منصورة عز الدين: أحب البيوت المهجورة والحكايات الناقصة والسيرة المليئة بالثغرات
عملي في مكان واحد مع الكاتبة المصرية منصورة عز الدين منذ عام 1998، أتاح لي رؤيتها عن قرب وهي تراكم منجزها الأدبي وتحوِّل أحلامها للكتابة إلى واقع. تمنح منصورة الصحافة اهتماماً يليق بها لكنها لا تسمح لها أبدًا بتعطيلها. كانت واعية منذ البداية بكل خطوة تخطوها، لم تُضِع وقتاً في معركة تافهة، ولم تنشغل بالضوضاء، فهي تصرف وقتها على القراءة والكتابة. إنها «دودة قراءة» حقيقية، تظلُّ تهجس بالكتاب حتى تنهي قراءته وتنتقل إلى آخر، وأيضًا كاتبة صبورة ودؤوبة ومنظَّمة لا تؤمن بانتظار الوحي، وإنما تستدعيه كلما شاءت. كانت مجموعتها «ضوء مهتز» عتبتها إلى عالم الأدب، نافذتها الصغيرة التي أنشأت حولها بيتاً وحديقة. كتبت رواية «متاهة مريم» فحازت على الاهتمام، لكن ذيوعها الكبير كان مع روايتيها «وراء الفردوس» ثم «جبل الزمرد» وما تلاهما من أعمال مهمة أخرى، آخرها مجموعتها «متحف الأخطاء». لدى منصورة فلسفة للكتابة ونظرة خاصة إلى الأدب والحياة ومكايدات الأدباء الصغيرة.
لديكِ ست روايات مقابل أربع مجموعات قصصية.. ماذا تعكس الأرقام؟
لم أفكر يومًا في المسألة على هذا النحو. الأرقام لها دلالة بطبيعة الحال، لكن في الارتكان لها وحدها درجة كبيرة من الاختزال. لا أضع القصة القصيرة بالضرورة في موقع التضاد مع الرواية، إذ لعبت في أكثر من عمل لي على المناطق البينية بين القصة القصيرة والرواية.في بداياتي كتبت قصيدة النثر ومسرحيات من فصل واحد إضافة إلى القصة القصيرة، ثم جاءت الرواية لاحقًا. خلال سنواتي الأولى في القاهرة، وجدت أن القصة القصيرة أكثر ملائمة للتعبير عن رؤيتي للعالم وهواجسي تجاهه. كانت فضاءً إبداعيًا مناسبًا لحياتي غير المستقرة آنذاك. وفي فترة قاسية خلال دراستي الجامعية التجأت إلى قصيدة النثر، وكتبتُ ديوانًا كاملًا، لم أفكر في نشره. بدا لي الشعر وقتذاك متنفَّسًا. أول كتاب نُشِر لي كان مجموعة قصصية «ضوء مهتز»، وقت صدورها في 2001 كنتُ في منتصف كتابة روايتي الأولى «متاهة مريم» التي صدرت في 2004 وتلتها رواية «وراء الفردوس» في 2009، وبمجرد صدورها كنت قد شرعت في كتابة روايتي الثالثة «جبل الزمرد». طوال هذه السنوات لم أنقطع عن كتابة القصة، لكنني كنت أكتبها على نحو متقطع، وظننتُ عند نقطة ما أنني قد لا أنشر مجموعة قصصية أخرى مستقبلًا، لكن للكتابة مساربها الخاصة وإرادتها المستقلة. هكذا اكتملت معي نصوص مجموعتي القصصية الثانية «نحو الجنون» لتصدر في 2013، ومنذ صدورها، حافظت على درجة من الموازنة بين كتابة القصة وكتابة الرواية.
ماذا تمنحك القصة ولا تستطيع أن تمنحه لك الرواية؟
أحب في القصة القصيرة أنها فن قائم على اللماحية والذكاء، عبرها يقبض الكاتب على لمحة من العالم، لكنها لمحة تقتنص جوهره، على نحو لا تفعله أعمال أكبر حجمًا. أحب فيها أيضًا أن نتيجتها تتضح لي أسرع من الرواية، وكتابتها تتطلب يقظة ذهنية كي لا تنفلت خيوطها فتغرق في الإطناب.
تعلمني القصة القصيرة فضيلة الإيجاز. تخبرني أن القليلَ كثيرٌ إن أجدنا الاقتناص، وأن القطرة قد تغني عن المحيط، والشذرة يسعها أن تلهمنا مئات الأفكار وأن تثير فينا مشاعر وعواطف لا أعمق منها. هي فن صعب ويحقق إشباعًا لي سواء خلال قراءته أو كتابته.
ما منابع السرد عندك خاصة القصة؟
لا أومن بالإلهام بمعناه القديم، أي أن ينتظر الكاتب وحيًا أو دفقة إلهام مزاجية ومتقطعة. عوضًا عن هذا، أستدعي الإلهام وأخترعه إن لم يكن موجودًا. أفكر في كل ما يصادفني أو أسمعه باعتباره مادة للكتابة. أعيش في لحظتي الحاضرة وأتعمق فيها، ولا أتعامل مع شيء كتحصيل حاصل. أترك نفسي للاندهاش والملاحظة. مع الوقت تعلمت أن أمنح التجارب والخبرات والحالات المزاجية التي أختبرها حقَّها. العيش على هذا النحو يثري الكتابة لأن فن الكتابة يبدأ من العيش بفن.بعض قصصي نبعت من حلمٍ عابر أو من جملة سمعتها عرضًا أو من تفصيل بسيط نافر عن سياقه، أو من حلم يقظة استغرقت فيه. أحب البيوت المهجورة والحكايات غير المكتملة وسير الحياة المليئة بالثغرات. كل ما هو منقوص يجذبني ويحثني على ملئه بالخيال. من اللحظات المهمة بالنسبة لي، تلك اللحظة التي تتكوَّن فيها جملة أو عبارة غامضة في ذهني وأظل أرددها مدركة أنها باب لعالم كامل ينتظر التشييد والتشكيل. هذه اللحظة، مع كل ما تحتويه من توتر وترقب، أو ربما بسببه، أهم عندي من «لحظة» الانتهاء من العمل.
يصل الخيال عندك إلى حدود الشطح ومع ذلك تبقين الواقع في الخلفية.. ماذا تمنح لعبة المزاوجة بين الواقع والخيال للكتابة؟
الخيال مفتتح علاقتي بالكتابة، لأنها بدأت عندي من أحلام اليقظة ومن تحليقات مخيلتي في أراضٍ بعيدة منذ الطفولة. في عالم خلا من الإنترنت ومن كل وسائل التسلية والإلهاء المتاحة لأطفال اليوم، كان الخيال وسيلتي لتوسيع عالمي وتشييد عوالم بديلة. حدث هذا حتى قبل أن أتعلَّم القراءة والكتابة، وساهمت الحواديت الشعبية المروية على لسان الكبار في عائلتي في شحذ مخيلتي وتمويه الحدود بين الواقعي والمتخيل.من جهة أخرى، لديَّ تحفظات على النظر إلى الواقع باعتباره مفهومًا ثابتًا؛ كثير من الأشياء شديدة الواقعية اليوم كانت شطحات خيال في السابق، محادثات الفيديو مثلًا أو حتى المكالمات الهاتفية لو كُتِبَت في رواية من روايات القرن الثامن عشر لبدت أمورًا غرائبية. والنجوم التي نراها ليلًا في السماء يخبرنا العلم أنها اندثرت قبل آلاف السنين.
الروائي الصربي دانيلو كيش مثلًا كان يرى أن الواقع هو ما لا يُرى بالعين المجردة، والفيلسوف والمفكر الأمريكي ألفونسو لِنجيس كتب عن امتزاج الحقيقة بالأوهام في كل ما يحيط بنا تقريبًا. وعلى المنوال نفسه، أرى أن كتابتي، حتى في أشد تجلياتها غرائبية، واقعية تمامًا، لكنها تعبر عن واقع مركب تمتزج فيه الأحلام والهلاوس والغيبيات باليومي والعابر. أي أن لعبة المزاوجة بين الواقع والخيال تمنح قدرة أكبر على اقتناص تركيب الواقع وإشكاليته وعناصره غير المرئية.
لماذا لديكِ ذلك الولع بتسمية الطيور والنباتات والأماكن ورسمها بدقة؟
أرى أن هذا أمر طبيعي وجزء من جماليات الكتابة وخاصة كتابة المكان. وكما تعرف، للأماكن حضورها البارز في كتابتي سواءً عبر رسم تفاصيل المكان باعتباره أحد أعمدة العمل الرئيسية، أو عبر القبض على تأثيره على الشخصيات الفنية وإبراز التفاعل بينه وبينهم. حين أرسم مكانًا ما لا أكتفي فقط بطوبوغرافيته وجغرافيته، ويمتد اهتمامي إلى روائحه وأصواته وطيوره ونباتاته وطقسه وأساطيره والغيبيات التي يؤمن بها من يعيشون فيه. لا تكون هذه التفاصيل ناتئة أو فائضة عن الحاجة في أعمالي، بل منسوجة في قماشتها وملهمة للأحداث والحبكة أحيانًا. فخصائص بعض النباتات أو الطيور قد تلهمني حدثًا أو مفتاحًا لتعميق شخصية ما أو تسهم في إحكام حبكة العمل.
في قصة «نجمة الصباح» من مجموعتك «متحف الأخطاء» تطارد البطلة طيف فتاة غريبة في شوارع باريس كيف تعكس هذه الرحلة قدرة الكاتبة على خلق حيوات كاملة من مجرد نظرة عابرة؟
هذا ما أحبه في الكتابة: انطلاقًا من تفصيلة عابرة يمكن للكاتب تشييد عالم كامل اعتمادًا على مخيلته وعلى تفكيك بعض عناصر الواقع وإعادة تركيبها مجددًا. «نجمة الصباح» ميتا فيكشن ولعبة تخييل، لكنها تعتمد أيضًا على معرفة ما بباريس كفضاء مكاني، وعلى ارتباطات اسم بروين في الثقافات المختلفة. معظم قصص «متحف الأخطاء» انطلقت من تفصيلة عابرة على هذا النحو، لكن الأمر أوضح في «نجمة الصباح» لأن القصة تبدو للقارئ كأنما كُتبَت أمامه وعلى مرأى منه، فالراوية تبدو كأنما تشيِّد القصة وترتجلها في لحظة قراءته له: تُدخِل نفسها فيها وتستدعي قناعًا آخر لها بداخلها ممثلًا في كاتبة عربية تقيم في باريس، ثم تنتهي اللعبة بإقرارها أن القليل الذي تعرفه عن هذه الفتاة لا يؤهلها لكتابة قصة عنها.
لماذا اخترتِ استحضار روح شهرزاد في قصة «سرحة الغزلان»؟
«سرحة الغزلان» نص مضاد لشهرزاد مشكك في سرديتها، إذ يضع فكرة قدرة الحكاية على إنقاذ الحياة موضع المساءلة والتشكيك. شهرزاد الليالي لا تتكلم باسمها فقط، ولا أقصد هنا أنها تدافع عن بنات جنسها وفق القول الشائع، إنما أن صوتها ينطوي على أصوات أخرى مضمرة فيه وتهمس عبره. أصوات تنتمي إلى من سبقنها كزوجات لشهريار. من هنا استحضرت صوت جُلبهار الهامس لشهرزاد فيما تحكي حكاياتها.
«ألف ليلة وليلة» من النصوص التي أعود إليها دومًا، ومع كل عودة أستقرئ بين سطوره ما غاب عني في القراءات السابقة له. كُتبَت «سرحة الغزلان» على هامش أحدث قراءاتي للّيالي، رغم أنني كنت أقرأها لغرضٍ آخر، ولم يكن في ذهني وقتذاك أنني سأشتبك معها إبداعيًا مجددًا بعد اشتباكي معها في روايتي «جبل الزمرد». كل ما في الأمر أن فكرة استحضار صوت مغيَّب في متن الليالي واستنطاقه استحوذت عليَّ فلم أتردد لحظة واحدة في الاشتغال عليها.
هل يمكن أن نعتبر «لعبة الحكي» في قصصك نوعاً من المقاومة ضد النسيان؟
يمكن أن نعتبرها كذلك، أو بالأحرى هي نوع من تثبيت للزمن أو استمهاله لاقتناص ما هو عابر ومتطاير وتأبيده عبر الكتابة، وعلى هذا النحو نجدها تُضمِر بداخلها اعترافًا بسلطة النسيان باعتباره قدرًا لا فكاك منه، وكل ما علينا أن نراوغ لتأجيله إلى حين. لكنني كثيرًا ما أسأل نفسي: هل نكتب فعلًا لنقاوم النسيان أم أننا نستدعيه أحيانًا عبر الكتابة؟ نعري مخاوفنا وكوابيسنا وهشاشتنا، ونعرضها أمام الأعين الفضولية، على أمل التخلص من عبئها ووضع مسافة مفترضة بيننا وبينها.
تنقَّل السرد بين القاهرة وباريس ومناطق أخرى.. كيف يساهم هذا التباين المكاني في تعزيز فكرة البحث عن سر الوجود كما ظهر في قصة «ثوب العالم»؟
الترحال وربما التيه تيمة بارزة ومؤثرة في كتابتي. تلهمني الأماكن التي أسافر إليها، وتتجلى في نصوصي بطرق ودرجات متنوعة. وإضافة إلى القصة والرواية كتبت أدب رحلات، وأنا من محبي الأدب الجغرافي القديم. قصة «ثوب العالم» مهداة لابن بطوطة الذي تعد رحلته «تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار» من النصوص المؤسِّسة بالنسبة لي. بطل هذه القصة لا يبحث عن سر الوجود بقدر ما يهرب من سر مظلم يلاحقه طيفه وينغِّص عليه عيشه، وفي خضم ترحاله يتأمل في معنى حياته وفي فكرة الترحال ذاتها وحدود العالم.
بالعودة إلى فكرة التباين المكاني ودوره، كانت الفكرة الأولية الجامعة للمجموعة أن يتمحور كل نص من نصوصها حول امرأة وحيدة في شوارع مدينة ما. رغبتُ عبر هذا في تأمل علاقة النساء بالمجال العام، وتأثير التباين المكاني والثقافي على هذه العلاقة، لكن في مرحلة من مراحل الكتابة أدركت أن في هذا تقييدًا قد يؤدي إلى التكلف في بعض النصوص، فغيرت رأيي وانحزت إلى تنويع تيمات القصص، بحيث توجد نصوص متمحورة حول نساء وحيدات في فضاء مدينة ما، ونصوص أخرى أبطالها رجال أو تتناول غير ذلك من موضوعات. ثمة روابط بين النصوص، بطبيعة الحال، لكنها روابط مضمرة وتتنوع بتنوع تأويلات القراء لقصص المجموعة.
تستكشف نصوص «إلغاء المحبوب» تعقيدات الذاكرة والعلاقات العاطفية فكيف توازنين في هذه المجموعة بين حضور الذاكرة وغيابها؟
جدلية الذاكرة والنسيان حاضرة في كتابتي منذ نصوصي الأولى حتى روايتي الأحدث «أطلس الخفاء»، لكن حضور هذه الجدلية يختلف من عمل إلى آخر. لو تحدثت عن «متحف الأخطاء» تحديدًا، فالذاكرة في نصوصها مراوغة ومتلاعبة تشبه أحيانًا بئرًا سحيقة الغور، وأحيانًا أخرى غابة ملتوية الدروب أو دغلًا. وفي نصوص مثل «مأمورة بما لا نعلم» و«ثوب العالم» هي أقرب إلى لعنة لا نجاة منها. أما في قصة «متحف الأخطاء»، فشخصية لبنى تعيش مع ذكرياتها عن أمها وأبيها، و«متحف الأخطاء» المجازي الذي تشيده عبارة عن ذاكرة بديلة مصورة وموثقة تركز على العثرات والهنَّات.
فيما يخص النصوص الثلاثة المعنونة بـ«إلغاء المحبوب»، وهي: «رفقة ظلي» و«أبعد للمشتاق من إرم» و«تفاح نورماندي»، ما أردت تفحصه عبرها كان تعقيدات الحب والتباساته. مقاربة الحب العاطفي فنيًا أمر محفوف بفخاخ من قبيل السنتمنتالية أو الابتذال، وعادة ما تتمثل الحيل الفنية لتفادي هذه الفخاخ في التركيز على استحالة الحب أو تناول جوانبه المظلمة على نحو ما نجد في كتابات خاببير مارياس أو كارسن ماكالرز. في ثلاثية «إلغاء المحبوب» جرَّبت تناول تيمة العلاقات العاطفية عبر ثلاث رؤى وثلاثة أصوات مختلفة ومتكاملة في آن. وهذه التيمة المتمحورة حول سلطة الحب جديدة عليَّ، وأسعدني أن هذه النصوص الثلاثة لفتت نظر القراء على نحو خاص، إذ وصلتني تعليقات إيجابية عديدة حولها.
هل كان تصدير نص «رفقة ظلي» بعبارة «واتركه ترك الظبي ظله يضرب للرجل النفور لأن الظبي إذا نفر من شيء لا يعود إليه أبداً» مناسباً؟ خاصة مع البدء بعبارة تخصك تؤدي نفس المعنى هي «لطالما كنت كالظباء، لا أعود أبداً إلى شيء تركته»؟
بل كان ضروريا من وجهة نظري. بعض محددات الفن غامضة، ولا يتوقف الغرض منه على مجرد الإبلاغ، أو أن ينوب عنصر عن آخر. هذا الاقتباس من القاموس المحيط هو أحد منابع السرد في قصة «رفقة ظلي»، لذا رغبت منذ البداية في أن يكون مثبتًا في مفتتحها. في مرحلة من مراحل التنقيح حذفت الاقتباس، ثم أدركت لاحقًا أنه يضيف إلى جماليات النص، ليس فقط لإشارته لعلاقة الظل بنفور الظباء، والظل كما تعلم يلعب دورًا رئيسيًا في القصة، وإنما أيضًا لأن التجاور بين لغة القاموس المحيط في التصدير ولغة القص منح النص ككل مسحة جمالية وشعرية مبهمة.
يحمل عنوان المجموعة اسم «متحف الأخطاء».. كيف يمكن للخطأ أن يكون بداية لحكاية أجمل، وما الرؤية الفلسفية التي يقدمها هذا المفهوم للعالم؟
الأخطاء بصورها المتنوعة هي الخيط الخفي الرابط بين قصص المجموعة؛ تظهر جلية في نصوص ومراوغة أو مضمرة في نصوص أخرى. «متحف الأخطاء» قائمة على جماليات النقص أو العثرات.
في قصة «مهرجان ثربانتس» تقول الراوية: «أومن بأن حياتنا، نحن البشر، محكومة بالأخطاء. لا شفاء من هذا»، وهذه المقولة مفتاح لفهم فلسفة الخطأ في «متحف الأخطاء». أرى أن الأخطاء والإخفاقات لا غنى عنها لنا لأنها قد تمثل بداية لحكاية أجمل كما أسلفت أنت، وقد تمثل لنا لحظة كشف وإدراك نرى فيها حقيقتنا ونفهم جوهر وجودنا على نحو أعمق. مفهوم الخطأ نسبي، فما قد يراه أحدنا خطأ قد يراه آخر عين الصواب، وبعض الأخطاء تنتج عنه أوهام مفيدة أو ضرورية لاستمرار الحياة وزيادة قدرتنا على تقبل نوازلها وتحدياتها. قد يكون الخطأ أيضًا دليلًا على التجربة والمحاولة والتجرؤ على مغادرة منطقة الأمان الخاص بنا نحو فضاء السؤال واللايقين.
وُصِفت المجموعة بأنها تمنح القارئ «عيونًا جديدة»؛ فما الملامح السحرية التي تضفينها على تفاصيل الحياة اليومية لتجعلها تبدو بهذا القدر من الدهشة؟
الواقع هو منصة الانطلاق الأساسية نحو سحر الفن، حتى في حالة أكثر النصوص غرائبية. ككاتبة وقارئة لا أحب الفانتازيا الخالصة. أفضِّل مفارقة الواقع بدرجات تسمح بتفكيكه وإعادة تركيبه سعيًا لفهمه. من ناحية أخرى فإن تضفير تفاصيل من الحياة اليومية بعناصر غرائبية يضفي عليها الإقناع والمنطق، وحتى في حالة الكتابة الواقعية كما في كثير من قصص «متحف الأخطاء»، فالفيصل في انتقاء تفاصيل تخدم النص وتسهم في تأثيث عالمه وتعبِّر عن الفضاء المكاني الذي تدور فيه الأحداث.
الانتقاء الواعي هو ما يضفي السحر على تفاصيل الحياة اليومية، فالواقع ينطوي على عناصر سحرية لا تُحصى ودورنا أن نبصرها ونتبصَّر فيها. لهذا السبب أقول دومًا إن الكتابة تبدأ من خارجها؛ مِن طريقة رؤيتنا للعالم، ومِن زاوية النظر التي نختارها لمقاربة أحداثه وتأملها. لا كتابة لافتة من دون التخلص من غشاوة الاعتياد، والانتباه إلى النواقص والتناقضات والعوامل النافرة، حتى في قلب أكثر المشاهد والأحداث اتساقًا. علينا ككتاب أن نبصر الفريد بين ثنايا العادي والمكرور، وأن نلمح الألفة المتوارية في الغرابة. من ناحية أخرى للغة، إن وظفناها بحساسية وذكاء، القدرة على تحويل حتى أكثر التفاصيل عادية إلى سحر خالص.
هل القصة مظلومة مقارنة بالرواية؟
القصة مزدهرة، وما يُكتَب فيها اليوم موسوم في كثير منه بالفنية والابتكار والجرأة، لكنها لا تحظى بالاهتمام النقدي أو الإعلامي الذي تحظى به الرواية. وهذا ينعكس بالضرورة على مقروئيتها مقارنة بالرواية. أحد الأصدقاء الروائيين أخبرني يومًا أن لديه مجموعة قصصية مكتملة منذ سنوات، لكنه لم يتحمس لنشرها لأن القصص، من وجهة نظره، لا تُستقبَل بحماس موازٍ للحماس الذي تُستقبَل به الرواية. لم ينشر هذا الصديق أي مجموعة قصصية حتى الآن، لكن في مقابله هناك كُتَّاب عديدون لا يهتمون بمثل هذه التخوفات، ومنهم مَن يكتبون القصة وحدها.
أنت وجيلك على مشارف الخمسين.. ماذا اختلف في شخصيتك بمرور الزمن؟
بمجرد طرحك هذا السؤال خايلتني صورة نار، ولو التجأت لاستعارة النار، سأقول إن هذه المرحلة العمرية هي مرحلة الصفو؛ صفو في الرؤية وفي إدراك العالم والذات. مرحلة بعيدة عن براءة الطفولة واندفاعة الشباب مقدار بُعدِها عن خمول الشيخوخة وانعدام مرونتها. أدرك أن الإحساس بالزمن يختلف من شخص إلى آخر، وبالنسبة إلى الشخص نفسه يختلف من مرحلة إلى أخرى. حتى وقت قريب كان زمني سائلًا، لكن بدايةً من منتصف الأربعينيات بدأ يتماسك وبالتالي ازدادت حساسيتي تجاهه. وإن كانت بدايات الأربعينيات عندي هي مرحلة مراجعة وإدراك، فإن نهاياتها مرحلة تخلٍ عن كل ما لا يلائمني، ومؤكد أن هذا ينسحب على الكتابة وينعكس عليها.
ماذا تغيَّر في علاقتكِ بالكتابة أو في نظرتكِ إليها بمرور الوقت؟
من الصعب الإجابة عن سؤال مماثل إجابة وافية ودقيقة لأن بعض التغيرات مبهم أو مضمر ولا يمكن القبض عليه بسهولة. لكن يمكنني القول إنني منذ زمن صرتُ أنفر من التكلف والصنعة المبالغ فيها دون حاجة فنية حقيقية لها، خاصة إن ترافق هذا مع عدم تقديم العمل الأدبي جديدًا على مستوى الرؤية ومع إخفاقه في دفع القارئ للحظة تأمل وتدبر أو مراجعة لأفكاره. ومن جهة أخرى، صرتُ أكثر مرونة وانفتاحًا على أنواع أدبية كان موقفي منها حادًا في الماضي.
تشاركين في أنشطة متعددة داخل مصر وخارجها، ومع هذا يبدو كأنك فرضت على نفسك عزلة ما.. ماذا تمنحك تلك العزلة الاختيارية؟
أقدر مساحتي الخاصة كثيرًا. أحتاج إلى مسافة عن الآخرين لاستعادة طاقتي وللتأمل. حتى على مستوى العائلة، لديَّ منذ الطفولة وقتي الخاص ومساحتي الشخصية. هناك أشياء ليست متعمدة ولا مخططًا لها، هي فقط طبيعة شخصية قد تضيق بها أحيانًا، لكنها الأنسب لشخصيتك. حتى لو لم تمنحني هذه المسافة شيئًا محددًا، أرى أنني أحتاج إليها بقوة ولا يمكنني العيش بدونها، لكنها مع هذا تمنحني التفرغ لما يهمني حقًا بعيدًا عن الصخب والضجيج أو الصراع والتنافس على ما لا يفيد. أعتبر عزلتي إيجابية لأنها منتجة وتهدف إلى التركيز على القراءات المعمقة والكتابة. أي لا يوجد هنا فرض بمعناه القاسي، لكنه فقط نوع من التواؤم مع الذات وترتيب الأولويات وعدم الانجراف وراء ما لا يعنيني ولا يضيف إليَّ.
كتابتكِ بشكل ما هي امتداد للتراث العربي مع محاولة قوية لمزجه بالواقع الحالي.. ما سر ولعكِ بالتراث؟ وماذا منح كتابتك؟
أحب الكلاسيكيات عمومًا، أقرأ كثيرًا في الأساطير والميثولوجيات القديمة في الثقافات المختلفة. فثمة سحر لا يُضاهى في محاورة عقل عاش قبل عشرات القرون.
ولكون اللغة العربية لغتي التي أكتب بها وأتفاعل مع العالم من خلالها، فمن الطبيعي أن تكون علاقتي بالأدب العربي الكلاسيكي والتراث العربي أوثق من سواها. غير أنني لم أنطلق في علاقتي به من كُليَّات أو أحكام مسبقة، حدث الأمر على مدار سنوات طويلة منذ الصبا حتى هذه اللحظة، ومن خلال محبتي في البداية لنصوصٍ بعينها أو كُتَّاب وشعراء معينين. اختبرت تجارب قرائية لا تُنسَى مع طرفة بن العبد وامرئ القيس وأبي العلاء المعري والمتنبي، ثم مع الجاحظ والتوحيدي وآخرين دون أن أنسى «ألف ليلة وليلة» طبعًا. ومع كل قراءة كنت أشعر كأن بابًا قد فُتِح أمامي مُدخِلًا إياي إلى عوالم ثرية موازية. أي أنني اهتممت بهذه القراءات لأنني وجدت فيها ما يفاجئني ويثير اهتمامي كقارئة بالأساس، ولم يكن الاشتباك مع نصوص تراثية روائيًا في ذهني وقتذاك، حدث هذا لاحقًا.
وفيما يخص ما منحه تعمقي في التراث العربي لكتابتي، أعتقد أن أهم شيء هو ذلك الإحساس بالتواصل والاشتباك مع أسلاف كبار والقدرة على رؤية الأدب العربي في سياقه الممتد والبعيد.
لماذا تقولين دائمًا إن الأدب ليس مجالًا للتنافس؟
لأن هذه رؤيتي له. لا أراه مضمار تنافسٍ ولا حلبة سباق، وإنما فضاء للتحاور الخلّاق إبداعيًا مع من سبقونا ومن يعاصروننا. أكتب لأنني لا أستطيع العيش دون كتابة ولأن الكتابة طريقتي للفهم والعيش. أسعى لتطوير نصي وشحذ قدراتي ككاتبة، ولا أنشغل كثيرًا بما يحيط عملية الكتابة نفسها من أمور أرى أن الانشغال بها معطل وثقيل على نفسي. ألاحظ أن كثيرين ممن يتعاملون مع الأدب كساحة للتنافس أو حتى الصراع يتركز تنافسهم أو صراعهم على مساحات الحضور والانتشار، أي على النجاح بمعناه السطحي، لا على التجويد والإتقان.
أفهم أن يقرأ كاتب ما نصًا متقنًا لكاتب آخر فيحلم بكتابة ما يفوقه. هذه طبيعة إنسانية. لكنني لا أفهم أن يترافق هذا مع الضغينة أو محاولات التقليل من إنجازات الآخرين ومواهبهم، أو أن يتمحور التنافس على مكتسبات خارج الكتابة ذاتها.
هل قلتِ لنفسك يومًا ما مع صدور كتاب لك إنه كتاب عمري؟
يبدأ الاشتغال على أي عمل جديد بهذا الطموح؛ أن يكون أفضل ما كتبت أو على الأقل أفضل مما سبقه من أعمال. ومن حسن الحظ أننا بعد نشر العمل نتأمل المسافة بين ما طمحنا إليه وما استطعنا تحقيقه، فنبدأ السعي مرة أخرى لتقليل هذه المسافة في عمل جديد. وعن هذه المسافة المخاتلة، كتبتُ منذ سنوات أن الكتابة تمرين لا ينتهي على الأسف، لكنني أضيف الآن أنها بالمثل تمرين لا ينتهي على الأمل.
أخيرًا.. ما حلمك للأدب؟
حلمي الشخصي أن أظل أكتب وأن أستكشف أراضيَ كتابية جديدة مع كل عمل جديد. وحلمي للأدب في العموم، أن ينجو من هجمة الكتابات الآلية الباردة المنتشرة مؤخرًا في ظل الإفراط في استخدام الذكاء الاصطناعي.
