No Image
روضة الصائم

تجليات رقمية للكتاب العماني

20 فبراير 2026
د. سالم بن سعيد البوسعيدي
20 فبراير 2026

يقول الدكتور هادي حمودى في مقدمة كتابه «علماء عمانيون عبر التاريخ، أينما نظرت في متون التراث وحواشيه لابد أن ترى العمانيين يطلون عليك باعتبارهم رواد العلم والحضارة، استهلوا دورهم الحضاري بصياغة مجد العرب والمسلمين، فأول من وضع أسس البحث المنهجي العلمي جاء من تلك الديار، وأول من كتب تفسيراً شاملاً للقرآن الكريم من أهل تلك الديار، وأول من نقل العلم اللغوي إلى ميدان الحديث النبوي انتمى بملء اختياره إليهم، وأول من وضع معجماً طبياً علميا يعود في أرومته إلى مدينتهم، ولك أن تعدد ما شاء لك التعداد، فلن تصل إلى آخر الشوط معهم، لأن فيهم لغزاً عصياً على الفهم حقاً".

حقا لا نميل إلى تلغيز دور اليراع العماني وأسطورته، وإعطاء هالة ساحرة حوله، وإنما ميل إلى تقديم صورة موضوعية، قائمة إلى تجلية الحقائق، وأصدق تلك الحقائق لغة الأرقام، وهو ما قام به الباحث القدير سلطان الشيباني في كتابه البديع "مفتاح الباحث العماني" ونحن نقف أمام قوله "وأنبه أولاً هنا إلى أن تقديم أرقام دقيقة في هذه الدراسة رهن بتصور شامل للمخطوطات العمانية يعتمد على فهرستها فهرسة تفصيلية متقنة، وهو أمر نفتقر إليه، وستظل تبعاته تلاحقنا ....ثم أؤكد ثانيا: أني أوليت التراث العماني المؤلف من طرف العمانيين الاهتمام الأكبر في القائمة التي وضعتها، ولم أعتن برصد تراث غيرهم المحفوظ في المكتبات العمانية، إلا ما جاء عرضا".

كما لا بد من الإشارة إلى جهد الباحث المختصين الدكتور موسى بن ناصر المفرجي، والدكتور خلفان بن زهران الحجي في كتابهما المعنون ب "الإنتاج الفكري العماني: دراسة تحليلية للمؤلفات العمانية الموسوعية".

(2)

كان العمانيون سباقين في الكتابةِ والتأليف منذ القرون الأولى للإسلام، فقد برز منهم المفسرون والمحدثون والفقهاء والخطباء والبلغاءُ والأدباء والعلماء في كل المجالات بدءا بالدين وليس انتهاء بالطب والبحار والفلك. فالتراثُ الفكري العماني فسيفساءٌ متنوّعةُ الألوان، متجانسةُ الأبعاد، تماما كما تجتمع الفسيفساءُ لتشكّل لوحةً فنية خلابةً، متناسقةً في اجتماعها، لتشكلّ هويةَ عمان الفكرية.

يحسب للتراث الفكري العماني تنوعُه في الرأي، وتعددُه في المذاهب، وتباينُه في التوجهات، ومرجع ذلك التنوّعُ العرقي والديني والمذهبي في هذا البلد، وتعايش أبنائه. وفي كتابه البديع "مفتاح الباحث العماني" يشير سلطانُ الشيباني إلى إحصائياتٍ بديعة:

فمجموع آثار العمانيين بدون المكرر هو ألفٌ وتسعمائة واثنان وأربعون عنوانا، أما مجموع النسخ المخطوطة المكررة تصل إلى سبعةِ آلافٍ وثلاثمائةِ مخطوطة.

ويبلغ عددُ المؤلفين من علماء عمان ألفاً وستمائةٍ وأربعةً وعشرين مؤلفا.

ونجد ثلاثةَ مؤلفين في القرن الأولِ الهجري/ السادسِ الميلادي، وهم: جابرُ بن زيد وسالمُ بن ذكوان الهلالي وصحارُ بن العباس العبدي.

ويبلغ ذروة والنتاج الفكري العماني يبلغُ ذروتَه بين سنتي ألفٍ ومئتين وخمسين للهجرةِ وألفٍ وثلاثمائةٍ وخمسين. [1250هـ - 1350 هـ.]

(3)

تعتبرُ المؤلفاتُ العمانية في المجالِ الديني هي الأكثر عددا، والأسبقُ حضورا، بدءا من مؤلفاتِ جابرِ بن زيد. كما أنها تحتفظ بميزة أخرى، تتمثّل في العملِ الموسوعي الذي يفوقُ في حجُمه أيَ عملٍ موسوعي في العالمِ العربي أجمع، ومن الأعمال الموسوعية للعمانيين

كتابُ [قاموس الشريعة] للسعدي، ويقعُ في أكثرِ من تسعين جزءا.

كتابُ بيان الشرع للكندي، ويقع في أكثرِ من سبعين جزءا.

كتابُ المصنف، للكندي ويقع في أكثرِ من أربعينَ جزءا.

منهجُ الطالبين للشقصي ويقع في عشرين جزءا.

ويبلغُ مجموعُ أجزاء الموسوعاتِ المطولة ما يقربُ من المئتين واثنين وعشرين جزءا، ويبلغ عدد نسخها الخطية 1212 نسخة بمعدل 5 نسخ لكل جزء.

وأكثر المؤلفين تأليفا من حيث عدد الصفحات جميل السعدي الذي ألف أكبر موسوعة عمانية تقع في أكثرِ من تسعين جزءا، حيث يصلُ متوسطُ عددِ صفحاتِ كل جزء إلى ثلاثمائةِ صفحة، ولذا فالمؤلف دوّن ما يقارب من سبعةٍ وعشرين ألف. وأما أكثرُ المؤلفين إنتاجا من حيث الفترةُ الزمنية ومتوسطُ عمره، فهو نورُ الدين السالمي الذي ترك ثلاثةً وأربعين مؤلفا، تبلغ مجموعُ صفحاتِها ثلاث عشرة ألفا وستمائةٍ وعشرين صفحة. وتنوّعت أشكال هذه الكتبِ بين الموسوعاتِ الفقهية الضخمة، والمختارات وكتبِ والفتاوى، وكتب السيرِ والجواباتِ، والمنظوماتِ العلميةِ.

(4)

ففي التأليف اللغوي والأدبي، نجد أن للعمانيين السبق في هذا المجال، فكان أولُ معجم في العربية -وقيل في الدنيا كلها- معجمَ العين للخليل بن أحمد الفراهيدي، وكذلك برزت في الأدب مؤلّفات المبرّدِ وكتاباتُ ابن دريد. واهتم العمانيون باللغة العربيّة في مختلف فنونها، وتبلغ المؤلّفات العمانيّة في هذا المجال ما يقارب السبعين مؤلّفاً معروفاً على الأقل، مختلفة الشكل بين تأليفٍ وشرحٍ واختصارٍ ونظمٍ ونثر، متنوّعة في المستوى اللغويّ بين الدلالة والصرف والنحو والبلاغة والعروض.

لقد أحب العمانيون الشعر وأغرموا به، وبقيت دواوين شعرائهم شاهدة على ذلك الانحياز. وبلغ شغفهم بالشعر أن نظموا علوم الدين والفقه والفلك والطب ومعظم علوم المعرفة على هيئة أراجيز وأشعار علمية. وليس من باب المبالغة إذا ذهبنا الى أن ديوان الشعر العماني يمثل ثلث ديوان الشعر العربي القديم، كما يقول هلال الحجري في كتابه "حداثة الأسلاف". فهذا سالم بن حمود السيابي صاحب أكبر نظم علمي في العالم العربي قديما وحديثا حيث زادت أبيات كتابه إرشاد الأنام في الأديان على مائة وعسرين ألف بيت. ونظمه في هذا الكتاب يقاربُ ضخامةَ نظم معاصره محمد بن شامس البطاشي الذي بلغ مائة وأربعة وعشرين ألف بيت في كتابه "سلاسل الذهب" وهو أضخم موسوعة نظمية عربية.

(4)

أما التأليف العماني في المجال التاريخي، فقد تميز عن غيره بخصائصَ مرجعها إلى أمرين: الأول: إثباتُ أن عمان دولةً منذ ما قبل الإسلام، وعليه فهذه الكتب اعتنت بتاريخِ عمان خصوصا، ولم تلتفت إلى تاريخِ الدولة الإسلامية إلا بقدر تداخلها مع التاريخ العماني. والأمرُ الثاني: إثباتُ هوية عمان وخصوصيتِها الثقافيةَ والاجتماعية. وعليه فنحن نجدُ في هذه الكتب تأصيلاً للحس الدينيّ والوطنيّ الذي رافق عمانَ طوال قرون الإسلام.

وتتميز كتبُ التاريخ العماني أيضا بأنها تزخرُ بمادةٍ وافرة في فقه السياسة الشرعية، وقواعد الحرب وحقوق الإنسان والأدب. كما تتميزُ بما يسمى "السير" التي ظهرت بدءا من القرونِ الهجرية الأولى حتى القرن 10هـ/16م وهي رسائلُ -في معظمها- ذاتُ طابع سياسي تعبّرُ عن وجهة نظر كاتبها حولَ مسألةٍ مثارة من الواقع السياسي أو الاجتماعي أو الديني المحيط بالكاتب أو سابق عليه، و"السير" لون عُماني خاص في كتابةِ التاريخ والفكرة، ونتاجُ تجرِبة عُمانيةٍ، في بنيتها وموضوعها وسماتها الخاصة. ومن أهم كتب السير سيرة الإمام ناصر بن مرشد لعبد الله بن خلفان بن قيصر الصحاري (حي: 1075هـ/1665م).

وللحديث بقية.