No Image
روضة الصائم

فتاوى :يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان

20 فبراير 2026
20 فبراير 2026

- توجد آيتان في سورة الأنعام، الأولى تصف الزيتون والرمان بقوله تعالى: «مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ»، وفي الآية الثانية: «مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ»، ما الفرق بين المصطلحات؟

ينبغي علينا أولًا أن نعرف معنى الاشتباه والتشابه، لأنها من نفس الجذر، هذا الجذر جذر الشبه، الشين والباء والهاء يدل على التقارب والتماثل، فكلا المفردتين تدلان على شدة التقارب والتماثل في الأوصاف، فإن ثبت هذا، فلما جاءت في سورة واحدة في الموضع الأول ربنا تبارك وتعالى يقول: «مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ»، ثم قال بعد ذلك: «مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ».

الاشتباه هو الالتباس لشدة التماثل وشدة التقارب في الأوصاف، فهو التباس يحصل عند الناظر من شدة تماثل ما يراه، فيلتبس عليه ما يراه، فيظن أن الشيئين شيء واحد من شدة التشابه بينهما، نعم، هذا اشتباه، ولذلك قال في الموضع الأول: «مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ»، هذا اشتباه يحصل للناظر من شدة التماثل فيما يرى، فيظن أن هذه الأشجار بأنواعها أنها متماثلة.

ثم قال: «مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ»، هنا سببان: السبب الأول هو ما ذكره بعض المفسرين من أن العام الأغلب ـ وهو غير مطرد تمامًا في القرآن الكريم ـ لكن في العام الأغلب إذا وردت كلمتان من نفس الجذر، أي مشتقان من نفس الجذر اللغوي، فإن القرآن الكريم يبدأ بالأخف منهما بقطع النظر عن الدلالة، وإنما من حيث اللفظ.

فلفظ صيغة الافتعال: الاشتباه أيسر من التفاعل: التشابه، وهذا له نظائر في القرآن الكريم، بدأ أولًا فقال: «فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ» ثم قال في طه:«فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ» فله نظائر، قلت في العام الأغلب ما لم يحتم السياق غير هذه القاعدة، وإلا فالأصل أنه يبدأ بالأخف وزنًا وسماعًا ثم ينتقل بعد ذلك إلى الأشد، وهذا صحيح في هاتين الآيتين من سورة الأنعام.

السبب الثاني هو السياق القرآني، فإن السياق في الموضع الأول هو سياق بيان قدرة الله تبارك وتعالى، والذي يناسب بيان عظيم قدرته جل وعلا هو أن تكون شدة التماثل والتشابه مما يورث الناظر توهم التطابق والتساوي، فوجوه التشابه كثيرة، ففي كل نوع من هذه الأنواع المذكورة من الزيتون ومن الرمان، في كل نوع منها تجد أن الشجرة هي ذات الشجرة، أي ذات الصنف من الأشجار، لكن فيها ما يتشابه في الورق والجذوع والسيقان والشكل والثمار، ثم في الطعم وغير ذلك من الصفات والخصائص، وفيها ما لا يتشابه، وهي تنتسب إلى نفس النوع من الأشجار.

فالدال على عظيم قدرة الله تبارك وتعالى أن يكون هذا التشابه شديدًا يورث الناظر مزيد التباس وتوهمًا بالتطابق، ولذلك قال: «مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ».

أما السياق الثاني، الآية الثانية من الأنعام فهي في سياق تعداد ما يمتن الله عز وجل به على عباده من المطعوم والمأكول، نعم، فهنا لا حاجة إلى الحديث عن القدرة، وإنما هو لبيان ما يلفت أنظارهم إلى هذه الحقيقة: أن هذه الأصناف التي تتناولونها انظروا إلى ما أنعم الله عز وجل به عليكم، فهي ذات الثمار، ولكن منها ما هو حلو ومنها ما هو حامض ومنها ما هو بين ذلك درجات متفاوتة، فهناك تشابه وهناك غير تشابه، هذا هو المقصود، والله تعالى أعلم.

- هناك من كلف نفسه البحث في هذا التشابه ليجد تطابقًا ربما بين الجوافة وبين الرمان من حيث وجود الحب في داخلها، فقال إن الزيتون في القرآن الكريم المقصود به هو الجوافة وليس المقصود به الزيتون المعروف المتداول، والذي يكون له زيت في العادة، فما رأيكم في هذا النوع من التفسير أو في هذا النوع من الرأي إن صح التعبير؟

هو اجتهاد من صاحبه، وصاحب هذا الرأي بعث إلي كتابه واطلعت عليه، وفاتته أشياء كثيرة من الأدلة، ولذلك فالنتيجة التي وصل إليها لا أتفق معه عليها، كما لا يتفق معه كثيرون من أهل العلم ومن المفسرين ومن المشتغلين بكتاب الله عز وجل.

فأول ما يلحظ هو معنى الزيتون في كتب اللغة، في معاجم اللغة، فنحن إذا رجعنا إلى معاجم اللغة سنجد أن وصفهم للزيتون وتعريفهم لهذه الشجرة إنما هو لما يعرف بالزيتون الشامي، وليس لما نعرفه نحن في بلداننا بالجوافة، وإن كانت تسميتها الشائعة عند عموم الناس في هذا الإقليم أنها زيتون، لكنها هي ثمار الجوافة.

إذا عدنا إلى كتب معاجم اللغة كما قلت سنجد أن تعريفهم للزيتون هو تعريف شجرة الزيتون الشامي، وينصون على أنه الزيتون الشامي، نعم، بدءًا من الخليل بن أحمد الفراهيدي في معجم العين، ولم يذكر الزيتون إلا بالزيتون الذي يستخرج منه الزيت ويدهن به ويستعمل صبغًا للآكلين.

ثم إن شجرة الجوافة لم تكن معروفة إلى ما قبل القرن السادس عشر الميلادي، جلبت من أمريكا اللاتينية عن طريق البحارة والتجار والرحلات، فكيف يتحدث القرآن الكريم عن شجرة لا يعرفها العرب.

وأيضًا في قول الله تبارك وتعالى في سورة المؤمنون: «وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ» ، هذه المنافع لا تصح إلا لزيت الزيتون، وكذلك في سورة النور: «يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ»، هذه الأوصاف لا تصح إلا لزيت الزيتون.

ثم إن الآية لا تتحدث عن التشابه بين الزيتون والرمان، وإنما في كل صنف من هذه الأصناف المذكورة مما أظهر الله به عظيم قدرته أو مما امتن به على عباده، فإن كل نوع منها فيه المتشابه وفيه غير المتشابه، هذا باختصار شديد ما يرد على ما توصل إليه الباحث، والصواب هو ما عليه المفسرون وأهل العلم، أن الزيتون المقصود إنما هو الزيتون الشامي المعروف، والله تعالى أعلم.

- في قوله تعالى: «قال إنك من المنظرين»، وفي آية أخرى: قال «فإنك من المنظرين»، ورد لفظ المنظرين في سياق الحديث عن إبليس بصيغ الجمع، هل هذا دليل على أن هناك عددًا من المنظرين؟ ومن هم المنظرون؟ وهل السامري من ضمن المنظرين أيضًا؟

أنا لم أطلع على أن أحدًا من أهل العلم قال إن السامري قد أُنسئ له إلى آخر الزمان، لم أطلع على هذا القول، والأصل أنه كسائر بني البشر، أما لما قال ربنا تبارك وتعالى: من المنظرين، فالمنظرون هم الذين يؤخرون إلى وقت قيام الساعة، فالمنظرون هم كل من تقوم عليهم الساعة وهم أحياء، كل من كان موجودًا حيًا الوقت المعلوم.

فلذلك أُخّر إبليس إلى الوقت المعلوم، الذين تقوم عليهم الساعة أو النفخة الأولى وهم أحياء على ظهر هذه الأرض مما خلق الله عز وجل، سواء كان ذلك من بني البشر أو من الجن أو من الملائكة، هؤلاء كلهم منظرون، هذا هو المقصود.

لكن لا يؤخذ منه أن هناك من أُنسئ له منذ أن خلقه الله إلى يوم القيامة، إلا هذا الاستثناء الذي ورد في إبليس عليه لعنة الله عز وجل، وفي من أخبرنا عنهم ربنا تبارك وتعالى من ملائكته المقربين.

أما من بني البشر، فلم يرد أن السامري منهم، هناك خلاف في الخضر عليه السلام، هذا خلاف موجود عند أهل التفسير وطائفة من علماء الإسلام، ولكنه يعوزه الدليل، والله تعالى أعلم.