فصلٌ في الرَّوَاح
25 فبراير 2026
25 فبراير 2026
عاطف سليمان -
إنّها هي شهرزاد، وهذا هو أنا، قارئُ شهرزادَ الأولُ؛ تُوافيني بكتاباتِها حالَ أن ترفعَ عنها قلمَها، فأفحصُها وأتأمّلُها وأحاكِمُها وِفقَ ما بيننا من أُصول. وشهرزادُ هي قارئتي الأولى، أُوافيها بما أكتبُ أولًا بأول، وهي تتولّى استقراءَ ومعايشة ومحاكمةَ نصوصي على ميثاقِنا نفسه.
أكتبُ، ولا تكون لي كتبٌ. في العادة لا أهوى -إلّا قليلًا- كتابةَ الروايات والقصص، إنّما هُيِّئَ لي أن أكتبَ كُتبًا أَرهبُ انفلاتَها من تحت يدي فأستبقيها، وأظنُّني لن أنشرها، ولئن عُثِرَ عليها بعدَ موتي فسيتقرّر بغيري مصيرُها. هي على أية حالٍ كُتبٌ حاولتُ فيها كشْفَ زيْفِ حكاياتٍ تختصُّ بقضايا دقيقة حلّت محلَ الحكايات الأصلية؛ تحرّيتُ، وبحثتُ في أضابيرَ، وتأمّلتُ، واستضوأتُ، وأطعتُ حدسي، وتحقَّقتُ مما اعتبرتُه حقائقَ صادِمة، ومن ثَم أعدتُ بناءَ حكاياتٍ مطموسةٍ أُماثِلُ بها الوقائعَ الأصليّة بأفضل ما أمكنني من إحراز التطابُق؛ ودوَّنتُ في كتبي المحتجَزة ما لن يُصدَّق ولن يُرتضَى ولن يُطاق، على الأرجح، فزهدتُ في الإفصاح عنها، واستحسنتُ ألّا أُطْلِعَ عليها أحدًا، ولا حتى شهرزاد.
أمّا في الأدبِ فلقد قرأَت شهرزادُ روايتي الجديدة «مَجيءٌ من الشمس»، وطالَ صمتُها. قطعًا ما كانت تتهرّب، وما كنتُ لِأُطالِبَ ولا لِأتعجّلَ، فانتظرتُ وتناسيتُ الأمرَ ثم نسيتُه إلى أن أخبرتني ابتداءً بأنّها رأت هذه الرواية تُحاكي الأوريجامي!
- لُبَّ الأوريجامي!
أتُراني فهمتُ مَجازَ شهرزاد ذاك؟ أظنُّني، من معرفتي بتفضيلاتِها، قد أدركتُه إدراكًا رائغًا غائمًا دون أن أفهمه بالتمام، فسألتُها بعد تردُّدٍ:
- لُبُّ الأوريجامي! وكيف كان ذلك؟!
أجابتني بأنها تأمّلَت هذي الروايةَ ككيانٍ يعتمدُ في نموِّه المتوازن على ما يفُوقُ التخميراتِ الوئيدة وعلى ما هو أنجعُ من التراكمات والإيعازات الواشية والفاصِحة، ورأتها قصصًا تتواكبُ وتتضافرُ بانثناءاتٍ تعقُبُها طيّاتٌ وثنياتٌ يتخلّق منها، باستتارٍ وبتريُّثٍ، ما لن يستويَ ويبينَ مكتملًا إلّا في الختام، على نَسقِ الأوريجامي الياباني. وبعد ذلك كله فلقد ظلّت هذي الروايةُ -في ظنِّها- ذاتَ جسدٍ يُساكَنُ من قارئها، وذات روحٍ تتخاطر معه، بل ذاتَ نموٍّ؛ ذلك أنّها -بحسبِها- سرديّةٌ فعّالة تُشارِكُ في إنشاء كيانِها مع كاتبِها وتصيغُ بنيانَها بإلهامٍ وبحذَقٍ ونباهةٍ واسترسال كأنها تَستوْلِدُ مَبناها من لَدُنها، وفي الوقت نفسِه تُغري قارئَها بهدْمِها وإرجاعِها خطوةً خطوةً إلى لحظة البدء في كتابتِها؛ مثلما يفردُ المرءُ التشكيلَ الورقي الياباني ويُعيدُه إلى مبدءِه الأول، ومن ثَمّ يَشرعُ ذلك القارئُ بتخيُّلِ مسارِ العمل تَدَرُّجًا، ثُم يواصلُ فيُكرِّرُ -بما يشبه قضيةَ الجبر والاختيار- كُلَّ ما أتاه كاتبُها الأصليّ.
- يا لهذا الذي تقولين! إنه شّاقٌّ مُضنٍ عسير.
- وقررتُ أن أكتبُها من جديد، بل إنّي شرعتُ فعلًا، بالأحرى!
الروايةُ التي أخبرتني شهرزادُ عن تحفُّزِها لتأليفِها وشروعها في كتابتها أنجزَتها بعد سنتين، وصيَّرَت لها عنوانَ «منامٌ مع الشِّعر»، ووضعَت عليها توقيعَها. أسلمَتني إياها، فقرأتُها مُلْتذًّا ببراعة الحثِّ والإلْقام، مشغوفًا بمسارات الحوادث. شدهتني لُغةُ شهرزاد وكلماتُها التي تبدّت لي مغسولةً وأشعرتني بكوْنِها كُريّات موسيقية كريستالية مُلوَّنة تتدحرجُ منفرِطةً من أوتار بيانو وبأنّها، بالمثل، كحبّاتِ عنقودٍ؛ بما لها من مركزيةٍ منيعةٍ واستقلالياتٍ شتّى. من كلمة إلىٍ كلمةٍ في سطورها احتفلتُ بيني وبين نفسي؛ وما أكثر الفقرات التي كنتُ أقرأُها فأثملُ؛ أمكثُ فيها وأعيدُها، أُغالِبُ مُبارحتَها، وأتوقُ، في الوقت نفسه، إلى ما يليها. وفي دخيلتي أقررتُ أنّ الأحداث التي ترويها شهرزادُ لا يمكن اجتلاؤها ومُضاهاةُ يَقينيتِها بغير هذه اللغة، ووافقتُها في ما ألمحَت إليه غمْزًا بأنّ الشِّعرَ قليلُ، وأقلُّه بالقصائدِ، وأنّ الشِّعرَ يُضاهي الماءَ؛ كُلًا في عالَمِهِ.
كتبتُ روايتي عن إيزابيل شقيقةِ الشاعر. وتمرّسَت روايةُ شهرزاد في الشِّعر. وكنتُ ممن يظنون أنّ الشِّعرَ، باعتبارِه روحيًّا مجرَّدًا، ليس له أن يجودَ بحِراكٍ قصصيٍّ، غير أنه جادَ وأفاضَ مع شهرزاد بحوادثَ وحتى بفجائعَ. في قراءتي لروايتها داومتُ على كبح تشوقاتي فما كنتُ أزيدُ عن سبع صفحاتٍ في اليوم، على أن أُعيدَ في اليوم التالي قراءةَ كل ما سبق قبل استئناف الحصة الجديدة.
بات لدينا كتابان مُتنائيان بتمايُزاتٍ جمّة ومعقودانِ بتراسُلاتٍ وقرابات. أفصحَت لي شهرزاد عن فكرتِها بدمْجِ وخلْط الكتابيْن وتضفيرهما فيتخلّلان بعضهما. لعبنا، وأنشأنا بالفعل روايةً مشتركة؛ رصصنا سويًّا عباراتِها وحوادثَها وروابطَها وحللنا مشكلاتِها. كنا نكتبُ صيغتَها المشتركة، وبالتدريج تآلفنا إلى ما بعد التآلُف وكنا نصيرُ عقلًا واحدًا وفؤادًا واحدًا وهوىً. تحايلنا على صعوباتِ بل استحالاتِ التلاقي في هذه الواقعة أو تلك الشائعة، وقد أضحت الساعاتُ المبذولة لذلك التلاقي هي مواعيد وساحات الاندغام بين روحيْنا. مَن ذا الذي قادَ الحبكةَ في هذه اللحظة أو تلك؟! ومَن كان يصيغُ ويصهر ويُؤلِّف ويَضْمُمُ ويلْحمُ في اللحظة التالية؟! لا يمكن الإخبار، ولعل الأخويْن رحباني، في مرقديْهما، قد اختلجا إذْ شعرا بنا على صراطهما! قرّرنا ترْكَ كتابِنا شهورًا أو سنوات إلى أن تستوي لدينا النظرةُ إليه فنحسمُ معًا مصيرَه. وقد صارحتني شهرزاد بأنها ستتحفّظ دومًا على نشرِ هذا الكتاب المشترك ما لم تُحِسَّه يغمُضُ ويتفتّحُ ويشهقُ ويزفرُ مثل زهرة لوتس على سطح نهر.
كنتُ قد ادعيْتُ، في وقائع «مَجيءٌ من الشمس»، أنني لم ألتقِ إيزابيل، شقيقةَ الشاعر، على أرض الحياة، إنّما فقط في الخيال والأحلام، ولقد اضطررتُ إلى ذلك الادعاء مخافةَ إثارة مقتِ أو غيرةِ أو استفزازِ أو استرابةِ مَن أحرصُ دومًا على تحاشي بُغْضِه، لكني ما زلتُ أحتفظُ بالعديد من أشيائها ونثائرِها، من ضِمنها وثيقة شهادة ميلادها الأصلية مُهداةً إليَّ بخط يدها وبحبرِ قلمي هذا الذي في يدي. فريدريكه ماري إيزابيل، وُلِدت لوالديها فريدريك وماري كاثرين ﭬـيتالي تحت برج الجوزاء في منتصف سنة القرد الصيني التي شهدَت موكبَ الشّهاب الراعي لكوكب الأرض والتي وَصَمَتها كذلك مقتلةُ موارنة الشام مع دروزها فارتاعَ لها العالَم واستُدعِيَ عسكرُ فرنسا لإخمادها، ولقد كان فريدريك عسكريًا.
واقعُ الأمر هو أني التقيتُ إيزابيل بوسطِ الرواقِ بين الرفاعي والسلطان حسن في نهارٍ قائظ، وحين تصافحَت عيونُنا لم أتفاجأ من سُمرتِها الخفيفة، إنّما وَقَرَ في يقيني أننا التقينا من قبل؛ ذلك أنّي لم أتعرّف فحسب على بشرتِها وشعرِها الرمادي الغامق الهائش هونًا وعينيها السوداوين ووجهها البيضاوي وذقنها المثلث الوقور ووجنتيها الحاميتين الباسمتين وجبينها الواسع ونحافتها التي لا تُغيِّب عرامةَ أنوثتها، بل أيضًا عاودتني نبرةُ صوتها على الرغم من حديثها بفرنسيةٍ غيرِ متواترةٍ لسمعي. أخبرتُها أولًا أن اسمَها مكوَّن من جزءيْن ويعني إيزه الجميلة أو إيزيس ذات البهاء، واغتبطتُ لأنها فهمَت ما أعنيه رغمًا عن ركاكة ما أتذكّره من محصولي القليل في اللغة الفرنسية، ويبدو أنها كانت تعلم كل شيء عن اسمها لكنها تصنّعَت الجهالة لكيلا تُحبط اجتهادي! وجاء الدورُ عليَّ، فكشفتُ لها عن اسمي ونطقْتُه بالعربية وكتبتُه بالأحرفِ اللاتينية فبحلقَت في وجهي ويدُها تسدُّ فمَها المندهش، وحاولَت إخباري بشيءٍ فهمْتُه منها لاحقًا بعد أن عثرنا على قاموس، والحقُّ هو أني كنت قد حدستُ ما أثار انفعالَها؛ ذلك أنّ منطوقَ اسمي يتكافأُ بالحذافير مع اسم التاج الشمسي، الـ آتف، ذاك الذي لَبِسَه أوزوريس، قرينُ هذه الكامنة بتمامِ سحرها في اسمِ إيزابيل!
مادت أوروبا، وأنجزَ هو، الشاعرُ، الرائي، فرارَه منها، وقد استبصرها ماضيةً إلى أرذلِ حضيض. في جولات تَريُّضِهِ خايَلَهُ ما سيأتيها من غرقٍ وحِطَّة. ولم تكن وِجهةُ مرْكبِهِ الثملِ إلّا إلى لَطافاتِ سبأ وعدن وأجوارهما، ولو لم يكن قد أَوعزَ إلى مركبته الإبحارَ صوب إفريقية لَحملَته إلى مرافئ آسيا حيث سيلقى الشموسَ وطاقاتِ الانسجام لِروحِه في كيوتو أو جيجو أو شينزين أو بومباي. تربَّى من جديد تحت شمسٍ وضّاءةٍ لاهبةٍ، وتذَوَّقَ واستحلى لقبَ الشيخ، وأحسَّ مقامَ وأُبّهةَ هذه الكلمة وطمحَ في تبوُّئها. ما بالُه لا يسلو تذمُّرَه من ﭬـيتالي، أمِّه، بينما هو يبتهلُ إلى صورة وجه شقيقته إيزابيل التي لا تني تتعالى أمام عينيه مِلءَ أفقِ السماء الزرقاء وهو يمشي في براحِ الصحارى، رَوَاحٌ ومجيء، ومجيءٌ ورَواح، يهتف لها في الرحيب:
- أمشي لأراكِ!
جاوبَته من يمينه ومن يساره:
- ليتَ لي أنْ آتيكَ؛ أدوسُ معكَ الصحاري وأنْشَقُ رمالَها.
- لَقِيتُ اللازوردي، وعَثَرَ الذهبُ عليَّ!
- على ما أنبأكَ به إلهامُكَ من قبل!
مَن يعودُ، يعودُ أحجارًا. عاد الشاعرُ إلى وطنه يابسًا، وحكى لها في غرفة المستشفى، بعد أن بتروا ساقَه، أنه هو مَن حسدَ نفسَه وقتما أُخِذَ بِلَذةِ المشْي في الحبشة، وقد تطهَّرت قدماه، ونضجتا، وتعلَّمتا مهاراتِ جلسة القرفصاء، وتهكّمتا على الدروب السالفة في بلاد الأهل والرفاق، وشرعتا في إدراك مقاصِد الكون، وأنّ العقلَ الذي له في قدميْه كان قد أُلْهِمَ الشعورَ بالامتنانِ للأقدار، وأنّ المرءَ يفتقرُ أحيانًا إلى مَن يُقنِعه بكونِهِ قد نالَ الحظَّ الطيب.
- جاءني البترُ يا إيزابيل قصاصًا في الصميم، فأرداني.
بالليل، واقفان تحت شجرة توت، وقد استرخينا لأصوات الحقل؛ فتقول إيزابيل إنّها حلمَت منذ قرنٍ بهذا الحقل، وإنها خشيَت أن تحكي حلمَها لأمِّها. ألحظُها تغيبُ غيابَ مَن تتزاورُ مع ماضٍ، ثم تفيقُ وتسعلُ بأنوثةٍ حلوة، كانت أمي، بخصوص أولادها، راعيةً لا تثق إلا بحِماها الشخصي لهم. تحضنُ إيزابيل الشجرةَ، وتلبثُ، لَكأن صدرَها يقتاتُ على صلابةِ هذا الجذع، ثم تجاورني وتمسك يُمنايَ بيُمناها وتُسْمعني ما تحفظه من أشعار أخيها، الذي كان يطلُّ عليها، ويُرى حضورُه في رفّةِ جفونِها واستنارةِ مُحياها، وكانت هي تتفرفر مثل عصفورة مبتلّة. في سكوتِنا همستُ لها بما تعرفه ولكنها تحبُّ أن تسمعه من غيرها: مثواه قصيٌّ، إلّا أنه يتبعكِ، يُحادِثُ نفسَه بكِ، ولا يتأتّى له الولعُ بغير تذكاراتِه معكِ، ولعل لي أنْ أبلِّغِكِ عنه: شقيقتي إيزابيل، الأصغر عمرًا مني، هي مَنْ ولدتني. حقًا ولدتني إيزابيل، وقد كانت عذراء لم تزل. آمنتُ، أنا الممتنعُ، بربِّ إيزابيل.
كنتُ ما زلتُ طفلةً مأخوذةً بالنهديْن البازغيْن، وللوقتِ تماديتُ هونًا في مرحي بإجازتي الصيفية من المدرسة، فتغالظَت أمي عليَّ، وشعرتُ بالانجراح، وامتلأت روحي بالأسى، ولم ينفعني البكاء، وفي لحظةٍ تسلَّل أخي إلى غرفتي وأنا ساهيةٌ، وسمعني أحكي لنفسي حكايةً، ثم انسحبَ من دون أن أشعر به، وانتظرني إلى أن خرجتُ إليهم، فجلس بجواري على أريكة الصالة، وبذلك الصوت الخفيض حكى لي الحكايةَ التي سمعها مني، ويا لَحكايته التي سحرتني، لم أدرِ أكانت هي حكايتي بحذافيرها؟ أم أنه تلاعَبَ فيها وحرَّفَ، إلّا أنّي طلبتُ منه أن يحكيها لي ثانيةً، فحكاها لي ثلاث مرات أخريات وأنا أزدادُ تعلُّقًا بما أسمع، حتى انتبهتُ إلى نظرة ﭬـيتالي الزاجِرة النادِمة الصافِحة، فقمتُ إليها وأحطتُ خصرها بذراعيَّ، إذ ذاك ترنّم أخي بمقولتِه التي صاغها لاحقًا في واحدٍ من كُتبِه الصغيرة:
- «عقلُنا الشاحبُ يُخفي المطلقَ عنّا».
خشخشَ فستانُها القطني المطرَّز وفاحت منه طلقةُ عطرٍ معبّقةٍ برائحة الشمس المخلوطة بالقرنفل.
أبانَت شهرزادُ رغبتَها في أن نذهبَ إلى تلك الفُسحة بين المسجديْن التي وقفتُ بها مع إيزابيل، فمضينا إلى هناك، على مبعدة سبع دقائق بالسيارة من وسط العاصمة. ولقد وقفَت شهرزاد تلقائيًا بالبقعة التي سَبَقَتها إليها إيزابيل وكأنها تُعِيدُ مشهدًا لم تَرَهُ، فأخبرتُها بأنّ تلك الوقفةَ جلبَت لنا يومذاك غِلَّ ونِقمةَ كثيرين من المارّة باختلاف صنوفهم، وأنّ إيزابيل كانت تتبعُ كُلَّ نظرة أو صوت أو إيماءة منهم بانْذِعارةٍ وارتجافةٍ ثم تعودُ فتتفقّدُ هندامَها وتناظِرُ احتشامَها وتُفتِّشُ بلا طائلٍ في حناياها عن مصدر الإغضاب ومسوِّغِ التهجُّم، وأنها كانت استباحةً هزمتني وأزْرَت بي وأهانت زائرتي فخَضَّلَت عينيْن ورعتيْن ألْهمتا الشاعرَ طمأنينةَ قلبِه قُبيل رحيله مختارًا مستقيمًا قديسًا شهيدا. شهرزاد، وقد أسبغَ عليها سموقُ المكان وذكرى إيزابيل استنارةً وإلهامًا، أشركتني في ظنونها إذْ أخبرتني أنها، بعد أن قرأَت «مَجيءٌ من الشمس» وعقب ما سمعَته مني للتوِ، تميلُ إلى أنّ إيزابيل، بشحوبها ولُطفها ورجاحتِها، هي مَن ظهرت مُموَّهةً، في قصيدة شقيقِها، على هيْأة أوفيليا.
- يا لها من إصابة يا شهرزاد! آهٍ لو أني أستطيعُ إدماجَ خاطرتِكِ هذه في روايتي!
- لكن؛ هذا الذي خطرَ لي لم يأْتِني إلّا من جرّاء قراءتي لروايتِكَ ومما حكيتَه لي الآن!
- ما الذي ترين أنّه ربما يصلُ من حياة الكاتبيِن إلى كتاباتهم؟
- قد يصل إليها ما يتجاوزُ إدراكَهم هم أنفسهم، وما يفُوقُ التوقُّع، بل ما يُناهِزُ النبوءاتِ بشؤونهم.
خلا مقعدٌ بالرواق فجلستُ مع شهرزاد ونعمنا بلُطفِ الهواء الدافق على وجهيْنا. سألتُها كيف صارت لها موهبةُ تمييز الشِّعر من خليطِه؟ فابتسمَت وسكتَت ثم نطَقَت بإيمانٍ:
- ...التي في طرفِها حَوَرٌ قتلننا...
باحَت لي بأنها، وهي في سنتِها الجامعية الأولى، سمعَت هذي الكلمات لأول مرة فصمتَت طوال يومها، لا تردُّ ولا تبادرُ مهما حدث؛ ففي لسانِها صارت تحبسُ قولًا اقتنصَته وتخشى عليه من التطايُر والانمحاء إنْ هي فتحَت ذاك الفمَ الذي لا يني يُعيدُ ويكرِّر: ثم لم يُحيين قتلانا، ثم لم يُحيين قتلانا، إلى أن وصلَت إلى مكتبة الجامعة، وحازَت تلك الكلماتِ مكتوبةً منظورةً باقيةً مصونةً، وقرأَت سطورًا قبلها وبعدها فظلَّ لها ذلك البيتُ فريدًا مُؤتلِقًا، وأيقنَت أنها قد طالَت به حُجَّةً وميزانًا على وجود الشِّعر أينما حلَّ.
- ليتَ جريرَ يعلمُ!
ضحكت شهرزاد بحبورِ طفلةٍ وضحكت بخجلِ سارِقةٍ، وكأنها تتملّى وتستكْنِه كيف أمكنَ أن يصير لها عند جرير جميلٌ وديْنٌ بينما هي المدينة له أبدا!
- هو مَن بعلاماتِه اهتديت.
لم تُنْجِ بها كلماتُها الجادة من فَوْرةِ ذلك الضحك فعادت تُقهْقِهُ، لكنها سرعان ما كتمَت صوتَها وخبّأَت وجهَها في نظّارتِها الشمسية حين التفتَت الرؤوسُ إلى ناحيتِنا تُمَقِّقُ وتستطلِع. أردتُ مواساتَها واجتذابَها من حالة الضحك؛ فمازحتُها:
- أتضحكين ممن وَهَبَكِ كنزًا وسُلطانًا؟!
فخلعَت نظّارتها ورمقَتني بتحديقةٍ واخِزةٍ مُعاتِبة، وسكتَت. ثم استلّت من حقيبة يدها ورقةً وقلمًا، وانحنت قليلًا لتكتبَ شيئًا، وبالآخر طَوَت الورقةَ وسلَّمتني إياها. «صَدَقْتَ بقوْلِ إنّه وهبني كنزًا وسُلطانًا. ثمة تَهيؤٌ تبلُغُه الكلماتُ فتتَّقد وتتوهّج ويصيرُ لها سَمتٌ غيرُ معهود إذْ تغدو، وقد شُحِنت بما لا ينفدُ من سِحرٍ وما لا ينفد من موسيقى وما لا ينفد من معانٍ تتكاثر، هي أُسُّ الشِّعر.»
غدا من النافِلِ الوشايةُ لها بأن عينيْ ضيْفتي إيزه الجميلة كان في طرفهما حَوَرٌ، أمّا ما جاء في «منامٌ مع الشِّعر» فإنّها قد أعالَته برهافةٍ، ولها أن تُطْلِقه لينالَ حظوظَه، ولها أن تقصُصَ عنه بنفسها، وأن تهديه إلى جرير، أهليّةً وإكرامًا.
(22 يوليو 2025 - القاهرة ، عابدين)
