البطل الأمريكي.. الخلاص عبر العنف!
22 مارس 2026
22 مارس 2026
على مدى عقود طويلة، صاغت السينما صورة البطل الأمريكي المُنقذ، الذي لا يتزعزع أمام الشدائد ويُضحّي بنفسه ليجعل العالم في أبهى صوره. وقد تجاوزت هذه الصورة البراقة وظيفتها الجمالية لتصبح أداةً شديدة التأثير والخطورة، يضخها الإعلام عبر وسائطه المختلفة لتستقرّ في مياهنا الباطنية، فلا نستطيع التملّص منها حين نلمحُ ارتداداتها في واقعنا الحقيقي!
البطل الذاهب إلى الحرب، المغامر في قصص الخيال العلمي، المقدام في أفلام الكوارث وفي قصص الأبطال الخارقين.. فمهما تغيّر القناع الخارجي، يُعاد في كل مرة ابتكار ذات التفوق الأمريكي الفذ. فلا يمكن ردّ خطر الكائنات الفضائية ولا الكواكب التي تُوشكُ على الارتطام بالأرض، كما لا يمكن التعامل مع الأنظمة الكونية التي تخرجُ عن سيطرة الإنسان الهش إلا عبر بطل أمريكي تتعلقُ به كل الآمال المُدخرة! هكذا شاهدنا تمركز البطل كقوة لا تقهرها الطبيعة، وفي آخر المشهد لا بد أن يُرفرفُ العلم الأمريكي ليُضفي دلالة مُضاعفة!
أتذكّر على سبيل المثال لا الحصر، فيلم Saving Private Ryan؛ حيث اعتملت الأسئلة في داخلي حين عرّض عددٌ من الجنود حياتهم للخطر لإنقاذ جنديّ واحد! وكذلك فيلم Hacksaw Ridge للمخرج Mel Gibson، والذي يروي سيرة جندي أمريكي رفض إطلاق رصاصة واحدة في المعركة لدوافع دينية، فتحوّل إلى بطل استثنائي أنقذ عشرات الجنود الجرحى.. لتتجلّى صورة البطولة المُحمّلة بقيم أخلاقية بالغة العلو!
وتتكثف الصورة في سياقات أخرى، كصورة البطل الأمريكي في أفلام الأبطال الخارقين، مثل: «سوبرمان» و«المنتقمون» و«كابتن أمريكا». فيغدو رمزا يستعيره أبناؤنا، يقلدونه، يحاكونه ويرتدون قمصانا تحمل صورهم، كحُراس كونيين يُناط بهم عبء هذا العالم المُفتقر إلى أبطال مُماثلين!
وينهلُ الخيال العلمي أيضا من المعين ذاته.. كما في فيلم «المصفوفة»، فإن تغيرت الأقنعة واللبوس تبقى القصّة الصلبة واحدة. هكذا انقدح في لا وعينا أنّ البطل الأمريكي يمتلكُ شرعية أن يهبنا النجاة والموت على حد سواء!
لكن هذا البطل أخذ يتصدع تدريجيا منذ أن انخرطت الولايات المتحدة في حروبها المتعاقبة خارج الغايات التي تتشدق بها. فلم يعد البطل يحتفظُ بنقائه المُدّعى وهو يغمسُ يديه في دماء وحروب مجانية في فيتنام والعراق وأفغانستان وغيرها، ساحات شُرعن فيها العنف بذريعة الخلاص أيضا. تطلب الأمر وقتا لنفهم أنّها مُبررات رثة وساذجة وعقيمة، غير أنّ العقل الأمريكي عاجز عن إنتاج قصّة خارج بطولاته البليدة!
يذهبُ الناقد الثقافي الأمريكي ريتشارد سلوتكن في مشروعه النقدي «التجدد عبر العنف» إلى أنّ صورة البطل الأمريكي ليست معطًى بريئًا أو مجرد ابتكار فني، بل هي ثمرة بنية أسطورية عميقة الجذور في التاريخ الأمريكي نفسه. ففكرة «الخلاص عبر العنف» تعود في تحليله إلى سرديات الاستيطان الأولى، حيث جرى تصوير العنف كوسيلة لتطهير الأرض وبناء النظام وصناعة هوية جديدة على أنقاض الفوضى التي أحدثوها. اللافت في طرح سلوتكن أن هذه الأسطورة لم تبقَ حبيسة الماضي، فقد تمّت إعادة تدويرها في صورة البطل المُنقذ الذي يحمل على عاتقه خلاص الجماعة.
وفي ظل التناقضات الجارحة التي تتكشف كل يوم، يبدو هذا البطل مأزوما، مُثقلا بندوب لا تُرى، مدفوعا -سواء أكان مختارا أو مُكرها- إلى أدوار فضفاضة، وكأنّه دمية تُحركها خيوط خفية في يد قوى مُنفلتة مجنونة وصاخبة تعبثُ بمصائر العالم. الأمر ذكرني أيضًا بفيلم «الجوكر» الذي لطالما دفعني إلى التساؤل أيضا عن البطل عندما يخلعُ عدّته وعتاده ليُعري اضطراباته النفسية!
هذا لا ينفي وجود أفلامٍ أخرى انشغلت بقضايا العنصرية وفتحت ملفات سياسية واجتماعية وثقافية ولامست أسئلة الهوية والسُلطة والعدالة، لكن التعطل يمكثُ في البطل المسخ الذي صنعته هوليوود في كياننا الحالم، ثمّ ما لبثنا أن اكتشفنا أنّه شظية نار مُشتعلة، محاكاة مُستعارة لكائن قُدّ من الجحيم. بطلٌ يُنصّبُ نفسه مالكا لشرعية الخلاص، لكنه مهزوم في مغالاته، راكضٌ في أكاذيبه المشروخة بالنهايات السعيدة التي لا تأتي. وها قد انكشفت الخرافة الآن، كانكشاف غيمة شتاء داكنة، فتداعَت صورة البطل الأوحد.. لكن من عساه يُوقف هياجه المُستعر المجنون الأعمى!
هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»
