الحـرب عـلى إيـران: الـورطـة والـتّـوريـط

08 أبريل 2026
08 أبريل 2026

سـعـت إدارة دونـالـد تـرامـب - وتـسـعـى عـلى نـحـوٍ مـحـمـوم - إلـى تـوريـط دول أوروبـا فـي حـربـهـا الـتـي تـخـوضـهـا مـع الـكـيـان الـصّـهـيـونـي ضـد إيـران وحـلـفـائـهـا فـي الـمـنـطـقـة. هـو السعـي عـيـنه الـذي جـربـتهُ إدارتـه طـوال فـتـرة الحـرب المـسـتـمّـرة؛ مـن أجـل اسـتـدراج دول الـخـلـيـج الـعـربـي إلـى الـتّـورُّط فـيـهـا. مـن حـسـن الحـظّ أنّ مـسـعـاهـا خـاب فـي الحـالـتـيـن؛ فـلـم تـجـد مَـن يـسـقـط فـي حـبـائـل مـزاعـمـهـا الـتي لا تـنـتـهـي فـي كـل حـرب اعـتـزمـتهـا وخـطّـطـت لهـا وحـشـدت لـهـا الـدعـم.

هـذه الخـيـبـة هـي مـا يـفـسّـر حـمـلـة تـرامـب اللفـظـيـة عـلى دول أوروبـا وقـادتـهـا ومـجاوزتَـه فـيـهـا حـدودَ الـمـألـوف والـمـعـتـاد فـي قـواعـد الـمخـاطـبـة السيـاسـية بـيـن الـدول، فـكـيـف بـيـن الحـلـفـاء؟!

وقـد راوحـت حـمـلـته الـنـقـدية والـتّـشـنـيـعـية عـلـيـهـا بـيـن تـعـيـيـنـهـا بـأعـيـانـهـا، أي مـن حـيـث هـي دول أوروبـا، وبـيـن تـعـيـيـنـهـا بـاسم حـلـفـهـا الـذي تـأتـلـف فـيـه: «حـلـف شـمـال الأطـلـسـي».

مـا كـانـت أزمـة مـضـيـق هـرمـز (وهـو الـذي يـقـع فـي المـيـاه الإقـلـيـمـيّـة لإيـرانَ وسـلـطـنـة عـمـان) والـتّـحـريـض الأمـريـكـي عـلى وجـوب الـسـيـطـرة عـلـيـه و«فـتْـحِـه» أول مـنـاسـبـة تـدعـو فـيـهـا إدارةُ تـرامـپ دولَ أوروبـا والـنّـاتـو إلـى مـسـاعـدتـهـا بـإرسـال قـوات ونـشـرهـا فـي الـمـنـطـقـة تـحـت قـيـادتـهـا لـذلك الـغـرض المـعـلَـن، بـل سـبـقـت ذلك دعوات مـنـهـا إلـى أوروبـا والـناتـو بـوضـع قـواعـدهـا ومـتـاحـاتـهـا اللّـوجـيـسـتـيـة والاسـتـخـبـاريـة فـي خـدمـة مشـروعـهـا الحـربـي، وبـتـمـكـيـن «إسـرائـيـل» مـن وسـائـل الـدفـاع الجـوي ومـنـظـومـاتـه مـن الـضـربـات الـصـاروخـية الإيـرانـيـة. وكـلـمـا أدركـت أمـريـكـا مـقـدار تـورطـهـا فـي مـسـتـنـقـعِ حـرب قـدرت لـهـا أربـعـةَ أيام زمـنـاً (فـامـتـدّت أسـابـيـع!)، وكـلّـمـا تَـحـسّـبـت لِـمَـا سـتولِّـده حـربـهـا الـفـاشـلـة مـن كـبـيـرِ الـنتـائـج والـتّـبـعـات عـلى الـداخـل الأمـريـكـي وعـلـى مـشـارف انـتـخـابـات الكـونـغـرس الـنصـفــة زاد - بـالـتّـبِـعـةِ - ضـغـطُـهـا عـلى أوروبـا والـنّـاتـو وشـتـائـم رئـيـسـهـا الـنابـيـة ضـدّ قـادتهـا، ولـكـن مـن غـيـر فـائـدة تـذكَــر أو تُـغْـنَـم.

يـكـاد الأوروبـيّـون - دُولاً مـنـفـردة أو فـي الـنّـاتـو - أن يـجـتـمعـوا عـلى إجـابـة مـنـاشـدات تـرامـب وشـتـائـمـه جـوابـاً واحـداً: هـذه الحـرب لـيـسـت حـربـنـا. يـسـمـع سـاكـن البـيـت الأبـيـض هـذا الجـواب يـتـردّد فـي الآفـاق صـادراً مـن أقـرب أقـرب أصـدقـاء أمـريـكـا - أو أتـبـاعـهـا لا فـرق - مـثـل الـبـريـطانـييـن والألمـان والـفـرنسيـيـن. أمّـا إذا نَـفَـل مـنـهـم مَـن نَـفَـل فـي القـول مـن بـاب الإبـانـةِ عـن واعـزِ الإحـجـام عـن الـنُّـصـرة فـيـكـتـفـي بـتـذكـيـر مـن يـدعـوه إلـى خـوض غـمـار الحـرب مـعـه بـأنّـه مـا اسـتـشـاره أو أَخَـذ رأيـه فـيـهـا حـيـن قـرّرهـا وأطـلـقـهـا حـتّى يـطـلـب مـنـه الشّـراكـةَ فـيـهـا بـعـد إذ ضـارت أمـراً واقـعـاً، واسـتـعـصـى شـأنُـهـا عـلى مَـن رغِـب فـيـهـا.

ومـا كـان يـنـقُـص الأوروبـيـيـن ذكـاء لـيـدركـوا أنّـهـم مـا دُعـوا إلـى الحـرب، وطُـلِـبَ عـونُـهـم فـيـهـا إلاّ لأنّـه سُـقِـط فـي أيـدي أمـريـكـا ورضـيـعـتِـهـا أمـام صـمـود إيـران وتـمـاسـكـهـا. وأنّـه لـو كـان يـسـع أمـريـكـا وحـلـيـفـتهـا حـسـم الحـرب لـصـالـحـهـمـا ضـد إيـران لَـمَـا احـتـيـج إلـى العـون الأوروبـي والأطـلـسـي، ولَـمَـا مُـنـح غـيـرهـمـا «شـرفَ الـنّـصـر» عـلى إيـرانَ وحـلـفـائِـهـا ومـقـاسـمـةَ إدارة عـلى رأسـهـا رجـل مـصـاب بـالـعُـجْـب أقـسـاطَ ذلـك الـنّـصـر!

حـيـن يـقـول الأوروبـيون والـكـنـديـون: إنّ الحـرب لـيـسـت حـربَـهـم لـكـي يـشـاركـوا فـيـهـا، يـصـفـعـون إدارة تـرامـب مـن غـيـر شـكٍّ؛ لأنّـهـم يـخـذلـونـهـا بـقـولـهـم حـقـيـقـةً تـعْـلـمُـهـا عـلـمَ الـيـقـيـن.

لـكـنّـهـم مـع ذلـك لا يـقـولـون الحـقـيـقـة كـلَّـهـا، بـل يـقـولـون نـصـفهـا، ويـسـكـتـون عـلى نـصـفـهـا الـثـانـي. عـلى أنّ نـصـفـهـا الـثـانـي لـيـس نـصـفـاً عـلى الحـقـيـقـة، وإنّـمـا هـو الحـقـيـقـة جـمـلـةً: الحـقـيـقـة الـتـي مـا لـبـثـت أن بـدتْ نـصـفَ حـقـيـقـة لـمـجـرد أن الـقـوى الأطـلـسـيـة جـاهـرت بـالـقـول: إنّـهـا لـيـسـت حـربهـا مـن غـيـر أن تـعـيِّـن عـلى وجـه الـدّقّـة والـتـسـمـيـة حـربَ مَـن تـكـون هـي تـلك الحـرب. ولـو قـال الصّـيـنـيون والـروس والـهـنـود والـيـابـانـيون والبـرازيـلـيون: إنّ الحـربَ إيّـاهـا ليـسـت حـربـهـم وتـوقّـفـوا لَـقـالـوا - مـثـل الأوروبيـيـن- نـصـف الحـقـيـقـة؛ إذِ الحـقـيـقـة الـتي لا مِـرْيـة فـيـهـا ولا غـربـال يـحـجُـبـهـا، ومـا أخـفـاهـا أمـريـكـيون كـثـر شـجـعـان عـن الـرّأي العـام هـي أن الحـربَ عـلى إيـران حـرب إسـرائـيـلـيـة بـالـتـعـريـف خـاضـتـهـا إدارة تـرامـب مـع الـكـيـان الصّـهـيـونـي: مـن أجـلـه، وبـجـدولِ أعـمـالٍ وأهـداف وضَـعـهـا الـنـظـام الصـهـيـونـي لا غـيـره!

لا نـبـغـي الـقـول: إنـه مـا مـن أهـداف خـاصـة لأمـريـكـا فـي هـذه الحـرب (وإنْ كـانـت حـمـايـة الـكـيـان الصـهـيـونـي فـي جـمـلـة أهـدافـهـا الخـاصـة الـثابـتـة)؛ فـلـقـد يـكـون تـرامـب أراد بـهـا اسـتـكـمـال مـا بـدأه مـن تـدمـيـر الـمـنـشـآت الـنـوويـة بـعـد إذ تـبـين لـه أن بـرنـامـج إيـران الـنـووي - وقـد قـال عـنـه: إنّـه انـتـهـى تـحـت الأنـقـاض - لـم يـتـعـطـل بـالضربـات العـسـكـريـة، وقـد يـكـون أراد بـهـذه الحـرب الانـتـقـام مـن إرادة إيـران الصـلـبـة فـي ردّ مـطـالـب الـبـيـت الأبـيـض عـنـهـا بـتـمـسّـك مـفـاوضـيـهـا بـحقـوقـهـا الـعـلـمـيـة ومـكـتـسـبـاتـهـا. وقـد يـكـون أقـدمَ عـلـيـهـا مـدفـوعـاً بـمـعـلومـات خـاطـئـة أو بـحـسـابـات مـنـه غـيـر مـدروسـة، لـكـنّ الأمـريـكـي مـن تـلـك الأهـداف مـا كـان مـقـنـعـاً لـدى الـمـجـتـمـع السّـيـاسـي الأمـريـكـي والكـونـغـرس وحـتى لـدى قـيـادة الأركـان فـي الـبـنـتـاجـون، ولا كـان يـبـرر كـلّ ذلـك الـنـزيـف الـمـالي والعـسـكـريّ (= العـتـاد والـذخـائـر والـقـواعـد والجـنـود) الـذي أصـاب مـالـيـة أمـريـكـا مـن إنـفـاق مـئـات مـلايـيـن الـدولارات عـلى الحـرب، ولا كـان يـبرر كـل ذلـك الـنـزيـف السـيـاسـي الـذي نـال مـن صـورة أمـريـكـا وسـمـعـتـهـا مـن وراء الانـسـيـاق إلـى عـدوان خـاسـرِ الأهـداف كـان يـمـكـن قـطـعـاً تـجـنـبه وتـفـادي تـبـعـاتِـه عـلى الأمـريـكـيـين وعـلى الـعـالـم!

لا أحـد فـي الـعـالـم ورّط إدارة تـرامـب فـي هـذه الحـرب سـوى «إسـرائـيـل» وأوهـام الـقـوة والـتـفـوق الـتي تسـكـن رأس الـرئـيـس الأمـريـكـيّ؛ لذلـك لـيـس لـه أن يـعـاتـب أحـداً عـلى خـذلانـه ورفْـضِ تـقـديـم الـسخـرة لـه؛ فـلـقـد نـصـحـه الـعـقـلاء جـمـيـعـاً بـالسـعـي فـي الـتـفـاوض، واجـتـنـاب حـرب سـتحـتـرق بـنـيـرانـهـا دول الـعـالـم كـافّـة، وتـرجـاه حـلـفـاؤه الأوروبـيـون والآسـيـويون والـعـرب بـأن يـلـتـزم الـطّـريـق الـدبـلـومـاسـي لـحـل مـعـضـلـة أمـريـكـا مـع إيـران.

إن ورطـتـه فـي الحـرب عـلى إيـران لا يـكـون عـلاجـهـا بـتـوريـط غـيـره فـي تـلك الحـرب؛ ذلـك أنّ أحـداً مـن هـؤلاء الـذيـن رفـضـوا أن يـتـورّطـوا فـيـهـا لـم يـفـعـل سـوى أنـه ظـل مـتـمـسـكـاً بـمـا قـالـه لـتـلك الإدارة قـبـل أن تركَـب رأسـهـا: لا خـيـار أسْـلـم وأوْفـق مـن خـيـار الحـل السـيـاسـي الـتـفـاوُضـي، ولـكـن عـلى من تـقـرأ زبـورك يـا داود؟!