«الادّخار».. الدرس الذي أهمله المتقاعدون
11 فبراير 2026
11 فبراير 2026
في كل عام ينضمّ مئات الموظفين إلى قافلة المتقاعدين، يودعون زملاءهم، ويغادرون كرسي الوظيفة إلى رحاب الحياة الجديدة، وقد يعني التقاعد لدى الكثيرين مصيرًا مجهولا، ذا تداعيات مالية واقتصادية ومعيشية ونفسية كبيرة، لم يستعد لها يوما، ولم يحسب حسابها ذات عمل، ولم يدر في خلده أن يجد نفسه ـ دون رغبة منه ـ دون أهمية، أو لزوم عند الآخرين، وتبدأ دائرة واسعة من الأفكار السوداوية؛ لأن قانون التقاعد لم يعد مغريا للكثيرين، ولأن الالتزامات المالية أكبر من الراتب الذي اعتاد عليه الموظف، ولكن سنة الحياة تقول أن لكل شيء نهاية، ولكل عمل أجلا.
إن ثقافة المجتمع لدينا لا تدير للادخار بالا، ولا تعيره اهتماما، فالراتب كله، بل وأكثر منه، يذهب لشراء الضروريات أحيانا، وللكماليات أكثر الأحيان، وتبدأ أولى خطوات الشاب ـ حين يحصل على الوظيفة ـ نحو البنوك للاقتراض، إما لسكن، أو لشراء سيارة، أو للزواج، أو للترفيه واقتناء السلع الاستهلاكية، وهنا تبدأ أولى مراحل الغرق، فمن قرض إلى قرض إلى قرض، تتوالى المشاكل المالية، وقد لا يشعر بها المقترض في حينها؛ لأن بقية الراتب يعوّض هذا الخلل في الميزانية الشخصية، ولا ينتبه ذلك الشاب أن الأيام تمر، وأن العمر يمضي، وأن متطلبات الحياة تكبر، وأن الأمر أصبح خارج السيطرة، حتى يصل إلى النقطة المظلمة التي لم يحسب لها حسابًا، وهي بلوغه السن القانوني للتقاعد، وهو ما يزال مكبلا بأغلال القروض، وغارقا في أوهام الوظيفة.
حين صدرت الأوامر في عام 2021م بإحالة عدد كبير من موظفي الحكومة للتقاعد، حدث الكثير من الارتباك في صفوف الموظفين، وكانت صدمة غير متوقعة، وذات نتائج مدمرة نفسيا وماليا لدى معظم الذين تنطبق عليهم الاشتراطات، وحدثت جلبة اجتماعية كبيرة، ما زالت تداعياتها مستمرة حتى اليوم، وكان يجب على بقية الموظفين الذين ظلوا في مناصبهم أن يتعظوا من تلك الحادثة الاستثنائية، وأن يعيدوا ترتيب أولوياتهم، ويبدأوا في إعادة جدولة التزاماتهم المالية، والاجتماعية، وأن يتيقنوا أن التقاعد قرار حتمي، وآتٍ لا محالة ذات يوم، حدث ذلك التقاعد غير المتوقع في القطاع الحكومي، كما يحصل يوميا في القطاع الخاص، ومن بين هؤلاء الذين يتم فصلهم في هذا القطاع، موظفون ذوو رواتب عالية، ولكنهم لم يفكروا يوما في استثمار هذه الأموال، ولم يقوموا بـ(ضم القرش الأبيض لليوم الأسود)، فواجهوا الكثير من المتاعب حين تم الاستغناء عن خدماتهم، لذا يجب أن تتجه نظرة المجتمع نحو الادخار، والفصل بين الاحتياجات الضرورية، والكمالية، والعمل بمبدأ الحكمة والعقلانية والاتزان في الصرف.
في الدول الأوروبية ينتظر الموظف لحظة التقاعد بفارغ الصبر، ويدخر ما يمكنه لكي يستمتع بحياته بعد لحظة التحرر من الوظيفة، بينما تظل هذه اللحظة لدينا عالما مجهولا، ومحبطا؛ لأننا لم نستعد لها، ولم نتهيأ لتبعاتها، لذلك يجب أن تكون ثقافة الادخار هي أول درس يتعلمه أفراد المجتمع في سلم الحياة، وهي أهم قرار يتخذه الموظف عند حصوله على الوظيفة، ويجب عليه الالتزام به طيلة فترة وجوده على رأس عمله، وعليه أن يستعد ليوم لا ريب فيه، فإما أن يمر ذلك اليوم بردا وسلاما، وإما أن تبدأ فترة معاناة لا تنتهي، ودائرة من الدوامات التي لا خروج منها إلا بشق الأنفس، ويبقى الأمر بيد الأفراد، وليس بيد غيرهم، وعلى الجميع أن يتذكر مقولة المليونير وارن بافت: «لا تدخر ما يتبقى بعد الإنفاق، بل انفق ما يتبقى بعد الادخار».
