فرصة جديدة لإصلاح منظمة التجارة العالمية
29 مارس 2026
29 مارس 2026
ماري إلكا بانجيستو / دانيال إستي
حتى قبل أن يقلب الرئيس الأمريكي دونالد ترَمب نظام التجارة العالمي رأسا على عقب باستخدام الرسوم الجمركية كسلاح لإجبار قادة آخرين على الانصياع لإرادته، كانت منظمة التجارة العالمية تكافح من أجل الحفاظ على أهميتها وفعاليتها.
وفي خضم اشتداد المنافسة بين القوى العظمى والخلافات العميقة حول قواعد التجارة وأولوياتها، وجدت الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية (166 دولة) نفسها مقيدة بالتزام صارم باتخاذ القرارات بتوافق الآراء (وهو ما يعني في الممارسة العملية الإجماع التام).
لم تسفر جولة الدوحة من المفاوضات التجارية المتعددة الأطراف التي بُـشِّرَ بها كثيرا، والتي أطلقتها منظمة التجارة العالمية في عام 2001، عن أي اتفاق، على الرغم من أكثر من عقد من الزمن من العمل. على نحو مماثل، توقفت معظم المفاوضات المتعددة الأطراف في السنوات الأخيرة (باستثناء ملحوظ يتمثل في اتفاق عام 2022 بشأن إعانات دعم مصائد الأسماك). نتيجة لهذا، ظلت قضايا عالمية رئيسية مثل الأمن الغذائي، وإعانات دعم الزراعة، وفجوات التفاوت، وتأثير التجارة على العمال، والتعاون في مجال الصحة العامة، وتغير المناخ دون علاج.
لكن نظام التجارة الدولية أكثر أهمية من أن يُـعَطَّل ويُهجَر. بالتعاون مع خبراء بارزين آخرين من مختلف أنحاء العالم، اقترحنا مسارا لإعادة تشكيل التجارة لتتناسب مع العصر الحديث. حتى في وقت حيث تخضع التعددية لضغوط متزايدة، تظل فرص الإصلاح البَنّاء قائمة.
كخطوة أولى، ينبغي لوزراء التجارة المشاركين في المؤتمر الوزاري الرابع عشر لمنظمة التجارة العالمية في ياوندي بالكاميرون هذا الأسبوع أن يعملوا على إعادة تكريس النظام التجاري للتركيز الشامل على التنمية المستدامة، على النحو المنصوص عليه في الوثيقة التأسيسية لمنظمة التجارة العالمية، اتفاقية مراكش لعام 1994.
يعكس هذا التركيز الدور الذي اضطلعت به التجارة كمحرك للازدهار العالمي طوال حقبة ما بعد الحرب. مع ارتفاع حجم التجارة الدولية من حوالي 60 مليار دولار في عام 1950 إلى 35 تريليون دولار اليوم، ارتفع متوسط نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي في مختلف أنحاء العالم من حوالي 4600 دولار إلى أكثر من 21 ألف دولار، بالقيمة الثابتة للدولار. لكن فوائد النمو هذه لم تصل إلى كل الناس.
الواقع أن منظمة التجارة العالمية قادرة، بعد إعادة تنشيطها، على تغيير هذه الحال. إن صياغة قواعد تجارية أكثر تركيزا على الإنسان وتوجها نحو الاستدامة من الممكن أن تساعد في خلق فرص العمل والحد من الفقر من خلال دعم اندماج الاقتصادات الناشئة في العالم. علاوة على ذلك، من الممكن أن تساعد العمليات والأولويات المحدثة في تسريع انتشار ابتكارات جديدة في التصدي لتهديدات مشتركة مثل الجوائح الـمَرَضية، وتساعد على ضمان تقاسم فوائد الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي الناشئ على نطاق واسع.
ترمب ليس مخطئا في انتقاده لكيفية عمل النظام التجاري حاليا؛ لكن التعاون العالمي الذي صُـمِّـم النظام لتمكينه مطلوب الآن أكثر من أي وقت مضى: إذ يشكل تغير المناخ، وخسارة التنوع البيولوجي، واستنزاف الموارد، والارتباكات التكنولوجية تحديات عابرة للحدود الوطنية لا تستطيع أي دولة أن تتصدى لها بنجاح بمفردها.
بدلا من التخلي عن النظام بالكامل، يجب أن نستغل «الانفصال» الجاري في النظام العالمي، على حد تعبير رئيس الوزراء الكندي مارك كارني مؤخرا، لإصلاح كيفية بناء النظام.
لدفع عجلة هذه العملية، يتعين على الوزراء المجتمعين في ياوندي ألا يكتفوا بإعادة تأكيد المبادئ الأساسية التي تقوم عليها منظمة التجارة العالمية، بل يجب عليهم أيضا أن يعكفوا على ابتكار أجندة إصلاح. على ذات القدر من الأهمية، يجب عليهم البدء في إعادة بناء الثقة بين أعضاء منظمة التجارة العالمية.
لن تكون هذه بالمهمة السهلة في بيئة سياسية كسيرة. لكنه يشكل ضرورة أساسية لإنشاء نظام تجاري يحقق قدر أعظم من الفوائد لمزيد من الناس ــ وكوكب الأرض.
النبأ السار هنا هو أن الوزراء لن يكون عليهم البدء من الصفر؛ فعلى الرغم من الاضطرابات التي شهدها العام الماضي، ظل نظام التجارة العالمي صامدا. في عام 2025، جرت أكثر من 70% من التجارة العالمية بموجب قواعد منظمة التجارة العالمية. وتواصل أمانة منظمة التجارة العالمية والمنظمات الشريكة لها -برنامج الأمم المتحدة للتجارة والتنمية ومركز التجارة الدولية- الاضطلاع بدور حاسم في دعم المواءمة الفنية وبناء القدرات التي تجعل التجارة الدولية ممكنة.
علاوة على ذلك، تكتسب جهود التكامل الإقليمي الطموحة والاتفاقيات التجارية الثنائية مزيدا من الزخم في مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، والشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة بين 15 دولة في منطقة آسيا والمحيط الهادي، واتفاقية التجارة الحرة التاريخية التي وقعها مؤخرا الاتحاد الأوروبي وكتلة ميركوسور في أمريكا اللاتينية. وكانت المبادرة الأكثر بروزا اتفاقية عام 2024 بشأن تغير المناخ، والتجارة، والاستدامة بين كوستاريكا، وأيسلندا، ونيوزيلندا، وسويسرا، والتي تخدم كنموذج لنظام تجاري يضع التنمية المستدامة في صميمه.
في حين يتفق أعضاء منظمة التجارة العالمية على ضرورة الإصلاح، فإنهم يختلفون حول الشكل الذي ينبغي أن يتخذه. من المؤكد أن التوصل إلى توافق في الآراء بعد صراع شاق سيستغرق سنوات.
لكن هذا سبب إضافي يدعو المؤتمر الوزاري الرابع عشر إلى بدء العملية الآن من خلال التأكيد على أن غرض التجارة الأساسي يتمثل في دعم ازدهار البشرية على كوكب موفور الصحة، وأن أي إصلاحات يجب أن تعمل على مواءمة نظام التجارة العالمي مع تلك الأهداف.
يحتاج مفاوضو منظمة التجارة العالمية، المتمركزون في جنيف، المقيدون غالبا بالقواعد الحالية، والممارسات السابقة، والانقسامات القديمة، إلى إشارة سياسية لفتح الباب أمام التقدم. ويشكل المؤتمر الوزاري الرابع عشر فرصة لتقديم هذه الإشارة. الواقع أن منظمة التجارة العالمية -وبقية العالم- في احتياج شديد إلى أن ترى أن معظم البلدان لا تزال ملتزمة بالتعددية.
ماري إلكا بانجيستو المبعوثة الخاصة للتجارة الدولية إلى الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو، وهي وزيرة تجارة سابقة لإندونيسيا ومديرة إدارية سابقة في البنك الدولي.
دانيال إستي أستاذ هيلهاوس لقانون وسياسة البيئة في جامعة ييل، والقائد المشارك لمشروع إعادة تشكيل التجارة.
خدمة بروجيكت سنديكيت
