الخليج بين الحرب والإنسان
29 مارس 2026
29 مارس 2026
في الحرب الدائرة حاليًّا بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية، وجدَت دول الخليج نفسها في مأزق حرج، وسط زلزال سياسي وأمني واقتصادي ضرب عمق الخليج، ووضع مواطنيه أمام قضايا مقلقة: كيف يعيشون وسط هذا الاضطراب؟ وكيف يحافظون على أمنهم واستقرارهم؟
وإذا كانت هذه الحرب قد سببت فوضى سياسية وعسكريّة، فقد تسببت أيضًا في فوضى أخرى ساحتُها منصّات التواصل الاجتماعي، فبتنا نقرأ تغريدات تكشف عن انقسام واضح في المواقف الخليجية، وهي - أي التغريدات - انعكاسٌ واضحٌ لسياسات الحكومات الخليجية نفسها؛ فبعض الدول ترى أنّ استمرار الحرب يهدِّد استقرارها الاقتصادي والأمني، وتدعو إلى تسوية سياسية عاجلة، بينما تعتبر دولٌ أخرى إضعاف إيران أو إسقاطها ضرورة استراتيجية. وفي الحالتين، تبقى البنية التحتية للطاقة في الخليج والموانئ والممرات البحرية، أهدافًا مباشرة، ممّا يضع اقتصاد دول المنطقة، بل الاقتصاد العالمي ككل، تحت ضغط غير مسبوق، ويجعل المواطن الخليجي في قلق دائم على أمنه ومستقبله. لقد قدّمَت هذه الحرب دروسًا مجانية لدول المنطقة. وأظن أنّ كلَّ درس يحتاج إلى كتاب مستقل، ولكن هل هناك من يتعلم الدرس؟
من المؤكد أنّ الحرب قوّضت ثقة المواطنين الخليجيين في المظلة الأمريكية، وباتوا يدركون أنّ الاعتماد على واشنطن وحدها لم يعد كافيًّا، خاصةً مع تعرضها لهجمات مكثفة، فلم تفد القواعد الأمريكية هذه الدول في شيء، بل اكتشف الناس حقيقة معروفة، أنّ هذه القواعد - التي استنزفت من الخليج مليارات من الدولارات - لم تكن إلا لحماية الكيان الإسرائيلي من الصواريخ الإيرانية، ولم تنجح هذه القواعد في صد الطائرات المسيّرة الذكية، والصواريخ الموجهة، والهجمات السيبرانية التي أصبحت جزءًا من المعركة.
كانت كريستيان أمانبور مذيعة قناة ال CNN الشهيرة، صريحة في سؤالها للأمير تركي بن فيصل الرئيس الأسبق لجهاز الاستخبارات السعودي، حول القواعد الأمريكية في المنطقة، بعد الهجوم الذي طال بعضها: «هل تشعرون الآن أنكم محميون؟ وهل استضافة القواعد الأمريكية خيارٌ مستدام على المدى الطويل بعد الآن؟ هل يمكنكم الوثوق بأمريكا وموقفها الدفاعي تجاهكم؟». والإجابة عن هذا السؤال تجلت في وسائل التواصل الاجتماعي، ففي الكويت طرح المواطنون «هاشتاج» زاره أكثر من مليون مشاهد - لحظة كتابة هذا المقال - يقول عنوانه: «36 سنة كنا نعتقد أنّ القواعد الأمريكية تحمينا. وفي أول حرب اكتشفنا أننا نحن [الذين] نحميهم»، وركّز المغرّدون على أنّ هذه القواعد وُجدت أصلًا لحماية الكيان الصهيوني وليست لحماية مواطني الخليج.
وفي الحقيقة يحق للمواطن الخليجي أن يقلق على مستقبله ومستقبل الأجيال المقبلة، فهو يعيش حالة من التوتر المستمر، مع شعور بأنّ المدن والمنشآت الحيوية قد تكون أهدافًا محتملة، ممّا قد يعيد المنطقة إلى الخلف أكثر من خمسين عامًا، إذا قُصفت محطات الطاقة وتحلية المياه، وهوجمت البنوك وغيرها من المواقع التي تعتمد على الخدمات الإلكترونية، وهذا يضع المواطن الخليجي أمام تحديات جديدة في حياته اليومية، من الاتصالات إلى المعاملات المالية وغيرها.
لا أحد يعلم إلا الله إلى متى ستستمر الحرب؛ فتصريحاتُ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب متناقضة، وكأنه يُحَرَّك بأوامر من تل أبيب، ولكن استمرارها يعني استنزافًا اقتصاديًّا عالميًّا، وارتفاعًا في الأسعار، ومزيدًا من قلق أبناء المنطقة، خاصة أن الحديث عن الغزو البري أخذ يكثر في الآونة الأخيرة. والمواطن الخليجي هو من يدفع الثمن المباشر في أمنه واقتصاده، وفي استقراره النفسي والاجتماعي.
مما يؤسف له، أنّ الحرب الحالية كشفت هشاشة البنية الأمنية والسياسية لدول المنطقة، وأظهرت أنّ الثروة النفطية وحدها لا تكفي، وأنّ الاعتماد على الحماية الخارجية يترك فراغًا استراتيجيًّا خطيرًا، فالمطاراتُ والمصافي والموانئ بدت مكشوفة أمام الصواريخ والمسيّرات، والدفاعات الجوية «المتطورة» لم تُثبت قدرتها على حماية البنية التحتية الحيوية. هذه الهشاشة الأمنية ترافقت مع حقيقة أنّ الاتفاقيات الدفاعية بين دول مجلس التعاون بقيت مجرد حبر على ورق، مثل مشروع القوة المشتركة، الذي لم يتجاوز الطرح النظري، رغم أنّ السلطان قابوس - رحمه الله - كان قد نبّه مبكرًا إلى ضرورة إنشاء جيش خليجي موحد، لكن الفكرة رفضت، فبقيت المنطقة بلا مظلة دفاعية حقيقية. ويكشف ذلك الرفض التاريخي أنّ هشاشة الأمن الخليجي ليست وليدة اللحظة، بل نتيجة خيارات سياسية متراكمة.
لم تكن المنظومة الدفاعية فقط التي ظهرت ضعيفة؛ فالاقتصاد بدوره كان هشًا أمام التهديدات، إذ إن مجرد الحديث عن إغلاق مضيق هرمز هزّ الأسواق. وهذا يدل على أنّ اقتصادات الخليج ما زالت أسيرة النفط، رغم أنّ العالم يتجه إلى تنويع مصادر الطاقة. والمفارقة أنّ دول الخليج تنفق مليارات الدولارات على التسليح، لكنها لم تستثمر بالقدر نفسه في تنويع الاقتصاد أو بناء منظومات دفاعية فعالة، ما يجعلها غنية بالمال فقيرة بالقوة.
غير أنّ النقطة الأكثر أهمية في هذا السياق هي أنّ دول الخليج انساقت خلف الاتهامات الأمريكية لإيران، واعتبرتها عدوًا دون أن تطرح مشروعًا خاصًّا بها. وكثيرًا ما كنتُ أردِّد أنه إذا كان لإيران مشروع إقليمي واضح، فإنّ السؤال الذي يجب أن يُطرح بجرأة: أين هو مشروع دول الخليج؟ هل يكفي أن تكون مجرد تابع لسياسات الآخرين؟ المؤلم أنّ بعض المواقف العدائية تجاه إيران تنطلق من منطلقات مذهبية ضيّقة، لا من رؤية استراتيجية عقلانية، وهو ما يضعف الموقف الخليجي ويحوّله إلى رد فعل لا إلى فعل حقيقي. والسياسة التي تُبنى على الاصطفافات المذهبية لا يمكن أن تنتج مشروعًا وطنيًّا أو إقليميًّا متماسكًا، بل تقدّم مزيدًا من الدمار والتشرذم، والأمر الآن أكثر وضوحًا.
من الدروس المهمة في الحرب الحالية، أنّ المجتمع نفسه يعاني من هشاشة داخلية؛ فقلةُ عدد السكان والاعتماد الكبير على العمالة الوافدة يفتح الباب أمام اختراقات اجتماعية وسياسية، ويجعل الهوية الوطنية بحاجة إلى تعزيز كي لا تبقى المجتمعاتُ الخليجية عرضة للضغوط الخارجية والداخلية، وخيرُ دليل على خطورة الاعتماد غير المنضبط على العمالة الوافدة، اكتشاف أكثر من شبكة تجسس في أكثر من دولة، تتبع للموساد الإسرائيلي، من قِبَل بعض هذه العمالة. وهذا يقودنا إلى أهمية الاستثمار في الإنسان الخليجي، عبر التعليم والمشاركة السياسية والتجنيد الوطني، وهو أساس أيِّ مشروع مستقبلي، وإلا ستظل هذه الدول عاجزة عن تحويل ثرواتها إلى قوة حقيقية. ولعل التاريخ يعيد نفسه، فمنذ غزو العراق للكويت عام 1990 وحتى هجمات الحوثيين على السعودية والإمارات، ظلّ الخليج يواجه التهديدات بذات الهشاشة، وكأنّ الدروس لم تُستوعب.
وإذا كنا نتفق على أنّ هذه الحرب هي جرس إنذار استراتيجي، إذ كشفت أنّ الخليج بلا مشروع واضح، - كما أشرنا -، وأنه يواجه تحديات أمنية واقتصادية وسياسية واجتماعية لا يمكن تجاهلها، فإنّ الواجب على دول الخليج الآن أن تعيد تعريف أمنها الجماعي، وتبني رؤية مشتركة للمستقبل، قوامها التنسيق السياسي، والتنويع الاقتصادي، وتعزيز مناعة المجتمعات داخليًّا. بهذا وحده ستكون محصنة ضد أيِّ عدو.
زاهر بن حارث المحروقي كاتب عُماني مهتم بالشأن السياسي الإقليمي.
