن الكريم.

ثم أكد في امتداد حديثه أن خطر التأويل لا يقف عند حدود الانحراف الفكري، بل يتجاوز ذلك إلى إحداث قطيعة بين الناس وكتاب الله تعالى، حيث إن المتلقي قد يفقد الثقة في إمكانية الفهم إذا رأى هذا التباين الحاد في الطروحات بين مغالٍ في التأويل ومفرط في النقل.

وفي هذا السياق، نبّه إلى ما يمكن تسميته بالتأويل الحداثي، الذي ينطلق من خلفيات فكرية مسبقة، ثم يحاول إخضاع النصوص لها، دون التزام بقواعد اللغة أو أصول التفسير أو الاعتماد على السنة، بل قد ينتقي من الأدلة ما يخدم رؤيته ويترك ما سواها، وهو ما قد يتسلل حتى إلى بعض الخطابات المعاصرة.

كما أشار إلى نوع آخر وهو التأويل الأسطوري، القائم على الإسرائيليات والروايات غير الموثقة، التي قد تُنقل مع التنبيه على ضعفها لكنها تبقى مؤثرة في الوعي العام، مما قد يؤدي إلى تشويه الصورة الذهنية لدى بعض المتلقين.

وفي مقابل ذلك، أشار إلى نوع ثالث يتمثل في العقلانية المفرطة، التي تحاول رد كل معاني القرآن إلى تفسيرات مادية بحتة، وإغفال الجانب الغيبي والإيماني، مما يؤدي إلى اختزال النص القرآني وإفقاده روحه.

وبناء على ذلك، أكد أن المطلوب هو التجرد من هذه المؤثرات جميعها، والعودة إلى منهج علمي رصين يجمع بين احترام النص، وفهم اللغة، واستحضار المقاصد، وربط المعاني بالواقع، في توازن دقيق بين الإفراط والتفريط.

ثم انتقل إلى جانب تطبيقي مهم، يتمثل في كيفية إعادة وصل الناس بالقرآن الكريم وصياغة علاقة حيّة ومتجددة بينهم وبين كتاب الله تعالى، موضحًا أن كثيرًا من الناس يقرؤون القرآن قراءةً منتظمة، لكنهم لا يلمسون أثره الحقيقي في سلوكهم اليومي أو في مواقفهم الحياتية، وهو ما يكشف أن الإشكال ليس في النص القرآني ذاته، وإنما في طريقة التعامل معه، وفي مستوى التلقي، وفي آليات الفهم والتدبر التي تُوظَّف عند القراءة. ومن هنا شدد على ضرورة إعادة تقديم القرآن الكريم بأسلوب علمي وتربوي يفتح آفاق التدبر، ويُخرج القارئ من دائرة التلاوة المجردة إلى فضاء التأمل الواعي، ويقرب المعاني القرآنية إلى الواقع المعاش، بحيث تصبح النصوص جزءًا من بناء الوعي اليومي للإنسان، لا مجرد محفوظات تُتلى دون أثر.

وفي هذا الإطار، أكد أهمية ربط القصص القرآني بالواقع، موضحًا أن قصص الأنبياء عليهم السلام ليست حكايات تاريخية تُروى للتسلية أو الاستئناس، وإنما هي نماذج إنسانية ومواقف تربوية متجددة، تحمل دلالات عميقة يمكن استلهامها في فهم الحاضر والتعامل مع تحدياته. وأشار إلى أن القارئ حين يتأمل هذه القصص لا ينبغي أن يقف عند حدود السرد، بل عليه أن ينتقل إلى مستوى الاستفادة من المعنى، واستحضار السنن الإلهية التي تحكم حركة الإنسان والمجتمع، بما يجعل النص القرآني حاضرًا في تشكيل الوعي وتوجيه السلوك في مختلف السياقات المعاصرة.

كما أشار إلى أن القرآن الكريم يقدم منهجًا متكاملًا في التعامل مع الفتن والشبهات، سواء كانت فكرية أو سلوكية أو اجتماعية، وأن الإنسان لا يمكن أن يواجه هذه التحديات المركبة إلا إذا كان مرتبطًا ارتباطًا حقيقيًا وعميقًا بكتاب الله تعالى، ارتباطًا يقوم على الفهم والتدبر والعمل. وأضاف أن هذا الارتباط هو الذي يمنح الإنسان القدرة على التمييز بين الحق والباطل، ويعزز لديه المناعة الفكرية والروحية، ويجعله أكثر ثباتًا في مواجهة التحولات والتحديات التي يفرضها الواقع المعاصر.

وفي سياق متصل، لفت إلى أن ضعف اللغة العربية يعد أحد أسباب القصور في فهم القرآن، مؤكدًا أن الإعراض عن اللغة والانشغال بغيرها أثرا في الملكات اللغوية، مما أضعف القدرة على التذوق البياني للنص.

ومع ذلك، أكد أن الحل لا يكمن فقط في تعلم اللغة، بل في تقديم نماذج تطبيقية تُظهر أثرها في الفهم.

وأضاف أهمية تدريب القارئ على طرح الأسئلة أثناء القراءة، مثل: لماذا اختيرت هذه الكلمة؟ ولماذا جاء هذا الأسلوب؟ وما دلالة التقديم والتأخير؟ لأن هذه الأسئلة تنقل القارئ من التلقي السلبي إلى التفاعل العلمي.

وختم بالإشارة إلى ضرورة التعامل مع القرآن على مستويات متعددة تبدأ بفهم المفردات، ثم التراكيب، ثم السياق، ثم المقاصد، ثم الربط بالواقع، مؤكدًا أن هذا التدرج هو الطريق إلى بناء فهم قرآني متكامل وعميق.

وبذلك، قدمت الكلمة رؤية علمية متكاملة تعيد طرح سؤال التفسير والتأويل في ضوء الواقع المعاصر، وتؤكد أن التعامل مع القرآن الكريم ليس مجرد ممارسة معرفية، بل هو مشروع وعي متكامل يجمع بين العلم والمنهج والبصيرة والواقع.