عمان الثقافي

المثقف العربي في زمن انهيار المرجعيات

25 مارس 2026
25 مارس 2026

كان هناك وقت يعرف فيه المثقف العربي، مهما تكن حدوده أو أوهامه، الأفق العريض الذي يتكلم من داخله. كان يكتب ضمن حقل من الطاقات التاريخية التي بدت، على تفاوتها، وكأنها تتقاطع عند مجموعة من الأفكار الكبرى: التحرر، والوحدة، والحداثة، والعدالة الاجتماعية، ومقاومة الاستعمار، والاستقلال الوطني، والتنوير. يمكن اليوم أن نجادل في هذه المفاهيم، بل ينبغي أن نفعل، لكن يصعب إنكار أنها كانت تمنح الحياة الفكرية شيئا من الجاذبية والوقار. كانت تعطي للكتابة وجهة تتجاوز الاستعراض الذاتي. وكانت تمنح النقد معنى عاما. وكانت تجعل الفكر مسؤولا أمام التاريخ.

ذلك العالم انحسر اليوم إلى حد بعيد.

ما تراجع ليس مجرد المفردات السياسية، ولا هيبة أنساق أيديولوجية ادّعت يوما أنها تفسر الشرط العربي تفسيرا كليا. الذي انكفأ أعمق من ذلك، الأساس الفكري نفسه، ذلك الذي جعل من المثقف شخصية تاريخية مفهومة الملامح. ومن ثم فإن أزمة المثقف العربي اليوم لا يمكن اختزالها في تضاؤل التأثير، أو انكماش عدد القراء، أو ضجيج المجال الرقمي، على أهمية هذه العناصر جميعا. إنها، في المستوى الأعمق، أزمة وظيفة. فما الذي يبقى من المثقف حين تنهار الأطر التي كانت تمنحه موقعه في التاريخ؟

طوال سنوات طويلة من القرن العشرين، لم يكن المثقف العربي مجرد معلق على الأحداث. كان يُنظر إليه، وكان ينظر إلى نفسه، بوصفه حامل مشروع. كان يقف عند تقاطع الثقافة والمصير. سواء كان قوميا أو ماركسيا أو ليبراليا أو إسلاميا أو وحدويا عربيا، أو مزيجا متقلبا من هذه جميعا، فقد عاش في عالم كانت الأفكار فيه ما تزال تطمح إلى الشمول. وكان في هذا الطموح ما قد ينقلب إلى إكراه أو سذاجة أو التباس أخلاقي، وما قد ينتج العقيدة الجامدة بقدر ما ينتج البصيرة. لكنه كان يمنح، مع ذلك، شعورا بالاتجاه. وحتى الخطأ كان يقع داخل خريطة أوسع.

اليوم، تكسّرت الخريطة. الدولة العربية، التي كانت يوما مستودع الطموح الجمعي، استنفدت في أماكن كثيرة رأسمالها الرمزي. وذوى الوعد القومي منذ زمن طويل، وتحول إلى لغة طقسية أو إلى عقيدة أمنية. واليسار، حيث ما يزال حاضرا، يعيش في الغالب حياة بلاغية منفصلة عن أي قوة اجتماعية منظمة. وخطاب التنوير ما يزال قائما، لكنه كثيرا ما يحضر بوصفه زينة ثقافية أكثر منه برنامجا تحويليا نافذا. وحتى المقاومة، التي كانت أفقا أخلاقيا وسياسيا، تعرضت هي الأخرى للتشظي والاستملاك والعسكرة والاختزال إلى شعار.

وفوق ذلك كله، تبدّل المجال العام نفسه على نحو يكاد يكون جذريا بفعل رسوخ السلطوية، والتفكك الطائفي، واستعمار السوق للثقافة، وسرعة المنصات التي تحتفي برد الفعل أكثر مما تحتفي بالعمق.

في هذا السياق، يواجه المثقف العربي عزلة من نوع خاص. لم يعد يتكلم من داخل سردية تحررية واسعة يتقاسمها مع محيطه، لكنه ما يزال يُستدعى، أو يتخيل أنه ما يزال مدعوا، إلى إبداء الرأي في أزمات مجتمعه. والنتيجة، في كثير من الأحيان، شكل من أشكال الكلام المعلّق، كلام فصيح، مشحون بإلحاح أخلاقي، لا يخلو من نفاذ، لكنه يفتقد البنية الوسيطة التي كانت تصل الفكر بالفعل التاريخي الجمعي. وكثير من الإنتاج الفكري المعاصر يحمل آثار هذه الحال. إنه يتأرجح بين الحنين إلى نماذج مستنفدة، والتكيف مع حاضر لا يرحم. ويخلط بين التعليق والنقد.

وقد أفرز ذلك شخصية تختلف عن مثقف الأجيال السابقة. ذاك كان يسعى، على نحو أو آخر، إلى إنتاج مفاهيم، وإعادة وصف الواقع، وتفكيك المسلّمات من جذورها. أما هذا فيُدفع، أكثر فأكثر، إلى تفسير الشظايا وإدارة الغضب والتفاعل مع الاستعراضات، والعيش داخل بيئة معادية للزمن الطويل. إنه أقرب إلى الحدث من الفكرة. يُستدعى باستمرار، ولكن نادرا ما يُنصت إليه بعمق. وهو، رغم ظهوره اللافت، يظل هامشيا من حيث البنية. وليس قليلا أن بعض المثقفين العرب وجدوا في هذا الحضور الاستعراضي بديلا مريحا عن مشقة التفكير العميق، حتى بدا كأنه قدر لا يريدون الفكاك منه.

هذا لا يعني أن المثقف العربي في تلك الأزمنة كان بريئا تماما. فقد كان قادرا على ممالأة السلطة، وعلى استعمال بلاغة ميتافيزيقية منفصلة عن الحياة اليومية. وكان يستطيع أن يتكلم باسم «الشعب» وهو أبعد ما يكون عنه. وكان قادرا على تمجيد الحرية وهو يبرر القمع ما دام يرتدي الزي الوطني المناسب.

كشف انهيار الأطر القديمة الحاجة إلى شكل آخر من أشكال الرسالة الفكرية التي تكون أقل كهنوتية، وأقل افتتانا بفكرة المصير التاريخي، وأقل استعجالًا للحديث باسم شعب كامل أو حضارة كاملة.

المهمة اليوم أشد عسرا لأن الأفق الجاهز لم يعد موجودا. على المثقف العربي أن يعمل من دون حماية اليقينيات الموروثة، ومن دون أن يستسلم في الوقت ذاته لإغراء التشظي. عليه أن يستعيد العمل البطيء في صناعة الفروق، في ثقافة تحتفي بالتبسيط والتسطيح.

هذا لا يعيد للمثقف سلطته القديمة، ولا ينبغي له أن يفعل. فالزمن الذي كان فيه الكاتب أو الناقد أو الأستاذ الجامعي يتخيل نفسه صاحب رسالة تاريخية قد انقضى، وربما كان انقضاؤه مستحقا.

لكن إمكانا آخر ما يزال قائما، أن يستعيد المثقف وظيفته بوصفه صوتا نقديا يرفض التواطؤ، ويقاوم ابتذال المعنى، ويعيد وصل الفكر بالحياة من دون أن يذوب في ضجيجها. مثل هذه الشخصية لن تحظى على الأرجح باحتفاء جماهيري واسع، وقد لا تملك حتى سندا مؤسسيا متينا، لكنها قادرة على الحفاظ على المساحة التي يستطيع فيها المجتمع أن يفكر ضد عاداته القسرية.

المأزق الحقيقي أن المثقف العربي يقف اليوم وسط أنقاض المشاريع المهزومة، والدول المأزومة، والهويات المسلّحة، من غير أن ينجح بعد في إنتاج اللغة التي تتيح له تجاوز هذا الخراب. وهذا هو امتحانه الأعمق: لا أن يستعيد سلطة ماضية، بل أن يبتكر موقعا جديدا للفكر في زمن فقدت فيه الأفكار الكبرى سلطانها القديم. tttt

عاصم الشيدي كاتب ورئيس تحرير جريدة «$»