مشاهد «درامية» من رمضان «استثنائي»..
18 مارس 2026
18 مارس 2026
المشهد الأول:
كان شهر رمضان شهرا استثنائيا هذه السنة، شهر له ما بعده، حرب ضروس تدور رحاها قرب بلداننا، تشعل فتيل الأزمات، وتجر العالم إلى وجهة مجهولة، حرب جعلت دول الخليج تعيد حساباتها، وتنظر إلى منجزاتها العملاقة التي بنتها طيلة عقود، وهي تتهاوى أمام أعينها، وتشاهد بحسرة سنوات من التخطيط وهي تنهار كورقة خريف في يوم عاصف، حرب فُرضت عليها، ودول تمارس (بلطجتها) على العالم دون أن يوقفها أحد، مجنون يحمي مجرما، ورجل مطلوب دوليا لا يأبه لقانون، ولا يردعه حكم، هذا المشهد المرعب تزامن مع قدوم شهر مبارك، وكأنه ينبّه المسلمين إلى هوانهم، وذلّهم، وقلة حيلتهم، حرب تشن في عقر دارهم في أقدس الشهور عندهم، دون أن يحركوا ساكنا، مقدّس آخر -بعد القدس- ينتهك الغزاة حرمته، بينما يظل العرب والمسلمون في خلافاتهم، وتفرقهم، ومذهبيتهم.
المشهد الثاني:
نسي العالم (غزة)، نسوا أطفالها، ودمارها، وشتاتها، وتحولت أنظارهم إلى (أحداث الخليج)، رغم أن المجرمين هم أنفسهم، ودم الأبرياء لم يجف من بين أصابع الجناة، والقتلة هم من يحرك خيوط اللعبة، ويدير كواليس المؤامرة، غير أن العالم ينسى بسرعة، وينشغل عن الضحايا بقصص درامية أخرى، ينسجها نفس المؤلف، ويخرجها نفس المخرج، وكأن المجرم يحاول أن يعبث بمخيلة الأشخاص، ويحوّل عقولهم عن الكارثة، بإشعاله كارثة أخرى في مكان آخر، فينشغل المتفرجون بأحداث الفيلم الجديد، وينسون الدمار الذي خلفه الفيلم القديم، ويتناسون الهمجية التي أديرت بها الجرائم السابقة، ليتابعوا القصة التالية.
المشهد الثالث:
في شهر رمضان تحولت الفضائيات إلى عالم كبير من الدراما، الجميع يحاول أن يمرر أجندته، وأن يصنع المتعة للمتفرج، وأن يحوز على إعجاب المشاهد، ذلك المشاهد الذي نسي مناقب الشهر بكل فضائله، وقضى ليله ونهاره في متابعة عمله المفضل، هذا الإلهاء الدرامي لم يأتِ مصادفة، بل هو أمر متعمد يراد به (تمييع) العقول، والتفريط في المقصد العظيم لعبادة الصوم، وسجن فئة الشباب -وحتى كبار السن- في عملية لا نهائية من التغييب عن مشاكل المجتمعات العربية، وقضاياها المصيرية، وحبسها في صور نمطية لمشكلات هامشية، لا علاقة لها بالواقع، ولذلك تبقى هذه الأعمال مجرد ملء فراغ كبير على الفضائيات، وفي عقول المتابعين لها.
المشهد الرابع:
تعود الحياة الأسبوع القادم إلى طبيعتها المعتادة بعد شهر من الاختلاف، تعود ساعات العمل إلى أوقاتها، ويعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود النساء إلى التخفف من أعباء الملابس، ويعود الرجال لجلسات هدر الوقت، وتعود عادات الناس وسلوكياتهم إلى ما كانت عليه، وتبدأ دورة الروتين اليومي ترجع إلى حالها، وكأن شهر رمضان جاء ليغير النفوس (بشكل مؤقت) إلى الأفضل، ويرفع من روحانيات البشر لمدة معينة، أو أنه جاء كـ(بروفة) كي يكتشف الإنسان نفسه من جديد، ثم يقرر: هل يستمر في التجديد أم يعود إلى سيرته الأولى؟!.
المشهد الخامس:
تذكروا وأنتم في أوج سباق العيد أنه في مكان ما من هذا العالم، هناك أطفال ونساء، وشيوخ لا يعرفون معنى الفرح، لم يشاهدوا العيد لسنوات، وسنوات، يعيشون تحت خط الفقر، والجوع، لا يجدون وقتا لرفاهية الراحة، يعملون تحت شمس الظهيرة لكي يخففوا من ظمأ أطفالهم، وتذكروا أنكم في نعمة من الله وفضل، فلا تنسوا حجم هذه النعمة التي تعيشون تحت ظلها، فحاولوا إسعاد المحتاجين، ولو بالقليل من عطائكم، فذلك هو أسمى درجات السعادة للإنسان.
نسأل الله لبلدنا الأمن والسلام، ولمقام جلالة السلطان -حفظه الله- الصحة والسعادة، وكل عيد، وأنتم الفرح ولمن تحبون.
مسعود الحمداني كاتب وشاعر عُماني
