وادي الجزي
د. محمد بن هلال الكندي -
تشتهر ولاية صحار بوجود مجموعة من الأودية الجميلة مثل أودية الجزي وعاهن وحيبي والحلتي والصلاحي وغيرها، وهي أودية تجمع بين الجمال الطبيعي والقيمة التاريخية والجيولوجية، فعلى ضفاف هذه المجاري المائية نشأت حضارات قديمة اعتمدت على مواردها الطبيعية، وقامت واحات غناء منذ آلاف السنين شكلت مراكز استقرار بشري مبكر. ويرتبط تاريخ هذه الحضارات ارتباطا وثيقا بصناعة النحاس التي ازدهرت منذ أواخر العصر الحجري الحديث، حتى أصبحت أرض عمان المعروفة في النصوص القديمة باسم مجان، مركزا عالميا لإنتاج النحاس خلال العصور البرونزية. وقد كان المصدر الرئيس لهذا المعدن الثمين هو صخور الأفيولايت النارية التي تحيط بهذه الأودية.
وكثيرا ما يتردد ذكر صخور الأفيولايت عند الحديث عن جيولوجية عمان، فما المقصود بها؟ تمثل هذه الصخور في حقيقتها جزءا من صفيحة محيطية قديمة اندفعت واعتلت الجزء الشمالي من عمان قبل ملايين السنين، وهي تعود إلى محيط قديم يعرف بمحيط التيثيس، الذي لم يتبق منه اليوم إلا بحر عمان بعد أن تقلصت مساحته نتيجة تقارب الصفائح القارية وتصادمها عبر الزمن الجيولوجي. وقد حملت هذه الصفيحة المحيطية إلى اليابسة سجلا متكاملا لبنية القشرة المحيطية وطبقاتها، بما تحويه من دلائل جيولوجية وبيئية وحيوية، الأمر الذي جعل جبال عمان، وبخاصة مواقع مثل وادي الجزي قبلة للعلماء من مختلف أنحاء العالم لدراسة أفضل نموذج مكشوف للقشرة المحيطية على سطح الأرض.
ويعد وادي الجزي من أبرز هذه المواقع، إذ يمتد من ولاية صحار شرقا إلى ولاية البريمي غربا بطول يقارب خمسين كيلومترا، مشكلا ممرا طبيعيا قديما يربط الساحل بالواحات الداخلية. ويمر الوادي بعدة قرى منها السهيلة وواسط وصهبان والجاهلي والخان، وكان عبر التاريخ منفذا استراتيجيا بين سواحل عمان ومناطقها الداخلية. وفي هذا الوادي ازدهرت حضارة مجان وصناعة النحاس، حيث تنتشر المناجم الأثرية القديمة ومواقع المصاهر والأفران والمقالع التي تعود إلى العصور البرونزية، شاهدة على نشاط تعدين مكثف استمر قرونا طويلة. وتحيط بالوادي قمم صغيرة حادة ذات لون بني داكن، تمثل صخور أفيولايت جبال عمان التي تعد من أكمل وأوضح المقاطع الجيولوجية للقشرة المحيطية في العالم.
ومن أبرز الظواهر الجيولوجية المرتبطة بصخور الأفيولايت الحمم الوسادية، وهي كتل بازلتية مستديرة أو بيضاوية تشبه الوسائد أو البالونات المتراكمة فوق بعضها. وقد تكونت هذه الحمم نتيجة اندفاع الصهارة عبر صدوع وسط المحيطات، وهي الفواصل التي تفصل بين صفائح القشرة الأرضية. وتعد هذه الصدوع منافذ طبيعية لصعود الصهارة من باطن الأرض، وهي من الخصائص الديناميكية التي تميز كوكب الأرض وتسهم في تجدد قشرته. ويمكن مشاهدة الحمم الوسادية بوضوح في عدة مواقع من وادي الجزي، خاصة بالقرب من قرية السهيلة، حيث يوجد أحد أجمل المشاهد لرؤية هذا النوع من الصخور على مستوى عمان والعالم.
وتتألف الحمم الوسادية من صخور البازلت الغنية بالمعادن، ومن بينها خامات النحاس التي ارتبطت بها معادن أخرى مثل الذهب والفضة بنسب قد تكون اقتصادية في بعض المواقع. وتظهر ترسبات أكاسيد النحاس بلون برتقالي داكن مميز، وهو اللون الذي اهتدى به العمانيون الأوائل إلى أماكن الخام واستغلاله. كما يضم الوادي قواطع نارية تمثل مسارات صعود الصهارة في شقوق القشرة المحيطية القديمة، إضافة إلى صخور الجابرو التي تتكون في أعماق أكبر داخل حجرات الصهارة تحت قاع المحيط.
وفي الجزء الغربي من وادي الجزي تنكشف صخور تمثل طبقة الوشاح الأرضي، أو ما يعرف بالدثار، وهي صخور فوق قاعدية غنية بمعادن الزبرجد الزيتوني والبيروكسين، وتتميز بارتفاع نسبة المغنيسيوم فيها. وتخضع هذه الصخور لتفاعلات كيميائية مميزة عند تعرضها للماء وثاني أكسيد الكربون؛ حيث تتكون معادن كربونات بيضاء نتيجة تفاعل الزبرجد الزيتوني مع الماء وثاني أكسيد الكربون. ويسهم هذا التفاعل في خفض تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي بشكل طبيعي، مما يمنح هذه الصخور أهمية بيئية متزايدة في سياق الدراسات الحديثة المتعلقة باحتجاز الكربون. وينتج عن هذه التفاعلات في بعض المواقع برك ذات ألوان بيضاء أو زرقاء مميزة، كما هو الحال في عين صهبان بوادي الجزي؛ حيث تتراكم ترسبات الكربونات مكونة مناظر طبيعية فريدة. وقد تؤدي هذه الترسبات إلى نشوء مصاطب ومدرجات طبيعية تضفي على الوادي جمالا إضافيا، يجمع بين روعة الجيولوجيا وعمق التاريخ الإنساني.
وهكذا يشكل وادي الجزي نموذجا متكاملا يربط بين تاريخ الأرض العميق وحضارة الإنسان المبكرة، ويجسد في تضاريسه وصخوره قصة محيط قديم تحول إلى جبال شاهقة، وصخور بحرية أصبحت أساسا لازدهار واحدة من أقدم صناعات المعادن في العالم.
