ترامب يقطع العلاقات مع أوروبا بسبب حرب إيران

29 مارس 2026
29 مارس 2026

ترجمة: بدر بن خميس الظّفري -

بعد مرور عقد على تولي ترامب الرئاسة، هناك قواعد بديهية للتعامل مع هذه الفوضى. إحداها، بالطبع، عدم افتراض صدق الرئيس الأمريكي الذي يجهل الحقائق.

فقد صرّح يوم الثلاثاء بأن الحرب في إيران «انتهت» بينما كان في الوقت نفسه ينشر آلاف الجنود الأمريكيين في الشرق الأوسط على ما يبدو تحسبًا لحاجة الحرب إلى النصر مجددًا، وليت إعلاناته المتكررة بالنصر تعني حقًا انتهاء الصراع! قاعدة أخرى هي الانتباه جيدًا لما يثرثر عنه في ساعات متأخرة من الليل أو ساعات الصباح الباكرة. منشورات دونالد ترامب - بكل ما فيها من غزارة وحماسة - تُجسّد الجانب الغريزي لرئيس أمريكي. ترامب الذي لا ينام هو ترامب الحقيقي. قد لا يُنفّذ دائمًا ما يقوله، لكنها أكثر من مجرد سرد لما يُثير غضبه. اعتبروها دليلًا لما سيفعله لو كان بإمكانه فعل ما يشاء.

لهذا السبب، ينبغي على أصدقاء أمريكا في أوروبا - وفي أي مكان آخر أيضًا - أن ينتبهوا لما قاله الرئيس صباح يوم الخميس، حين استهلّ يومه بإدانة ليس فقط المرشد في الجمهورية الإسلامية، بل أيضًا دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي رفضت حتى الآن الانضمام إلى الولايات المتحدة في حربها على إيران.

كتب على موقع «تروث سوشيال»: «لا تحتاج الولايات المتحدة الأمريكية إلى شيء من الناتو، سوى ألا ننسى أبدًا هذه اللحظة الحاسمة!». وبعد ساعات قليلة في اجتماع لمجلس الوزراء عاد إلى موضوع حلفائه الذين خانوه.

قال: «نشعر بخيبة أمل كبيرة من الناتو؛ لأنه لم يفعل شيئًا على الإطلاق. قلتُ قبل خمسة وعشرين عامًا: إن الناتو مجرد نمر من ورق، والأهم من ذلك أننا سننقذهم، لكنهم لن ينقذونا أبدًا». بعبارة أخرى، كان محقًا طوال الوقت: ما كان ينبغي لأمريكا أن تثق بهؤلاء الأوروبيين أبدًا. وأضاف أن طلب مساعدتهم في إعادة فتح مضيق هرمز كان بمثابة «اختبار». وقد فشلوا فيه. وقال: «أعتقد أن هذا سيكلفهم غاليًا». وتلت ذلك تهديدات مبطنة عديدة حول أن «أوكرانيا ليست حربنا»، ولماذا، في الحقيقة، لا ينبغي للولايات المتحدة أن تكلف نفسها عناء حماية أوروبا من روسيا؛ نظرًا لوجود «محيط شاسع وجميل» يفصل أمريكا عن جيوش فلاديمير بوتين.

أظن أنني لست وحدي من رأى أن هذا الكلام يبدو وكأنه صادر عن رجل قد يتصل بمحامٍ لإتمام طلاقه. سيكون من الغريب حقًا أن يحدث الانفصال في نهاية المطاف بسبب حرب اختيارية في الشرق الأوسط، يشنها رئيس تولى منصبه متعهدًا بعدم إشعال حروب جديدة في الشرق الأوسط. ارجع وانظر إل القاعدة رقم 1. ولكن حتى لو لم يتوقع أحد على وجه التحديد أن الأزمة مع إيران قد تؤدي إلى تفكك حلف الناتو فلا يمكننا القول إننا لم نتلق تحذيرًا سواء نفذ ترامب ذلك أم لا، فقد أمضى معظم العقد الماضي وهو يلوح علنًا بإنهاء الأمور مع حلف الناتو، ويبحث عن ذرائع للقيام بذلك، ويعمل بنشاط على إبعاد شركاء أمريكا في التحالف الذي يبلغ من العمر ستة وسبعين عامًا.

في يناير هدد ترامب حتى بالاستيلاء على غرينلاند بالقوة من الدنمارك، وهو تهديد صادم - وإن لم يكن ينبغي أن يكون كذلك - لدرجة أن العديد من القادة الأوروبيين اتفقوا مع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني الذي استغل خطابه في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، ليعلن نهاية «الوهم الجميل» القائل بوجود نظام دولي ليبرالي تقوده الولايات المتحدة. أما فيما يتعلق بأولوية الأمن القومي الأوروبي القصوى، والمتمثلة في مساعدة أوكرانيا على صد الغزو الروسي؛ فقد أنهى ترامب بالفعل جميع المساعدات العسكرية الأمريكية المباشرة لكييف، وألقى باللوم مرارًا وتكرارًا على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بدلًا من بوتين في فشل محادثات السلام التي تقودها الولايات المتحدة. وفي هذا الأسبوع فقط -وفقًا لزيلينسكي- أخبر أوكرانيا أنه ينبغي عليها الموافقة على التنازل عن أراضٍ في دونباس لروسيا مقابل ضمانات أمنية أمريكية غامضة. يوم الخميس بينما كان ترامب ينتقد حلف الناتو بشدة أفادت صحيفة واشنطن بوست أن البنتاغون يدرس تحويل أسلحة ضرورية لأوكرانيا - والتي دفع ثمنها أوروبيون - إلى الشرق الأوسط.

في الوقت نفسه برزت روسيا رغم تزويدها إيران بطائرات مسيرة ومعلومات استخباراتية في حربها ضد الولايات المتحدة كمستفيد اقتصادي رئيسي من الصراع؛ حيث أعلنت إدارة ترامب أنها سترفع مؤقتًا العقوبات عن بعض النفط الروسي للمساعدة في تخفيف أزمة الإمدادات التي أحدثها هجومها على إيران. وإذا انتهت الحرب بحلول أبريل فقد وجدت دراسة أجرتها كلية كييف للاقتصاد أن هذا القرار سيعني مكاسب هائلة لموسكو في عائدات التصدير بقيمة 84 مليار دولار؛ لذا فإن حرب ترامب في الواقع تمول الآن حرب بوتين أيضًا. كيف تبدو هذه رسالة لحلفائنا؟

خلال ولاية ترامب الأولى اعتادت الشخصيات البارزة في المؤسسة السياسية الذين تعايشوا بصعوبة في البيت الأبيض مع ستيف بانون وستيفن ميلر وغيرهما من الشخصيات البارزة في حركة «لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا» على الاعتراض عندما تم تسليط الضوء على انتقادات ترامب المتكررة لحلفاء الولايات المتحدة وتحالفاتها.

ومن أبرز الصور التي لا تُنسى عن فترة رئاسة ترامب تلك التي التُقطت خلال رحلته الخارجية الأولى في ربيع عام 2017 عندما دفع في قمة الناتو في بروكسل زعيم دولة الجبل الأسود الصغيرة جانبًا في محاولة واضحة لتحسين موقعه أمام الكاميرات. وفي القمة نفسها قام الرئيس الذي خاض حملته الانتخابية كمتشكك في الناتو - حيث قال في عام 2016: «هذه هي مشكلة الناتو. لقد عفا عليه الزمن» - بتغيير خطابه في اللحظة الأخيرة، ليحذف أي ذكر لالتزام أمريكا بتعهد الدفاع المشترك المنصوص عليه في المادة الخامسة، والذي يُعد جوهر الحلف.

وخوفًا من ردود الفعل السلبية تعاون اثنان من مساعدي ترامب الأكثر محافظة - مستشاره للأمن القومي إتش آر ماكماستر، وكبير مستشاريه الاقتصاديين في البيت الأبيض، غاري كوهن - على متن طائرة الرئاسة لكتابة مقال رأي لصحيفة وول ستريت جورنال في طريق عودتهم إلى واشنطن.

كان عنوان المقال «أمريكا أولًا لا تعني أمريكا وحدها». أصبح المقال بطريقته الخاصة مرجعًا كلاسيكيًا فوريًا؛ فهناك قلبٌ للحقائق أثبت صحة النقطة التي كان يُراد دحضها. كان بمثابة اختصار مثالي للتبريرات التي كنا نسمعها يوميًا من فلول الحزب الجمهوري قبل عهد ترامب: لم يقل ما قاله! إنه لا يريد أن يفعل ما يدّعي أنه يريد فعله!

عند إعادة قراءتها الآن، وقد زال نفوذ المؤسسة الجمهورية، وامتلأ البيت الأبيض في عهد ترامب بالمتملقين الذين يجعلون مسؤولي ولايته الأولى يبدون كأمثلة يحتذى بها في المبادئ، تبدو المقالة أقرب إلى نبوءة تحقق ذاتها منها إلى محاكاة ساخرة، فكل تلك الجهود التي بذلها مساعدو ترامب للتظاهر بأنه لم يكن على حقيقته قد تلاشت أخيرًا. بل يمكن الآن قراءة مقالة صحيفة وول ستريت جورنال القديمة هذه كدليل معكوس لترامب 2.0. كتب كوهن وماكماستر: «التحالفات القوية تعزز القوة الأمريكية»، وزعما أن الرئيس ملتزم التزامًا عميقًا «بتعزيز التعاون وتوطيد العلاقات مع حلفائنا وشركائنا».

في أواخر عام 2018 استقال الجنرال المتقاعد جيم ماتيس، وهو أحد المعينين في ولاية ترامب الأولى من منصبه الوزاري في خلافٍ حول سوء معاملة ترامب لشركاء أمريكا في سوريا قائلًا في رسالة استقالته: إن الولايات المتحدة لا تستطيع الاستمرار في قيادة العالم «دون الحفاظ على تحالفات قوية، وإظهار الاحترام لهؤلاء الحلفاء». وليس من قبيل المصادفة أن يبرز ماتيس الآن كواحد من أكثر المسؤولين السابقين صراحةً في إدارة ترامب في التشكيك في إدارته للحرب مع إيران، و«هراء» مطالبه بتغيير النظام، والعواقب السلبية المترتبة على ذلك على مكانة أمريكا في العالم. وقال ماتيس لمارغريت هوفر من قناة (بي. بي. إس) هذا الأسبوع: «لا يمكنك كسب الحلفاء إذا لم يثقوا بك». هذا صحيح تمامًا.

سوزان ب. غلاسر كاتبة في مجلة ذا نيويوركر، لديها عمود أسبوعي عن الحياة في واشنطن، وهي مقدمة بودكاست «المشهد السياسي»، وشاركت في تأليف كتاب «المُفرِّق: ترامب في البيت الأبيض، 2017-2021»