الحرب في الشرق الأوسط وشبح الركود التضخمي

29 مارس 2026
29 مارس 2026

سام فليمنج وآخرون / ترجمة: قاسم مكي 

اقتران النمو المنخفض مع التضخم المرتفع تجربة نادرة. لكنها غير مريحة في بلدان الاقتصادات المتقدمة؛ فالاقتصاد المتوعَّك يعني عادة فتورَ الطلب وضعفَ سوق العمل، وهذا يكبح ارتفاع الأسعار.

الحالة الأكثر شهرة لظاهرة الركود التضخمي حدثت في الولايات المتحدة في السبعينيات عندما تراجع الناتج المحلي الحقيقي لسنتين متعاقبتين في أعقاب صدمة سعر النفط خلال 1971- 1973 فيما تجاوز التضخم معدل 10%. (الركود التضخمي حسب موسوعة انفستوبيديا حالة اقتصادية تتصف بتباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع البطالة وتصاعد الأسعار أو التضخم في نفس الوقت- المترجم.)

تواجه البنوك المركزية وضعا صعبا في مثل هذه الظروف. فهي بحاجة الى المزيد من إبطاء الاقتصاد للسيطرة على الأسعار. وهذا في الغالب يقضي على المزيد من الوظائف في الأجل القصير.

مخاطر على النمو

قياس الأثر الاقتصادي الكامل لحرب الشرق الأوسط يقارب المستحيل؛ إذ لا تزال المعارك دائرة، لكن إذا استمر الاضطراب يحذر بول ديجل، كبير الاقتصاديين لمجموعة الاستثمار «أبردين»، من احتمال ارتفاع أسعار النفط إلى 180 دولارا للبرميل في أسوأ الأحوال؛ وهذا من شأنه إدخال بريطانيا ومنطقة اليورو بل حتى الولايات المتحدة في أوضاع ركود.

وقد يقترن ذلك مع معدلات تضخم تتراوح بين 6% الى 9% بنهاية العام. وحتى إذا أثمرت جهود تخفيف التصعيد الحالية، يحذر عديدون من استمرار الضرر.

سيظل مضيق هرمز وهو الممر الحيوي لمعظم نفط الشرق الأوسط مغلقا إلى حد كبير أمام الملاحة حتى مايو، حسب المحللين بشركة «اكسفورد ايكونومكس» ويتوقع هؤلاء استئناف الحركة في المضيق ببطء فقط نظرًا إلى الوقت اللازم لإعادة تشغيل المنشآت المغلقة بجانب الخشية من مهاجمة السفن ومصاعب استعادة سلاسل التوريد.

يحاجج بول ديجل بأن اضطرابات سلاسل التوريد الأوسع نطاقا قد ترفع معدل التضخم الى 4% أو 5% حتى إذا بلغ متوسط سعر برميل النفط 120 دولارا لمدة شهر.

يقول محمود برادان وهو اقتصادي سابق بصندوق النقد الدولي والآن زميل غير مقيم بمعهد بروجل: «وقوع قدر كبير من الضرر صار حتميا حتى إذا تم التوصل الى هدنة». أدى ارتفاع أسعار الفائدة إلى تحولات كبيرة في توقعات التضخم في الأسواق خصوصا في الأجل القصير نسبيا. فالمعدلات الضمنية في سوق المقايضة للتضخم في كل من بريطانيا ومنطقة اليورو خلال فترة الأثني عشر شهرا القادمة أعلى بأكثر من نقطة مئوية منذ بداية الحرب.

لقد تخلى المتداولون عن الآمال بمزيد من التخفيضات في أسعار الفائدة، ويراهنون الآن بأن البنوك المركزية بما في ذلك البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا سيلزمها تشديد سياساتها النقدية لكبح ضغوط الأسعار. كما ترجِّح الأسواق الآجلة أن يتجه بنك الاحتياطي الفيدرالي الى رفع سعر الفائدة وليس خفضها في هذا العام.

اتَّعظت بنوك مركزية عديدة من تجربة 2021-2022 عندما استهانت بمخاطر التضخم واعتبرتها «عابرة»؛ فالاقتصاديون بالبنك المركزي الأوروبي مثلا يتوقعون أن يكون أثر أزمة الطاقة على التضخم أكبر من أثره على النمو. (وهم يخشون أن يصل معدله إلى 6% في العام القادم إذا تحقق السيناريو الأسوأ لبلوغ سعر النفط 150 دولارا للبرميل).

في يوم الأربعاء لمّحت كريستين لاجارد رئيسة البنك المركزي الأوروبي إلى أن المعدلات قد ترتفع في الشهر القادم إذا لم تتم السيطرة على خطر التضخم.

وتتجه سندات الحكومات الأوروبية قصيرة الأجل التي تتتبّع توقعات سعر الفائدة نحو أسوأ شهورها منذ موجة بيع السندات التي أعقبت نشوب حرب أوكرانيا في عام 2022. فعوائد سندات إيطاليا لمدة سنتين والتي تتحرك عكس أسعارها ارتفعت بأكثر من 0.7 نقطة مئوية في مارس، فيما ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية بحوالي 0.5 نقطة مئوية.

لكن يجب عدم التقليل من أهمية الضرر على الإنتاج الاقتصادي للبلدان كما يحذر سيث كاربنتر كبير الاقتصاديين ببنك مورجان ستانلي. يقول كاربنتر «الجانب المتعلق بالنمو حصل على اهتمام أقل مما يستحق». في حال ارتفع سعر النفط الى 110 أو 120 دولارا للبرميل لفترة مستدامة قد يرفع كل من بنك إنجلترا والبنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة. لكنهما سيتراجعان عن ذلك في العام القادم مع ركود الاقتصادات، بحسب كاربنتر.

يقول: «ستكون المرحلة الحالية سلبية للنمو ومعززة للتضخم الشامل. ما الذي يمكن أن تفعله البنوك المركزية التي لا حول لها ولا قوة. هذا هو التحدي». يتفق مستثمرون عديدون مع ذلك. يقول لوكا باوليني كبير الاستراتيجيين بشركة إدارة الأصول بكتيت: «السوق قلقة من التضخم لكن الخطر على النمو أكبر بكثير». ويضيف «نقطة البداية أسوأ من صدمة الطاقة في عام 2022» لأن أسعار الفائدة أعلى وأسواق العمل أكثر مرونة.

تضرر الآسيويون والأوروبيون بشدة؛ نظرا لاعتمادهم على الطاقة المستوردة؛ ففي الفلبين على سبيل المثال أعلن الرئيس فرديناند ماركوس الابن «حالة طوارئ طاقة وطنية» فيما الهند من بين البلدان التي تواجه صعوبة في الحصول على إمدادات غاز الطهي. وفي أوروبا تسربت أسعار النفط والغاز المرتفعة إلى الاقتصاد الحقيقي وضغطت على القوة الشرائية للعائلات ورفعت التكاليف للشركات.

سائقو السيارات من بين أوائل المتأثرين. فخلال أول ثلاثة أسابيع من الحرب ارتفعت أسعار البنزين بنسبة 12% والديزل بنسبة 22% في بلدان الاتحاد الأوروبي، حسب النشرة الأسبوعية للمفوضية الأوروبية «ويكلي اويل بوليتين.» وهذه ثاني أكبر زيادة في أسعار الوقود منذ بداية سلسلة الزيادات في عام 2005.

ركود تضخمي

بدأ هذا الارتفاع يثقل كاهل العائلات؛ ففي مارس هبط مؤشر خاص بمعنويات المستهلكين يُراقَب عن كثب بواسطة المفوضية إلى أدنى مستوى له خلال ثلاثة أعوام تقريبا. وكان هبوطه أسرع من تراجعه في أعقاب الرسوم الجمركية التي أعلن عنها ترامب «يوم التحرير» في العام الماضي.

قال بوريس فويتشيتش نائب الرئيس القادم للبنك المركزي الأوروبي لبلومبيرج يوم الثلاثاء: «نحن لا نشهد ركودا تضخميا ولكن المخاطر تتحرك في اتجاه ركود تضخمي». تدهورت ثقة قطاع الأعمال مع تراجع مؤشر مديري المشتريات الخاص بستاندارد آند بورز جلوبال لمنطقة اليورو إلى أدنى مستوى له خلال 10 شهور فيما تزداد تكاليف الشركات بأسرع وتيرة في ثلاث سنوات.

أوجه الشبه مع عام 2022 غير مريحة؛ وقتها تراجعت بشدة ثقة المستهلكين في كل من منطقة اليورو وبريطانيا بعد حرب أوكرانيا ولم تتعاف تماما مما قاد إلى ضعف الإنفاق العائلي لفترة طويلة.

لا يزال إرث تلك الفترة واضحا؛ ففي ربع السنة الأخير من عام 2025 كان استهلاك الفرد في بريطانيا أقل بنسبة 2.6 من مستواه خلال نفس ربع السنة في عام 2019 فيما تغيرت مستوياته في فرنسا وألمانيا بقدر طفيف. هذا يتباين مع زيادة بنسبة 14% في الولايات المتحدة.

يقول الاقتصاديون: إن حذر المستهلكين سيستمر غالبا. تعتقد روث جريجوري الخبيرة الاقتصادية بشركة كابيتال ايكونوميكس أن حرب إيران قد تقلل نمو الإنفاق الاستهلاكي بنسبة تتراوح بين 0.7 إلى نقطة مئوية واحدة هذا العام، وذلك يعتمد على شدة وطول فترة القلاقل في أسواق الطاقة العالمية. وتضيف قائلة: «مع بداية ظهور علامات التعافي على الاقتصاد وهدوء التضخم بالضبط أوجدت الحرب في الشرق الأوسط ضغوطات ركود تضخمي.»

أمريكا ليست محصَّنة

يتوقع معظم خبراء الاقتصاد أن يظل اقتصاد الولايات المتحدة محميا بقدر أكبر من عاصفة الطاقة بما أنها مُصدّر صاف للنفط والغاز. وهذا يعين على تفسير ارتفاع قيمة الدولار خلال الشهر الماضي مقابل كل العملات الرئيسية وإنهائه تراجعا استمر لفترة عام.

لكن في حين لم تواجه أمريكا ارتفاعا في أسعار الغاز على نحو مماثل لما حدث في أوروبا وآسيا إلا أن أسعار البنزين شهدت ارتفاعا مثيرا وضغطت بذلك على إنفاق المستهلكين وهددت شعبية ترامب قبل الانتخابات النصفية في نوفمبر.

في انتصار رمزي قبل أيام قليلة فاز الديموقراطيون بمقعد كان معقلا جمهوريا في دائرة تشريعية بولاية فلوريدا تضم منتجع الرئيس الأمريكي «مارا لا جو» بعد حملة ركزت على محاربة ارتفاع الأسعار.

هذه الضغوط في مثل هذا الوقت المهم انتخابيا تشكل جزءا من خلفية تعليقات ترامب حول التفاوض مع إيران على الرغم من أن طهران تصر حتى الآن على عدم وجود محادثات.

رفع المحللون احتمال نسبة حدوث ركود أمريكي في الشهور الاثني عشرة القادمة إلى 30% في الأسبوع الماضي. لقد أكدوا أنهم يتوقعون تخفيضات بمعدل ربع نقطة في سعر الفائدة في نوفمبر وديسمبر بواسطة بنك الاحتياطي الفيدرالي لأسباب من بينها توقعهم ارتفاع البطالة بمعدل يفوق توقعات البنك نفسه. ونظرا إلى أن سوق العمل في الولايات المتحدة بدأ يضعف لا يرى بعض المحللين الاقتصاديين معنى للحجج بوجوب تحرك البنك الفيدرالي نحو رفع أسعار الفائدة.

حذر جيمس هاملتون وهو اقتصادي بجامعة كاليفورنيا- سان دييغو من أن ينتهي الأمر بالفيدرالي وجيروم باول الذي يختتم فترته كرئيس للبنك في مايو إلى خوض المعركة الأخيرة بالانشغال أكثر مما يلزم بمحاربة التضخم (يقصد هاملتون بالمعركة الأخيرة تمسك باول لآخر لحظة بعدم خفض سعر الفائدة لمغالاته في القلق من التضخم رغم مخاطر البطالة- المترجم).

قبل أيام أقرَّ ستيفن ميران بارتفاع التضخم. وهو أحد الذين عيَّنهم ترامب لمجلس محافظي الفيدرالي وحمائمي كبير في اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة التي تضع أسعار الفائدة. لكن ميران يرى أن ارتفاع أسعار الطاقة بخفضها القدرة الإنفاقية للمستهلكين ستقود الى تراجع الطلب وتجعل «مخاطر البطالة» أكثر إثارة للقلق.

يقر كريستوفر والر وماري دالي عضوا اللجنة الفيدرالية بصعوبة تحديد اللحظة التي سيكون البنك المركزي الأمريكي قادرا فيها على خفض تكاليف الاقتراض الذي دعا إليه ترامب مرارا.

وفي الأسبوع الماضي قالت دالي متسائلة: «مع كل عدم اليقين هذا، ماهي آفاق السياسة النقدية؟» وأضافت: «لا يوجد مسار وحيد أكثر احتمالا». بالنسبة للساسة في الولايات المتحدة والبلدان الأخرى يشكل اقتران ارتفاع الأسعار مع ازدياد تكاليف الاقتراض الحكومي احتمالا قاسيا بعد فترة وجيزة من دوامة صعود الأسعار السابقة.

لقد اتضحت الأهمية الفائقة للتضخم في تحديد اتجاه أصوات الناخبين خلال الانتخابات الرئاسية الأمريكية في عام 2024. فحسب استطلاع وكالة آسوشيتدبرس للأنباء «أيه بي فوت كاست»، مَن ذكروا أن التضخم هو العامل الأكثر أهمية كان احتمال دعمهم لترامب قريبا من ضعف احتمال تصويتهم لمنافسته الديموقراطية كمالا هاريس.

كما تظل الأسعار المرتفعة في قلب الجدل السياسي في بريطانيا على مدى 18 شهرا بعدما ساعد السخط من حالة الاقتصاد والتضخم في ظل حكومة المحافظين كير ستارمر على الفوز في انتخابات 2024.

وحاول ستارمر إنعاش حكومته المتعثرة في وقت مبكر من هذا العام بتقريظ جهود الحكومة العمالية في الحد من ارتفاع تكاليف المعيشة. لكن مع احتمال تجدد الارتفاع في الأسعار ذلك التباهي فات أوانه، كما يبدو. فبنك إنجلترا يتوقع الآن معدلا للتضخم في حدود 3.5% في الربع الثالث من العام. وهذا يتجاوز كثيرا معدله المستهدف الذي يبلغ 2%.

ما يجعل الوضع حرجا على نحو خاص في بريطانيا وأيضا في بلدان منطقة اليورو كإيطاليا مزيجٌ من أعباء الديون المرتفعة وتكاليف الاقتراض التي ارتفعت بقدر كبير في السنوات الأخيرة.

فتراكم الدين الذي بدأ إبان الأزمة المالية في أواخر العشرية الأولى واشتدّ أيام الجائحة ترك الساسة في مثل هذه البلدان بلا «قوة نيران مالية» تُذكَر لحماية الناخبين من المعاناة التي يتسبب فيها ارتفاع أسعار الطاقة.

بدأت تكلفة خدمة هذه الديون في الارتفاع فيما يشعر المستثمرون بالقلق من التضخم وما إذا كانت الخطوات التي اتخذت لحماية المستهلكين ستضغط على المالية العامة في البلدان التي لا زالت تتعافى من الصدمات السابقة.

ما يعكس هذه المخاوف ارتفاع تكاليف الاقتراض (عوائد السندات) البريطانية لأجل 30 عاما الى 5.4% وتحركت بذلك نحو أعلى معدل لها في القرن الحادي والعشرين سجلته في سبتمبر الماضي.

كما بلغت تكاليف اقتراض إيطاليا المماثلة أعلى مستوى منذ عام 2023 أثناء الحرب. مثل هذه التحركات في سوق الدين فاقمت من صعوبة الأوضاع المالية للشركات وهذا يضعف بقدر أكبر التوقعات المستقبلية للاقتصاد.

مع انتشار آثار الحرب في العالم وتأثيرها على كل شيء من منتجات الألمونيوم وإلى عوائد السندات يشعر بعض المحللين بالقلق من أن ضررا كبيرا لَحِق سلفا بالآفاق الاقتصادية للعالم.

يقول كينيث روجوف الأستاذ بجامعة هارفارد وكبير الاقتصاديين السابق بصندوق النقد الدولي: «حرب إيران التي أعقبت حروب أوكرانيا والرسوم الجمركية الراهنة تتشكَّل كأكبر صدمةِ ركودٍ تضخمي شهدها العالم خلال خمسة عقود».