معبد تنوف.. مثلث الحياة
11 فبراير 2026
11 فبراير 2026
3 أكتوبر 2025م.. انطلقتُ والابن عبدالرحيم بعد أداء صلاة الفجر إلى مناطق الآثار التي نوثقها منذ شتاء 2019/2020م، وهو اليوم الأول لهذا الفصل، والذي مِن المؤمل أنْ يستمر حتى نهاية أبريل 2026م، مع التوقف أثناء شهر رمضان. وكانت النية مواصلة التوثيق في كدم، ولكونه أول يوم؛ ولا تزال أشعة الشمس ثقيلة على الواقف تحتها، رأيت أنْ نذهب إلى وادي تنوف، فهو فج عميق بين شواهق جبال متقاربة؛ مما يجعله محجوبًا عن أشعة الشمس حتى اقتراب استوائها في كبد السماء.
اخترقنا الوادي طولًا.. وبعد أنْ اجتزنا سد وادي تنوف بحوالي كيلومتر؛ توقفنا عند البقعة التي وقفنا عندها في شتاء 2019م، وجدنا حينئذٍ قطيع ماعز يشرب مِن أحواض أعدت لها، توقفنا لنمتع أنظارنا بالمشهد الأنيق؛ في عمق الوادي المجدب مِن الحركة إلا مِن عابر يتهادى بسيارته نزولًا وصعودًا. إنَّها لحظة تصبح فيها هذه الحيوانات اللطيفة بثغائها المتناغم مع صدى الوادي بهجة للنفس؛ لا يمكنك تفويتها.
قلت: عبدالرحيم.. هل ترى ما أرى؟ كان نظره يتجه صوب الصخور بحثًا عن رسمات، فرد: هل مِن رسمات هنا؟ أجبته: أهم مِن ذلك بكثير، وأوضح بكثير. نظر إليَّ مستغربًا. قلت: انظر أمامك، إنَّك بالوادي.. في حضرة معبد ينتظرنا منذ آلاف السنين. ذهل عبدالرحيم مِن المشهد، لم يكن استغرابي أقل منه، لقد جمعنا الفرح الذي طار بنا في سماء الاكتشاف الذي يتحقق على أيدينا أول مرة، فلم نسمع قَبْلنا أنَّ أحدًا اكتشفه أو أشار إليه.
هذه المرة.. رجعنا إلى الوادي بعد زيارات متقطعة خلال السنوات المنصرمة، فمِن طبيعة مناطق الآثار أنَّها لا تفصح عن أسرارها دفعة واحدة، وإنَّما في كل مرة تفشي سرًا، سواءً باطلاعك على مَعْلَم جديد؛ رسمٍ أو طللٍ أو موقع مختبئ وراء حجر أو شجر، أم بإعادة بناء تصورك عن الموقع، وهذا ما حدث هذه المرة أيضًا.
بعد وصولنا بقليل ونحن نتأمل الموقع؛ وصل قطيع الماعز بثغائه الموسيقي، فشرب نهمته وانصرف؛ ليحكي لنا مشهدًا مِن الجمال الأزلي الذي يتمتع به الموقع، منذ أنْ كان العماني القديم يتخذه مسكنًا، فهو في عمق الوادي؛ لا تصل إليه ضواري السباع، ولا غزوات البشر، ولا تقلبات الجو، إلا السيول، وقد رتّب أماكن سكناه وعبادته ثم زراعته؛ بحيث لا تسطو عليه، ولا على ممتلكاته اليسيرة التي لا تزيد عن حاجة تلك الأزمنة البسيطة؛ ذات الراحة النفسية. في ظلال الجبال والجمال أعدنا قراءة المشهد.
في وسط هذه المنطقة.. يواجهك حائط صخري كأنَّما جبله نُصِفَ بسكين؛ حمل الوادي نصفه وبقي الآخر، ومِن خلفه الشمس تدفع بأشعتها إلى قمم الجبال، ومِن خلفك وادي الهجري المنحدر مِن الشمال الغرب، وعلى عينك اليسرى تبصر وادي الفرع الهابط مِن الشمال الشرق، ليجتمعا عند المعبد مُشكّلَين وادي تنوف، الذي ينساب منحدرًا نحو الجنوب. بالضبط؛ عند ملتقى الواديين شيّد الأقدمون معبدهم.
اتجهنا نحو الحائط الجبلي؛ حيث ينتصب تحته النُصُب الذي اكتشفناه قبل خمس سنوات. الحائط.. كأنَّه إنسان عملاق متربع في جلسته؛ ويستوي على حِجْره النُصُب؛ الذي يتوسط مكانًا مرتفعًا؛ بُنيتْ دكته بحيث لا تصل مياه الوادي إلى سطحها، لكي يتيح للمتعبدين أداء شعائرهم دون أنْ يغرق المكان. النُصُب.. على هيئة إنسان واقف؛ يتكون مِن ست طبقات؛ بعمودين متداخلين مِن صخور كبيرة، وعلى قمتها صخرة الرأس التي تشكل الطبقة السابعة. لقد نُزعت حجارتان مِن الخصر الأيمن للنُصُب، ورغم أنَّه قد أصابه بالنقص، بيد أنَّه كشف عن الطبقة التي خلفه، فقد وجدنا «الكتابة الكويبية»، وهي مِن أقدم الكتابات؛ حيث يرجعها بعض الآثاريين إلى الألفية العاشرة قبل الميلاد، رغم أنَّنا لا نعرف حتى الآن أية حقبة تعود إليها هذه الكتابة في وادي تنوف، والتي لها شواهد أخرى فيه، وإنَّما أقدّر بأنْ النُصُب -بالمقاربة الحضارية- قد يعود إلى الألفية الرابعة قبل الميلاد، أو قبلها.
النُصُب.. يمثّل مركز المعبد، والمنطقة مِن حوله متكاملة معه؛ مشكّلة بقية أماكن النُسُك فيه. فعلى يسار المقطع الجبلي الذي يقبع في منتصفه النُصُب؛ مقطع جبلي آخر؛ يساويه في الشكل والحجم تقريبًا. فإنْ كان حائط النُصُب لا توجد به إلا رسمتان تقريبًا؛ فإنَّ هذا الحائط به العديد مِن الرسمات، التي تحتاج إلى دراسة لمعرفة ما يمثله هذا الموقع في المعبد. وعلى الجانب الأيمن مِن حائط النُصُب دكة أخرى جرفتها مياه الوادي، وبقي بعض آثار البناء ملاصقًا للحائط الصخري.
هذا الموقع للمعبد -كعادة المعابد عمومًا- لم يختره المتعبدون الأوائل جزافًا، ويبدو أنَّهم اختاروه عند ملتقى مساراته الثلاثة؛ بكونه «مثلث الحياة»؛ الذي يجمع بين الماء مصدر الخصب، والشمس مصدر الدفء، والجبال للاحتماء بها مِن عوادي الأيام؛ كالرياح والسيول والسباع وهجوم البشر، ومن السهام الحارقة التي ترسلها الشمس صيفًا. وبهذه الثلاثة مجتمعة أيضًا يحصل الإنسان على غذائه بزراعة سفوح الجبال ورعي الأغنام، والتي تشهدها بعض المناطق الجبلية بعمان حتى اليوم. إنَّ هذه العناصر ضرورية لعيش الإنسان، وهي كافية لتسويغ عيشه في المنطقة، إلا أنَّها لا تكتمل إلا بتحولها إلى معتقدات دينية، فالشمس رمز «للآلهة السماوية»، والمياه رمز «لآلهة الخصب»، والجبال رمز «لآلهة القوة»، وهو ما يمكن أنْ نقرأه في بعض رسمات الحوائط الصخرية في المنطقة. والآلهة هذه.. قد لا تعني تعددها؛ بقدر أنَّها تمثّل صفات الخالق العظيم؛ إنَّه «علم كلام» ما قبل التاريخ.
أما طبيعة الدين ذاته.. فقد اقترحتها عندما وقفنا على حائط صخري؛ ونحن نخرج مِن المنطقة، وهو يقع على الضفة اليسرى مِن الوادي. لقد استكشفناه مِن قَبْل أكثر مِن مرة، فهو يحوي لوحة واسعة مِن الرسمات المتعددة الأحجام ومتنوعة الأشكال، لكن لم نستطع حينها أنْ نقرأها في سياقها للمشهد العام. وفي زيارتنا هذه.. اكتشفنا أنَّ الوادي -فيما يبدو- يشكّل وحدة متكاملة، بجباله وفجاجه وأماكن السكنى فيه. وهذه اللوحة هي أحد مشاهده.
الرسمات.. تتوزع على وجه الحائط الصخري، وبعضها رسم على سطح الصخر؛ بحيث لا يمكن رؤيتها إلا بالصعود إليه، وكان صخر الصعود مائلًا وأملس؛ فتكفل عبدالرحيم بالصعود إليه، والتقط صورًا للرسمات المستوية عليه. لقد قدّرنا المشهد المرتسم على الحائط بأنَّه يمثل جانبًا مِن طقوس التعبد؛ وأهم أمرين استطعنا أنْ نقرأهما في هذه اللوحة:
- طقوس الرقص التعبدي.. حيث يُمثّل بعض الرسمات المتعبدين وهم يرقصون، وإحدى الرسمات تصور امرأة تمسك بيدها اليمنى مزمارًا تعزف عليه، وبيدها اليسرى دفًا.
- تقدمات الأضاحي.. فهناك العديد مِن رسمات البقر؛ إحداها كبيرة رسمت بدقة جميلة، وبعضها متوسط، وآخر صغير، والجامع بينها.. أنَّ جميعها يتجه نحو نُصُب المعبد، في حين لا يلتزم به غيرها؛ فقد يتجه الجمل اتجاهًا معاكسًا.
في مقال «قربان الأضحية في معبد ني صلت»، المنشور في جريدة «عمان» بتاريخ: 27/ 6/ 2023م، تحدثت عن الدين الذي تقدم فيه أضاحي البقر، وقلت: (دين هذا القربان.. ربما كان يعتمد على التقويم القمري؛ لأنَّ تقديس الأبقار مرتبط بالقمر، وقد قسّموا الشهر إلى أربعة أسابيع، فهي سبعة أيام في أربعة أسابيع بثمانية وعشرين يومًا؛ هي منازل القمر). وكذلك هذا المعبد.. هو مِن معابد التقرب إلى الإله المرتبط بالتقويم القمري، ولكن كذلك للشمس وغيرها من الأجرام السماوية حضورًا في التعبد، وهذا هو شأن عموم التعبد القديم في المنطقة العربية، كما ورد في القرآن من محاجة النبي إبراهيم قومه، في «سورة الأنعام:75-80».
