فتاوى يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان
-في مسألة أفضل الأوقات لأذكار الصباح والمساء والتسبيح، هل هناك أوقات يبتدئ بها الإنسان وينتهي بها؟
هو أجاب عن السؤال بنفسه، لما قال في الصباح والمساء، فربنا تبارك وتعالى أشار إلى أفضل الأوقات التي ينبغي أن يشتغل فيها المسلم بذكر الله تبارك وتعالى، فأولًا لنقرر أنه ينبغي للمسلم أن يكون حريصًا على الإكثار من ذكر الله تبارك وتعالى في كل أوقاته، ولذلك أمرنا ربنا جل وعلا في كتابه الكريم بالإكثار من الذكر، فقال: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا"، إذا من أفضل الأوقات وقت البكرة ووقت الأصيل، وقت الصباح ووقت المساء، ومن أفضل الأذكار التسبيح.
وقال أيضًا: "فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ" هذا يدل على ما تدل عليه الآية السابقة من استحباب الإكثار من تسبيح الله عز وجل وذكره في هذه الأوقات، في أوقات الصباح وأوقات المساء، ولما وصف عباده المؤمنين والمؤمنات قال: "والذاكرين الله كثيرا والذاكرات".
فحتى لا يُفهم أن استحباب ذكر الله عز وجل في أوقات بعينها يعني الاكتفاء بهذه الأوقات؛ إذ المطلوب من المؤمن أن يكون كثير الذكر لله عز وجل في كل أوقاته: لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله، ثم أيضا دل القرآن الكريم على استحباب ما قبل طلوع الشمس وقبل غروبها بنص كتاب الله عز وجل، هذه من الأوقات المفضلة أيضا.
وأما وقت السحر؛ لأن الله عز وجل أثنى على المؤمنين الذين يستغفرون بالأسحار، والذين يذكرون الله تعالى قياما وقعودا وعلى جنوبهم، وهذا يُفهم منه أنه في الليل، إذا هذه الأوقات هي أفضل الأوقات، تأتي بعد ذلك أوقات علم من الشارع الحكيم أن لها مزيةً وفضلًا، كالصلوات الخمس، وأوقات الصيام، وليلة القدر، والوقوف بعرفة، وفي الأشهر الحرم، هذه أوقات معظمة، فينبغي للمسلم أن يزداد فيها ذكرا لله تبارك وتعالى.
ولما أثنى الله عز وجل على عباده الذين يتلون القرآن الكريم أيضا ذكر أنهم يتلونه آناء الليل والنهار، فكل هذه الأدلة مجتمعة تؤكد على استحباب أن يكون المؤمن كثير الذكر لله عز وجل، وأن ينتهز هذه الأوقات الفاضلة في ذكره لله تبارك وتعالى.
- ما فائدة هذه الأوقات المستحبة بالنسبة للأذكار؟
فائدتها أن يحرص على أن يكون له فيها ذكر ورد، عملية انضباطية يداوم عليها، الورد ما داوم عليه، فيعلم أن له هذه الأوقات. قال: لا يحتاج الأمر إلى إطالة وقت، لكن على الأقل أن يعطي نفسه وروحه حقها من ذكر الله عز وجل قبل طلوع الشمس، وقبل الغروب، وأدبار الصلوات.
إذا رأى شيئًا من الظواهر، يعني من تغير في الوقت، بين الريح والمطر، وحالات الخسوف والكسوف، إذا رأى الهلال الجديد، وإذا رأى شيئًا فيكثر من ذكر مما يسره، يكثر من ذكر الله تبارك وتعالى، إذا رأى نعمة من نعم الله عز وجل فإنه يذكر ربه جل وعلا. ثم في أحواله: هو عندما يدخل بيته أو يخرج منه، عندما يأكل أو يفرغ من طعامه، عندما يدخل المسجد أو يخرج من المسجد، عندما يخرج من بيته لعمله واكتساب رزقه، وهكذا.
هذه أذكار بسيطة يسيرة، وألفاظها يسيرة، يسهل حفظها، ولو أن يداوم عليها مكتوبة حتى يستقيم لسانه لها ويتمكن من حفظها بقلبه، فيأتي بها بعد ذلك لتكون جزءا من نمط حياة هذا المؤمن الذاكر لله تبارك وتعالى، والله تعالى أعلم.
- لماذا نذكر الله؟ هل هو مجرد ضبط النفس على ذكر الله تعالى وما أشبه بالعبادة المحضة أو العبادة الطقوسية كما يسميها البعض، أم لهذا الذكر معنى آخر يبحث من خلاله الإنسان؟
هو السؤال قد يبدو في ظاهره يسيرا بسيطا، لكنه في الحقيقة مما بحثه علماء السلوك، علماء التزكية وتربية النفوس، والخلاصة أن المقصود أن يعظم المؤمن ربه تبارك وتعالى، فيملأ المؤمن قلبه بتعظيم ربه جل وعلا، فيراه في النعم التي يتقلب فيها، يراه في الابتلاءات التي يمر بها، يراه في أحواله المتغيرة التي هي بيده سبحانه وتعالى يغيرها كيف شاء، يراه في كل مظهر من مظاهر ذاته أو مما حوله.
فيورثه ذلك أن يعمر قلبه بتعظيم ربه جل وعلا، فيزداد إيمانا ويقينا، وينشرح صدره وتطمئن نفسه، ويتذكر حقائق هذه الحياة وحقائق المنقلب الذي يؤول إليه. هذا هو جوهر الذكر المطلوب من المؤمن، يأتي بعد ذلك ما يتصل بأنه إذا عمر هذا القلب بتعظيم الله عز وجل فإنه يسد المنافذ التي يمكن أن تلج منها الوساوس والأوهام، وما يمكن أن يغتال نفسه من غلواء هذه الحياة الدنيا وشهواتها وزخارفها، ومن صوارف تبعده عن تعظيمه لله تبارك وتعالى، ويمكن أن تورثه ضعفًا أو ذلة أو تهاونًا أو تكاسلًا أو أن تنسيه حقيقة وجوده في هذه الحياة الدنيا وما ينقلب إليه.
هذا هو الذكر المطلوب، وليس الذكر الفارغ الذي يكون باللسان، الذكر باللسان وسيلة إلى مجاهدة هذه النفس لأجل إعمار هذا القلب بتعظيم الله تبارك وتعالى، لكن قد يكون بلا روح، وهو حينئذ لن يحقق فائدته، ولكن مع المجاهدة والمداومة، وحمل النفس على التدبر، وعلى استشعار معاني ما يأتي به من أذكار، فإن هذه النفس ستستجيب بهذه المجاهدة؛ لأن ذلك من فضل الله عز وجل على عباده، قال تعالى: "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ".
وستسد عنه أبواب الشيطان وأبواب الفتن والعداوات، فعليه أن يستمر في اجتهاده لذكر الله عز وجل مستشعرا معنى ما يقول، متدبرا فيما يقول، وهي ألفاظ بسيطة يسيرة، معانيها واضحة، وله أن ينظر في تكراره لهذه الأذكار والأوراد، أن ينظر مع كل مرة يأتي فيها بالذكر إلى معنى لطيف، إلى غاية يبتغيها: أن يتذكر ضعف نفسه، أن يتذكر عظمة البار سبحانه وتعالى بهذا الذكر الذي يأتي به.
فليحرص على ألا يجعل ذكره لله عز وجل فارغا من الروح، أو أن يكون مجرد شقشقة باللسان. لا نضيق على الناس، سيحتاج الأمر إلى مصابرة ومجاهدة، وأن يعتاد لسانه، وأن يحمل قلبه، لنفترض أنه يسبح الله عز وجل مائة مرة، قد تأخذه الأفكار بعيدا في شتات أمره وفي أحواله في نصفها أو في أغلبها، لكن قد يستحضر في مرة واحدة أو في مرتين فتنفعه تلك المرة، ثم هكذا يجاهد نفسه.
ولا يسلم نفسه أنه اشتغل قلبه وانصرف عما يقول فيقول بأن يترك ذلك خير، لا، لا يترك، عليه أن يداوم وأن يجاهد، وأن يتخذ أيضًا من الصلحاء والقرناء الذين يذكرونه، لا يلزم أن يقول: تعال نذكر الله عز وجل ساعة، هذا محمود، وكان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يفعلونه.
لكن أن يذكر عنده إذا كان في الطريق دعاء السفر، وإذا على ظهر الأرض أو إذا انخفض في واد، أو إذا رأى شيئًا يدعو إلى التعجب من قدرة الله عز وجل، أو إذا تذكر نعمة، فإن يذكر ذلك ليذكر به من معه من إخوان وأصحاب ورفقاء في دربه.
وإذا رأوا ما يثير الشهوات والفتن فإنه يبادر إلى غض بصره وإلى ذكر الله عز وجل بالاستغفار والدعاء بالتثبيت وبصرف الفتن، فهذا فيه تذكير. ففوائد الذكر لا تحصر، وينبغي للمسلم أن يجاهد نفسه، وأن يحملها على الإكثار من ذكر الله تبارك وتعالى.
