لا تستهينوا بالأمم المتحدة.. مجلس السلام ليس بديلًا
17 فبراير 2026
17 فبراير 2026
جلين. ألتشولر - ديفيد ويبمان - ترجمة: أحمد شافعي
في الشهر الماضي، ومع استمراره في التهديد بالاستيلاء على غرينلاند، دعا الرئيس ترامب قادة مختارين إلى الانضمام لـ«مجلس السلام»، وهو منظمة دولية أقرها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في نوفمبر ضمن خطة الولايات المتحدة الشاملة لإنهاء صراع غزة. غير أن ميثاق المجلس يؤكد طموحا أكبر كثيرا، وهو ضمان «إنهاء السلام في المناطق المتأثرة بالصراع أو المهددة به».
يشمل الأعضاء المؤسسون قرابة دزينتين من القادة، أغلبهم من دول استبدادية. وليست أوروبا وكندا ممثلتين، ولم تنضم قوة كبرى إليه عدا الولايات المتحدة؛ ومع ذلك، أعلن ترامب أنه «أعظم وأرقى مجلس تشكل على الإطلاق في أي زمان وفي أي مكان».
بل لقد ذهب ترامب إلى أن مجلس السلام قد يحل محل الأمم المتحدة. لكن المقارنة بين المنظمتين من حيث الشرعية والبنية والعضوية والتمويل والقدرات تبين أن الأمم المتحدة بكل عيوبها تلعب دورًا لا غنى عنه في تعزيز السلام والأمن الدوليين.
ينص ميثاق مجلس السلام على أن يكون ترامب تحديدا هو رئيسه، دونما تحديد فترات الولاية، ويضع تقريبا كل السلطة في يده. فهو وحده الذي يستطيع أن يعين الأعضاء ويجدد عضوياتهم، وينشئ أو يعدل أو يحل الهيئات التابعة، ويضع جدول الأعمال، وينقض قرارات المجلس، ويتبني الحلول، ويقر الختم الرسمي، ويعين خلفه.
ويختار ترامب جميع أعضاء المجلس التنفيذي وقد يعيد تعيينهم أو يفصلهم. وله الكلمة الأخيرة في تفسير وتطبيق الميثاق.
وما من إلزام على أعضاء المجلس بالاشتراك في مهام حفظ السلام. ولا يفرض الميثاق أي رسوم سنوية إلزامية، برغم أن البلاد الراغبة في الحصول على عضوية دائمة لا بد أن تدفع مليار دولار غير محددة الاستخدام.
وإيضاحًا لما هو واضح وبديهي فإن تركيز السلطة في يد زعيم واحد لا يمكن التنبؤ بتصرفاته يضمن أن لا يكون مجلس السلام أبدا شاملا وواسع النطاق أو أن يكتسب شرعية ومصداقية مما تستوجبه أي منظمة فعالة متعددة الأطراف؛ فضلا عن أنه يبدو مصممًا بهدف تقويض الأمم المتحدة والنظام الدولي القائم على القواعد الذي تمثله.
لقد نشأت الأمم المتحدة من وسط رماد الحرب العالمية الثانية التي أدت إلى وفاة خمسين مليون شخصا ودمار أغلب قارة أوروبا وأجزاء من قارة آسيا. ولما كان مصممو نظام ما بعد الحرب ـ بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ـ عازمين على «إنقاذ الأجيال التالية من ويلات الحرب» فقد منحوا لمجلس الأمن «المسئولية الأساسية للحفاظ على السلام والأمن الدوليين». ووافق جميع أعضاء الأمم المتحدة على «قبول وتنفيذ» قرارات المجلس، ووعدوا بإتاحة القوات العسكرية له عند الطلب.
ومن المؤكد أن النظام لم يعمل قط وفقا للمخطط له؛ فحق النقض المكفول لكل الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن كان غالبا ما يؤدي إلى الجمود والتقاعس. ولم توفر الدول قط القوات العسكرية النظامية التي تصورها الميثاق.
وأثبتت مهام حفظ السلام أنها مكلفة ومعقدة؛ فبسبب عوائق البيروقراطية والانقسامات السياسية والصراعات المستمرة لتأمين القوات والدعم السياسي وتوفير الموارد، أخفقت مهام في رواندا والصومال ويوغوسلافيا السابقة وغيرها.
لكن الأمم المتحدة عرفت كيف تتكيف وتضفي على نفسها الطابع الاحترافي. فساعدت الأمم المتحدة على مدار عقود في إنهاء الصراعات في عشرات البلاد، من كمبوديا إلى طاجيكستان حتى حصلت قواتها لحفظ السلام على جائزة نوبل للسلام سنة 1998. وبحلول عام 2010، كان لدى الأمم المتحدة قوات حفظ سلام قوامها مئة وأربعة وعشرون ألف فرد منتشرة في ستة عشر بلدا بتكلفة سنوية تقدر بثمانية مليارات دولار، أي قرابة .4% من إجمالي الإنفاق العسكري العالمي. واليوم، لا تزال الأمم المتحدة تدير إحدى عشرة مهمة لحفظ السلام، بالتوازي مع عدد من «البعثات السياسية الخاصة».
ويوفر حق العضوية شبه المطلق في الأمم المتحدة للمنظمة ما يلزم من الشرعية لاكتساب ثقة الأطراف المتحاربة، وخبرتها في إدارة الصراع تفوق كثيرا ما لأي منظمة دولية أخرى.
كما أن شبكة الأمم المتحدة الواسعة من الوكالات والشركاء، ومنها صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومنظمة الصحة العالمية، ومفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين ـ تساعد المنظمة على حماية المدنيين، وتقديم الغوث الإنساني، وتوفير المعلومات الحيوية بشأن الأزمات الصحية، وتأسيس سيادة القانون، ودعم الانتخابات، وتعزيز حقوق الإنسان.
وبوجود خمسة أعضاء لهم حق النقض، غالبا ما تكون الأمم المتحدة بطيئة الفعل. ففي بعض الأحيان تكون الدول المنفردة، والمنظمات الإقليمية، والتحالفات المؤقتة أسرع إلى التدخل، بتفويض أو بدون تفويض. لكنها دائما ما تكتشف أن الإدارة المدنية وأعمال الشرطة والانتخابات وإقامة السلام الدائم تستوجب مشاركة الأمم المتحدة وخبرتها.
فحلف شمال الأطلنطي على سبيل المثال لجأ إلى الأمم المتحدة لإقامة سلطة مدنية محايدة في كوسوفو.
وطلبت قوة متعددة الجنسيات بقيادة أستراليا من الأمم المتحدة إقامة حكومة انتقالية في تيمور الشرقية، واعتمدت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا على الأمم المتحدة في إقامة سلام دائم في ليبيريا وسيراليون، وطلبت فرنسا والاتحاد الإفريقي من الأمم المتحدة حماية المدنيين ودعم العملية الانتقالية في جمهورية أفريقيا الوسطى.
وحينما تسوء الأوضاع ـ وهي كثيرا ما تسوء ـ فإن الأمم المتحدة لديها من الآليات التي أقامتها، مهما تكن عيوبها، ما يحقق المحاسبة. ولكن في الوقت الذي تواجه فيه المنظمة ـ مثلما نبَّه أمينها العام أخيرا ـ «انهيارا ماليا وشيكا»، إذ تدين الولايات المتحدة بـ95% من مستحقات سنوية غير مدفوعة تبلغ 2.2 مليار دولار، فإنه ما لم يتم سداد هذه المستحقات سيبدأ نفاد أموال الأمم المتحدة اعتبارا من شهر يوليو.
أما مجلس السلام الذي أطلق عليه الممثل الكوميدي جيمي كيمل اسم «فيلق الهلاك» والذي يقوده زعيم يبدو ضجرًا من السلام، فلو بقي قائما، فإننا قد نعلم حقيقة الأغنية القديمة التي تقول: «سوف تفتقدون وجودي بعد أن أغيب».
جلين سي. ألتشولر أستاذ فخري في الدراسات الأمريكية بجامعة كورنيل
ديفيد ويبمان رئيس فخري لكلية هاميلتون.
الترجمة عن ذي هيل
