سلحفاة بثينة في مرايا العظمة!
21 فبراير 2026
21 فبراير 2026
في الكتابة الإبداعية ثمة أفكار لا يمكن أن تتكرر مرتين دون أن تتهم الثانية بانتحال الأولى، وفي أحسن الأحوال بتقليدها. على سبيل المثال لا يكاد يتحدث أحد عن رجل استيقظ من نومه فوجد نفسه قد تحول إلى حشرة ضخمة دون أن يحيلنا إلى قصة كافكا الشهيرة، ولا يمكن أن نقرأ أن شخصا أو عدة أشخاص حبسوا في خزان دون أن نتذكر «رجال في الشمس». مثل هذه الأفكار تلتصق باسم مبدعها الأول، حتى تصبح استعادتها استدعاء له بالضرورة، وإن حاول من يأتي بعده أن يضيف إليها أو يحذف منها، للإيحاء بأن فكرته هو الآخر أصيلة، وأنه لم يستعرها من أحد.
أسوق هذه المقدمة لأتحدث عما أعده انتحالا دراميا لقصة قصيرة، رغم اختلاف الوسيطين المقدمين للفكرة. ذلك أنه من الصعب أن نقرأ قصة «حظ السلاحف» للكاتبة العراقية بثينة الناصري، ثم نشاهد حلقة «رايحين سيران» من مسلسل «مرايا» لياسر العظمة، ونكتفي بالتعليق أنه مجرد «توارد خواطر»، فالفكرة هي نفسها في العملين، والبطلة هي السلحفاة الصغيرة التي تصبح بالصدفة، رفيقة رحلة لأسرة مكونة من أب وأم وابنيهما، فتتحول إلى محور الحدث الذي تتكثف حوله دلالات الحظ والمصير. ولأن القصة هي الأسبق في النشر، إذ نشرتها بثينة عام 1994 ضمن مجموعتها القصصية «وطن آخر»، في حين بثت الحلقة بعد ذلك بأربع سنوات (أي في عام 1998)، فإنه يمكننا الحديث هنا عما يمكن اعتباره انتحالا وقع فيه ياسر العظمة؛ الذي كتب في تترات المسلسل أن الحلقات من تأليفه وإعداده، وأن ثمة مشاركين له في الإعداد هما مازن طه، ودلع ممدوح الرحبي، دون أية إشارة في حلقة «رايحين سيران» لكاتبة القصة بثينة الناصري، وهو ما يفتح باب التساؤل حول الحدود الفاصلة بين الاقتباس والتأثر والانتحال.
ولكن ما وجه التشابه بين حلقة «مرايا» وقصة بثينة؟ في العملين تظهر السلحفاة على الطريق بعد أن تبدأ العائلة رحلتها خلال العطلة الأسبوعية، وخلال توقف السيارة البسيط، في «حظ السلاحف» في محل دخله الطفلان مصادفة، وفي حلقة «مرايا» في الشارع العام. وفي العملين تحمل الأسرة السلحفاة معها في الرحلة بدافع الاعتقاد الشعبي بأنها تجلب الحظ، وتتشابه حتى بنية الأسرة نفسها، المؤلفة من أب وأم وطفلين، مع اختلاف طفيف في كون الطفلين ذكرين في القصة، مقابل ولد وبنت في الحلقة. ويتكرر أيضا الحوار نفسه حول التفاؤل بالسلاحف، إذ تصفها الأم (مها المصري) في الحلقة بأنها «مبروكة»، وهي الكلمة نفسها التي استخدمتها بثينة في قصتها، كما يرد في العملين الحديث عن العمر الطويل للسلحفاة، وأنها قد تعيش أكثر من مائتي سنة، وفيهما كذلك يأتي الإصرار على الاحتفاظ بالسلحفاة من الأولاد، ثم يسأل الأب عن الاسم الذي سيطلقونه عليها، فيختارون لها اسما مؤنثا؛ «شيرين» في القصة، و«كاسندرا» في الحلقة، في تفصيل متطابق يكشف مدى تقارب البناء السردي. ويستمر التشابه حتى لحظة الانكشاف، حين يتحول الحظ المنتظر إلى عكسه، فتخرج السلحفاة من السيارة في العملين وتواصل طريقها وحدها. ففي «رايحين سيران» تغادر السلحفاة السيارة المعطلة وتمضي في الشارع، وفي قصة «حظ السلاحف» تكون الكائن الوحيد الذي نجا من حادث انقلاب السيارة. هكذا تتطابق الفكرة، وتتقاطع تفاصيلها الدقيقة، بما يجعل الصلة بين العملين أبعد من مجرد تشابه عابر، وأقرب إلى إعادة إنتاج لفكرة سبق أن استقرت ملامحها كاملة في نص بثينة الناصري.
غير أن المسألة تتجاوز حدود التشابه الفني، وتمتد إلى قضية أوسع تتعلق بسياق الحماية القانونية والثقافية التي كانت تحيط بالإبداع العربي آنذاك. فعندما نشرت بثينة قصتها عام 1994، كانت تتحرك داخل فضاء ثقافي لم تكن فيه الملكية الفكرية تتمتع بالصرامة التي تكفل حماية النصوص من التداول دون نسبتها إلى أصحابها. وبعد أربع سنوات، ظهرت الحلقة التلفزيونية التي أعادت إنتاج الفكرة نفسها دون إشارة إلى مصدرها، في وقت كان فيه الاقتباس غير المعلن يمر غالبا تحت مسميات مثل «الإعداد» أو «المعالجة». ثم جاء انضمام سوريا إلى اتفاقية برن لحماية المصنفات الأدبية والفنية عام 2004، ليمنح النصوص إطارا قانونيا دوليا يعترف بحقوق أصحابها ويقر بضرورة نسبتها إليهم. غير أن هذا التحول جاء متأخرا فيما يخص نص بثينة، الذي كان قد دخل بالفعل في دورة تداول أوسع دون أن يحمل اسمه معه بالقدر نفسه. وهكذا تصبح قصة «حظ السلاحف» شاهدة على مرحلة كان فيها النص أكثر عرضة للانتقال من وسيط إلى آخر، في ظل ضعف أدوات الحماية الفكرية وضعف الوعي بها.
في النهاية، تمضي سلحفاة بثينة الناصري في طريقها وحدها، كما فعلت في القصة، وكما فعلت خارجها أيضا، ولعلها حدثت نفسها وهي تمشي بهدوء أن الحكايات قد تسافر بعيدا، وأن الأسماء قد تتأخر عن الوصول. غير أن النص يحتفظ بذاكرته الأولى، ويعرف اليد التي أطلقته إلى العالم، حتى لو تبدلت الوجوه والوسائط. واستعادة هذه القصة اليوم بعد أكثر من ثلاثين عاما على ظهورها الأول للنور ترد شيئا من الحق إلى صاحبته، وتذكر بأن حق المؤلف يبقى حيا حتى حين يظن بأنه غاب.
سليمان المعمري كاتب وروائي عُماني
