ترائي الهلال وتقدم العلم في القرن الحادي والعشرين
17 فبراير 2026
17 فبراير 2026
ارتبط علم الفلك بالإنسان قديما، للسير في البر والبحر، وتقدير مواسم الزراعة والرعي، وتقسيم أوقات المياه، وارتبط بالأديان لإقامة الطقوس اليومية، ومعرفة الأعياد، ومواسم الصيام، ومن الطقوس ما ترتبط بالقمر، ومنها ما ترتبط بالشمس، لهذا سعت غالب الأديان إلى الجمع بين الشمسي والقمري؛ لاستقرار التوقيت الشمسي، وحركة التوقيت القمري.
علم الفلك حسابيا متقدم جدا منذ القدم، وإن خالطه التنجيم واشتبه به عند الفقهاء قديما، لهذا كانت رؤيتهم سلبية حوله، وضعف انفتاحهم عليه، أما علم الفلك الحديث فقد تقدم بشكل كبير جدا، وأصبح علما قطعيا لا جدال حوله، ويستطيع بكل سهولة معرفة حركة النجوم والكواكب خارج المجموعة الشمسية، والتنبؤ بالحوادث المستقبلية كالخسوف والكسوف ومعرفة التوقيت الشمسي والقمري، بل ويستطيع وضع تواريخ الدهور السابقة بدقة متناهية، ومثل ذلك فيما يأتي من سنوات وأزمنة.
ترائي الأهلة القمرية حالة طبيعية منذ القدم لمعرفة الشهور، كترائي حركة النجوم للسير في البر والبحر، وحساب الوقت، لا علاقة له بالتعبد، هي حالة اجتماعية من جهة، وحالة علمية لكشف الكون من جهة ثانية، الأمر طبيعي في بدايات الإسلام المبكر ترائي الهلال باستخدام الباصرة، فهي الوسيلة المستخدمة آنذاك، وارتبطت بالفرد إما نظرا أو سماعًا أو تقليدًا، وكان أمر شهود الشهر واسعًا عند الفرد واجتهاده، كما ارتبط بالجماعة في حدود وصول إعلام الخبر، فطبيعي أن تجد منطقة جغرافية متقاربة تجد فيها الناس مختلفين في بدايات صومهم وأعيادهم، لأن الإعلام عن طريق الفرس، أو إشعال نار، أو رفع صوت عن طريق بوق أو طبل أو مدفع لاحقًا، بقدر ما يصل من راكب، أو يرى من نار، أو يسمع من صوت، فشاع لديهم اختلاف المطالع، وهو أمر طبيعي جدا ارتبط بإعلام الخبر، لا بذات ظهور الهلال.
اليوم اختلف الحال تماما، من حيث قطعية علم الفلك ذاته، ومن إدراك مواقيت الأهلة فضائيا وعن طريق الأقمار الصناعية وليس توقفًا فقط عند المكبرات كالتلسكوب، كذلك من حيث الإعلام بوصول الخبر، والأخير لا معنى لتأويله اليوم؛ ففي عام 1910م وجه سؤال من تونس إلى محمد رشيد رضا (ت: 1935م)، وفي السؤال إشارة إلى حدوث الخلاف في الصوم والفطر بسبب أن الفقهاء في تونس لا يجوزون العمل بخبر التلفون والتلغراف في الصوم والفطر؛ لأن التلغراف بيد غير المسلمين، ولتشابه الخطوط والأصوات، فكان الجواب في الجزء الثالث من فتاوى رشيد رضا، صحيفة 875: «.... الخطب في هذا سهل؛ لولا أن أكثر المسلمين صاروا لا يحبون السهولة واليسر في الدين، وهو من أصول الإسلام بنص الكتاب والسنة، فالعمدة في الشرع على ما يحصل به التصديق والاطمئنان من الأخبار أو العلامات التي تدل على ثبوت أول الشهر، وكل من التلغراف والتلفون طريق من طرق التصديق والاطمئنان ...»، واليوم بتقدم الإعلام من غير المعقول الحديث حول هذا؛ لهذا الحديث عن اختلاف المطالع تبعًا لا قيمة له تأريخيا لتقدم إعلام وصول الخبر، ولا قيمة له علميا لأن القمر واحد، يمكن إدراك ذلك حتى عند من يقول باشتراط القدرة على رؤية الهلال في الليل، وهذا لا يمكن إنزاله وفق الصورة الموجودة اليوم من اختلاف دول قريبة في مواقيتها، وربط اختلاف المطالع بالدولة القطرية لا دليل عليه تأريخيا ولا علميا، ومن المخجل حقا في عالمنا العربي مثلا الحديث عن اختلاف المطالع، وهذا الجزء من الأرض لا يعد شيئا من عالمنا الأرضي، فضلا عن العالم الكوني.
والسؤال: هل من يقول بالاعتداد بالحساب حال الإنكار وليس الإثبات يكون مستندًا إلى العلم؟ في نظري الجواب لا، هو لا يستند إلى العلم، ولكن يستند إلى الرؤية، والمدار هو الرؤية وليس العلم ولا الحساب، فقط تقدم خطوة عن الرأي القائل ببدعية الاستناد إلى العلم أو الحساب كليا.
الإشكالية أن هذا الفريق يثبت أن الهلال ولد، وأنه موجود ابتداء، وأن مكثه وتحقق الرؤية يختلف أفقيا، وحسب الامتداد الجغرافي، فقد يرى بالباصرة في مناطق، كما في هلال رمضان1447هـ يمكن رؤيته بالعين المجردة في بعض مناطق أمريكا اللاتينية كالمكسيك ليلة الأربعاء 29 شعبان، وفي مناطق الأخرى باستخدام المكبرات، وفي مناطق يستحيل رؤيته بالباصرة لعدم تحقق درجة مكثه، أو نزوله عند أو قبل الغروب، لكن قطعًا علميا وحسابيا أنه ولد، وأن الشهر القمري الجديد قد بدأ حسب مدار العلم.
نخلص من هذا أن آية: }الشَمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ{ «الرحمن:5» لا تتعارض مع } يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَاسِ وَالْحَجِ{ البقرة:«189» فكون الأهلة ميقاتا لأنها مدار بداية ونهاية الشهر، هذا الميقات كانت وسيلة إدراكه الباصرة، أما اليوم فوسيلة إدراكه العلم، وهو أصل الحساب.
فإذا كان الظل علامة معرفة أوقات الصلوات النهارية، والنجم وسطوع الضوء علامة معرفة أوقات الصلوات الليلية، فقد تطور العلم قطعا في إدراك ذلك، فلا نحتاج إلى وضع عمود لكي نهتدي به إلى أن الظل كان مثله أو مثليه لنميز بين وقتي الظهر والعصر، ولا نحتاج إلى لجنة لإدراك ذلك، والأمر سيان بالنسبة للأشهر القمرية، علينا ونحن في القرن الحادي والعشرين أن نضع للعلم مكانته واحترامه؛ فمن المخجل أن نفكر بعقلية الوسائل في القرن السابع الميلادي، وندخلها في التعبد والدين، فهي من الوسائل الاجتماعية المتحركة كالحمار والفرس والقوس في ذلك الواقع الظرفي، كما من المخجل أن نتحدث كما أسلفت عن اختلاف المطالع، وأن نجد هذا الاختلاف في مناطق متقاربة بدعوى اشتراط الباصرة، وتطويع العلم لها وليس كونها وسيلة زمنية، وليس تشريعا إلهيا في ذاتها، سبحانه، أوجد سنن الوجود لإدراكها وتسخيرها في حياة الإنسان ووجوده.
