الذكاء الاصطناعي الأخلاقي: منهجية تقييم الجاهزية بسلطنة عمان

29 مارس 2026
29 مارس 2026

أُعلن في مسقط بتاريخ 15 فبراير 2026م عن نتائج تقييم جاهزية سلطنة عُمان لحوكمة الذّكاء الاصطناعيّ الأخلاقية القائمة على حقوق الإنسان؛ استنادًا إلى تطبيق منهجية تقييم الجاهزية للذّكاء الاصطناعيّ(RAM)، وذلك لاعتماد المنهجية مرجعيةً وطنيةً لحوكمة الذّكاء الاصطناعيّ في سلطنة عُمان في خطوة تعكس الانتقال من مرحلة التخطيط الرقمي إلى مرحلة القياس المؤسسي المنهجي. ويقصد بـ ـ(RAM)Readiness Assessment Methodology أي منهجية تقييم الجاهزية، وهي المنهجية التي طورتها اليونسكو لمساعدة الدول على قياس مدى جاهزيتها لتطبيق توصية أخلاقيات الذّكاء الاصطناعيّ عبر تقييم الأبعاد القانونية والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والتقنية، ويُعد تقرير (RAM) أداة دولية تستند إلى توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذّكاء الاصطناعيّ لعام 2021 لقياس جاهزية الدول.

وقد أُطلقت منهجية تقييم الجاهزية (RAM) رسميًا في ديسمبر 2022 خلال المنتدى العالمي لأخلاقيات الذّكاء الاصطناعيّ في براغ، فيما تشير نتائج التقرير إلى أنّ سلطنة عُمان تمتلك أساسًا مؤسسيًا وتشريعيًا مُتقدمًا يؤهلها لترسيخ نموذج وطني للذّكاء الاصطناعيّ الأخلاقي منسجمًا مع «رؤية عُمان 2040» ومسارات الاقتصاد القائم على المعرفة.

وتستند منهجية تقييم الجاهزية (RAM) إلى توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذّكاء الاصطناعيّ (2021) التي تُعرّف هذه الأخلاقيات بأنها منظومة قيم ومبادئ تضمن أن يكون تطوير واستخدام التقنيات الذكية متمركزًا حول الإنسان قائمًا على الحقوق والعدل والشفافية والمسؤولية والتنمية المستدامة. ولا ينظر التقرير إلى الذّكاء الاصطناعيّ بوصفه مشروعًا تقنيًا فحسب، بل مشروعًا وطنيًا شاملًا يعزز الحوكمة الرشيدة، ويحمي الكرامة الإنسانية، ويقوي الثقة المجتمعية.

ومن هذا المنطلق يؤكد تقرير(RAM) أنّ الجاهزية ليست حالة ثابتة، بل مسارًا ديناميكيًا يواكب المتغيرات، ويتطلب تحديثًا مستمرًا للأطر التنظيمية والتشريعية، وبناء قدرات الأفراد والمؤسسات.

ويبرز ذلك في سلطنة عُمان من خلال مواءمة سياسات الذّكاء الاصطناعيّ مع إطار توصيات اليونسكو بما يضمن أن يكون الإنسان في مركز التطوير والاستخدام. ويتمثل أحد أبرز الممكنات في تبني حوكمة تشمل تشريعات وسياسات واستراتيجيات وأطر إرشادية وتنظيمية. فوجود قانون حماية البيانات الشخصية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (6/2022) يمكن أن يشكل إطارًا تشريعيًا جزئيًا وداعمًا لحوكمة الذّكاء الاصطناعيّ من حيث تنظيمه لمعالجة البيانات، وإقراره لمبادئ الشفافية والمساءلة وفرضه لضوابط على البيانات، إلا أنه لا يمثل إطارًا تشريعيًا متكاملًا لحوكمة الذّكاء الاصطناعيّ بالمعنى الواسع؛ لعدم تناوله الجوانب الخوارزمية والتنظيمية الخاصة بأنظمة الذّكاء الاصطناعيّ ذاتها. كما أن تشكيل لجنة وطنية لخبراء الذّكاء الاصطناعيّ يعزز البُعد المؤسسي، ويضمن إشرافًا متعدد التخصصات على مسار التطوير. ولا تقتصر الجاهزية على الإطار التشريعي والتنظيمي فحسب، بل تمتد إلى البنية الرقمية ورأس المال البشري؛ فقد سجلت سلطنة عُمان أداءً مرتفعًا في مؤشر البيانات المفتوحة(ODIN=84)، ما يدل على مستوى متقدم من الشفافية وإتاحة البيانات. كما أن نسبة استخدام الإنترنت تصل إلى 95%، وهو ما يوفر بيئة ملائمة لتبني التطبيقات الذكية على نطاق وطني. ويمثل تطوير النموذج اللغوي العُماني (مُعين) مؤشرًا على توجه نحو تعزيز السيادة الرقمية، وبناء حلول محلية تستجيب للهوية اللغوية والثقافية. فدعم المحتوى العربي وتطوير نماذج لغوية محلية يسهمان في تقليص الفجوة الرقمية، ويعززان قدرة الدولة على التحكم في بنيتها المعرفية والبيانية.

يؤكد هذا التوجه أنّ الذّكاء الاصطناعيّ ليس مجرد استيراد للتقنيات، بل بناء قدرات داخلية مستدامة. ومع ذلك فإن تقرير (RAM) لا يُعد شهادة اكتمال بقدر ما هو خارطة طريق؛ فالمنهجية تشير إلى ضرورة مواصلة تطوير آليات المساءلة، وتعزيز تقييم الأثر الأخلاقي والبيئي للتطبيقات الذّكية، وقياس العائد الاقتصادي للذّكاء الاصطناعيّ بصورة منهجية. كما أنّ التحديات المرتبطة بالأمن السيبراني، وحماية الخصوصية وضمان الشفافية في اتخاذ القرارات المؤتمتة تظل محاور مستمرة في أي مشروع وطني للذّكاء الاصطناعيّ.

في السياق الدولي يتضح تباينٌ في الأطر التنظيمية والتشريعية في ظل غياب إطار تشريعي موحد على المستوى العالمي. وعلى الرغم من التقدم المتسارع في تطوير أدوات الذّكاء الاصطناعيّ على مستوى العالم، فإنه لا توجد حتى الآن تشريعات قانونية شاملة ومتكاملة تنظم الذّكاء الاصطناعيّ بإطار موحد باستثناء قانون الاتحاد الأوروبي للذّكاء الاصطناعيّ. وتأتي الولايات المتحدة في المقدمة من حيث الابتكار والاستثمار والريادة في مجال الذّكاء الاصطناعيّ، تليها الصين باعتبارها قوة رئيسة في البحث والتطوير وتطبيقات الذّكاء الاصطناعيّ.

ومع ذلك يعتمد التنظيم في هاتين الدولتين على أطر قطاعية ومبادئ إرشادية وتوجيهات تنفيذية وسياسات تنظيمية بدلًا من تشريع يحوكم الذّكاء الاصطناعيّ. ويعكس هذا التوجه أولوية دعم الابتكار وتسريع التطوير التقني مع ترك مساحة للمرونة التنظيمية بدلًا من التقنين. وتبرز الحاجة في ظل غياب إطار تشريعي دولي موحد لحوكمة الذّكاء الاصطناعيّ إلى إنشاء منظمة دولية تُعنى بالذّكاء الاصطناعيّ تحت مظلة الأمم المتحدة تتولى توحيد المعايير، وتعزيز التنسيق بين الدول مثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية في الإشراف على الاستخدام السلمي للطاقة النووية، والاتحاد الدولي للاتصالات في تنظيم قطاع الاتصالات عالميًا. ومن شأن كيان مماثل أن يعزز الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذّكاء الاصطناعيّ، ويضمن ترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة على المستوى الدولي.

ويعزز هذا التوجه ما أعلنه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بشأن أهمية تعزيز الحوكمة الدولية للذّكاء الاصطناعيّ؛ حيث أعلن خلال قمة تأثير الذّكاء الاصطناعيّ في نيودلهي عن تعيين أربعين عضوًا في مجموعة أُطلق عليها الفريق العلمي الدولي المستقل المعني بالذّكاء الاصطناعيّ. ويؤكد هذا التوجه الحاجة إلى تطوير إطار مؤسسي دولي أكثر شمولًا، يمكن أن يؤدي إلى إنشاء منظمة دولية تُعنى بالذّكاء الاصطناعيّ تحت مظلة الأمم المتحدة بما يعزز التنسيق العالمي، ويكرّس الحوكمة المرتكزة على الإنسان والقيم.

وبينما تتسع استخدامات الذّكاء الاصطناعيّ في مختلف المجالات يبقى الوعي المجتمعي خط الدفاع الأول لضمان توظيف هذه الأدوات في إطار القيم والآداب العامة، لا سيما فيما يتعلق بحماية الناشئة. فالتجارب والممارسات الدولية تؤكد أن التشريعات والأطر التنظيمية والسياسات وحدها لا تكفي، بل يتطلب الأمر تكاملًا بين التنظيم والتقنية ودور الأسرة والمؤسسات التعليمية، وتضافر الجهود المؤسسية والمجتمعية لضمان استخدام مسؤول ومستدام ينسجم مع القيم والأخلاق العامة.

في المحصلة يعكس تقرير (RAM) لليونسكو أن سلطنة عُمان تمتلك قاعدة متقدمة للانتقال من مرحلة الجاهزية إلى مرحلة الريادة الأخلاقية.

فالدمج بين التشريع والبنية الرقمية، وبناء القدرات والرؤية الاستراتيجية طويلة المدى يضع سلطنة عُمان ضمن مسار متوازن يجمع بين الابتكار والمسؤولية. غير أن النجاح لا يتوقف عند إعلان النتائج، بل يبدأ من كيفية تحويل هذه الرؤية إلى ممارسة يومية تُترجم القيم إلى قرارات وسياسات وأدوات ملموسة.

وبينما يشهد العالم سباقًا متسارعًا في تقنيات الذّكاء الاصطناعيّ تبقى التجربة العُمانية أمام اختبار: أن تجعل من الأخلاقيات إطارًا يواكب التطور، ويضمن أن يظل الإنسان في جوهر التحول الرقمي، لا على هامشه.

عارف الفزاري باحث في المعرفة