مصير الأمن العالمي دون معاهدة ستارت

17 فبراير 2026
17 فبراير 2026

ترجمة: بدر بن خميس الظفري

وصف أبو القنبلة الذرية (ج. روبرت أوبنهايمر) التنافس النووي بأنه يشبه «عقربـيـن في زجاجة، يستطيع كل منهما قتل الآخر، لكن ذلك يُعرّض حياتهما للخطر». في الوضع الحالي، يُعدّ التشبيه الأكثر واقعية وسوداوية، أنه «بيت من الديناميت». هذه العبارة، التي شاع استخدامها مؤخراً بفضل فيلم نتفليكس (أوبنهايمر)، تصور المخاطر التي تحف بواقعنا الذي نعيشه الآن.

في الخامس من فبراير، انتهت صلاحية معاهدة ستارت الجديدة، مما أدى إلى إلغاء آخر القيود القانونية الملزمة على أكبر ترسانتين نوويتين في العالم، الولايات المتحدة وروسيا. يأتي هذا في الوقت الذي تواصل فيه الصين توسيع ترسانتها وتعزيزها بشكل متواصل، فيما تطور كوريا الشمالية صواريخ باليستية أكثر فعالية لحمل رؤوسها النووية إلى مسافات أبعد.

وها هو «بيت الديناميت» يكبر ويفقد توازنه، وقد زالت آخر معاهدة تضبطه. وإذا ما أردنا لأبنائنا وأحفادنا أن يرثوا كوكبًا تقلّ فيه احتمالات الصراع النووي عمّا عرفناه نحن، فلابدّ أن يتبدّل هذا الواقع.

فئة من الخبراء تعتقد أن قضية الحد من التسلح قد انتهت، وأصبحت ذكرى من الماضي. ويرى هؤلاء أن الحل بسيط، وهو بناء مزيد من القنابل المتطورة وأنظمة إطلاق يصعب اعتراضها، لكي يدرك أعداؤنا أن أي تهديد نووي سيُقابل بثمن باهظ.

صحيح أن هذا النهج يعزز الردع، لكن الولايات المتحدة تمتلك هذه القدرة بالفعل بترسانتها الحالية.

كما أن صيانة وتحديث برنامج أكبر وأكثر تعقيدًا يكلف مليارات الدولارات. ناهيك عن أن ذلك سيزيد من خطر أن تؤدي أي خطوة خاطئة إلى إطلاق العنان لأسلحة نووية قادرة على تدمير العالم مرات عديدات.

في المقابل، يدعو فريق آخر إلى ضبط النفس والحد من التسلح النووي، بهدف تقليل احتمالية نشوب صراع نووي عن طريق الحد من عدد الأسلحة نفسها. مع ذلك، وفي عالم ترى فيه دول عدة أن التسلح النووي مسألة وجودية لأمنها، فإن توحيد جهودها جميعًا نحو الحد من التسلح يمثل تحديًا هائلًا.

المعسكر الثالث، يقوده الرئيس دونالد ترامب، يعتقد أنه قادر على إنفاق مئات المليارات من الدولارات على نظام دفاع صاروخي يُطلق عليه اسم «القبة الذهبية»، ليُحصّن البلاد من أي خطر نووي.

لكن لا يوجد ما يضمن نجاح هذا النظام؛ فعندما يتعلق الأمر بالأسلحة النووية، فإن قوانين الفيزياء تميل لصالح الهجوم؛ إذ يستطيع الطرف المهاجم مواصلة تطوير أنظمة الإطلاق، واستخدام وسائل تمويه أكثر تعقيداً، ولا يحتاج سوى إلى نسبة محدودة من رؤوسه الحربية لاختراق الدفاعات وإحداث دمار هائل. وحتى مجرد السعي إلى بناء درع لا يمكن اختراقه قد يدفع الخصوم إلى تطوير ترساناتهم لتجاوز ذلك الدرع، بما يقود إلى واقع أشد خطورة.

غالبًا ما يُطرح هذا النقاش برمته على أنه خيار بين الردع والحد من التسلح، لكن ما شهدناه على أرض الواقع يُشير إلى أن الاستقرار ومنع الكوارث يعتمدان على كلا الخيارين، فوجود رادع نووي قوي ومرن يُعتمدُ عليه، إلى جانب الحد المدروس من التسلح، هما الركيزتان اللتان حالتا دون انفجار حصوننا النووية.

وتُعد معاهدة ستارت الجديدة مثالًا بارزًا على هذا النهج. فقد حددت هذه المعاهدة، التي وُقعت عام 2010، عدد الرؤوس الحربية النووية الاستراتيجية التي يُمكن للولايات المتحدة وروسيا نشرها، وأنشأت آليات تفتيش لكلا الجانبين، وقللت من أخطار سوء التقدير بين واشنطن وموسكو.

وفي جوهرها، قدمت المعاهدة ميزة نادرة بين خصمين كبيرين، وهي القدرة على التنبؤ. وبالرغم من أنّ هذه القدرة على التنبؤ لم تُزل المخاطر تمامًا، لكنها أسهمت في إدارتها. فعندما يعرف كلا الجانبين حجم ووضع الأسلحة النووية لدى خصمه، يقل الحافز على التصعيد خلال الأزمات التي قد تُفضي إلى صراع نووي.

ولا تخلو معاهدة ستارت الجديدة من بعض القيود في ظل الظروف الراهنة. فقد تم التفاوض عليها في إطار علاقة نووية ثنائية تطورت منذ ذلك الحين.

تواصل الصين توسيع برنامجها النووي بشكل ملحوظ، وتعارض أي مفاوضات للحد من التسلح، لكنها لا تزال ملتزمة بالقيود الأساسية لمعاهدة «ستارت الجديدة» التي تحدد سقفًا لعدد الرؤوس الحربية والقنابل النووية بـ 1550 رأسًا.

ولا يزال حجم ترسانتها النووية المنشورة أصغر بكثير من ترسانة الولايات المتحدة وروسيا، وتتمسك الحكومة الصينية بمبدأ «عدم البدء باستخدام السلاح النووي».

وقد أدت التوترات بين الولايات المتحدة وروسيا، لا سيما بشأن أوكرانيا، إلى توقف روسيا عن عمليات التفتيش المباشر وتبادل البيانات؛ إلا أن هذه الاتفاقية منعت أيضًا تفاقم هذه التوترات إلى سوء تقدير بشأن الأسلحة النووية.

ويعود ذلك إلى التزام روسيا بعدد الأسلحة في المعاهدة، وبقاء حظر التدخل في الوسائل التقنية الوطنية يسمح للولايات المتحدة بمراقبة القوات الاستراتيجية الروسية بشكل مستقل، لا سيما عبر الأقمار الصناعية.

بدون تمديد للحدود العددية لمعاهدة «ستارت الجديدة» وعدم وجود اتفاقية لاحقة، ستزول هذه الحماية؛ وفي حال تصاعد التوترات مجددًا، قد يصعب على كل طرف فهم نوايا الآخر.

إنّ انتهاء معاهدة ستارت الجديدة هو بداية حقبة أكثر خطورة، حيث بات من الصعب للغاية مواجهة التحديات الاستراتيجية التي لم تتناولها المعاهدة. وفي بيت مليء بالديناميت، لا يُصبح المرء أكثر أمانًا بإضافة مزيد من أعواد الديناميت وتهديد سكان البيت بإشعال النار. تحتاج الولايات المتحدة إلى كلٍ من الردع الاستراتيجي وجهود دبلوماسية متجددة - بالتعاون مع حلفائها وشركائها - لتجنب سباق تسلح جديد. كل يوم يمر دون ذلك يُعرّض الأمريكيين للخطر.

مارك كيلي، سيناتور ديمقراطي عن ولاية أريزونا.

الترجمة عن صحيفة واشنطن بوست.