القبيلة التي تضحك ليلا تلد الحكايات

10 فبراير 2026
10 فبراير 2026

من زاويةٍ محدودةٍ، وكُوّةٍ ضيّقةٍ، وحدثٍ يوميّ بسيطٍ يتفتّح الممكن السرديّ في رواية «القبيلة التي تضحك ليلاً» للكاتب السعودي سالم الصقور على ممكنات قصصيّة شتّى، وعلى عوالم منها ما يخصُّ الواقع الذاتي الخاصّ الوجوديّ للإنسان، ومنها ما ينفتح على محليّة لها عادات وأصول وتقاليد وحكايات مكتومة، ومواقع بكر تحتاج إلى عين سارد ينقلها من رمادها إلى إذكاء نار الحكاية.

مِن واقعةٍ أصْلٍ يتّخذ الراوي منظورًا وزاوية منها يسترجع من جهة، ويحكي آنَه من جهة ثانية. تتفتّح من الوجود سُرودٌ وأعمالٌ ومواقف وشخصيّات، ويرتحل الراوي فعلاً (في بحثه عن دواء وليدته) وذهنا من خلال استرجاع ملامح وصور ووجوه شخصيّات أكلها الزمن شخصيّات ترتبط بأسبابٍ بالشخصيّة المركز. حدثٌ منطلَقٌ ومدارٌ تنفتح به الرواية ويظلّ متحكّما في تصاريفها وحركتها وجهتها ومنظورها وما تدعوه من مواقف وأحوال. هو ولادة أنبوبيّة لطفلة مرشّحة للموت بسبب عطل في أعضائها لوالد لم ينجح في الإنجاب.

يتعهّد بحكاية الموقف وما ينتج منه تصاعد حدثيّ. يرمي بالرواية إلى مجاهل غير متوقّعة؛ إذ يبنيها راويها على مرتكزين رئيسين: الأوّل الولادة وما نتج عنها من مواكبةٍ لأملٍ ضئيلٍ في إنقاذ المولودة، وتنعّم الراوي بهبة الأبوّة، وتحقيق الخلافة في الأرض. الثاني: هو الذات الراوية نفسها التي تتهيّأ مشروعًا سرديّا قائم الذات في ما يشبه السيرة الروائيّة التي يضطلع فيها الراوي بحكايةِ ذاته، وما علق بها من جموح وانكسار وامتداد وانكماش، وما تنازعها من أهواء وأصداء وأنواء، وما ارتبط بها من شخصيّات بصلة وسبب.

لحظة من إحساس دقيق رقيق لرجل ينتسب إلى فضاء قبليّ وإلى عالم يُؤمن بالفحولة والرجولة والإخصاب على وفْرة علاّته، وكثرة تشوّهاته. واقعٌ يسأل عن علّة عدم الإنجاب، ويسمح لأشخاصه أن يخوضوا في مواضيع شخصيّة، ويُحوّل موضوع عدم الإنجاب إلى قضيّة اجتماعيّة، وإعاقة تستدعي التكاتف والتكافل للخروج منها.

هذا العالم الذي وسمته الشخصيّة بأنّه «لا يفهم نفسه» يعيش تنازعا بين ظاهر وباطن، ومفارقة بين ما كان وما هو كائن. الراوي في ذاته مركزٌ سرديّ يتكشّف ويكشف ذاته في كلّ مراحل الرواية. يفيض السرد ببيان معتقده ورحلته في الحياة، وصلاته في الوظيفة ورؤيته للكون وللوجود وللذات البشريّة.

ولذلك فكثيرًا ما كان الراوي يُسْفِر عمّا بداخله، ويكشف عن مواطن الشكّ وانعدام اليقين في سخريّة وجوديّة تقرب من السخريّة الفلسفيّة عند أعلام الوجودية الفرنسيّة. ولا غرابة في ذلك؛ إذ إنّ الشخصيّة الروائيّة تجترّ الأسى، وتعاشر الفقْد اليوميّ، فهي تعبّر عن أساها قائلة في مفتتح روايتها: «في كلّ شهر قمريّ يموت واحد من أبنائي، فينتصب سُرادق العزاء في صدري، ولا أحد يُشاركني تلك المآتم السريّة». هذا الهمّ الملازم للشخصيّة أفقدها كلّ يقين في غيب أو في علم أو شعوذة أو في أسطورة أو في رقية، وصارت رميّة الصدف.

ذاتان تذويان: ذاتٌ فاقدة الوعي بالوجود تولَد لتموت، وذات حمّالة أرزاء مثقلة الوعي تحمل أعباء الحاضر والماضي والمقبل. حاضرٌ بلا طعم ولا نكهة ولا وجه، وماضٍ يُهيمن عليه الوعي القبلي. لقد نجح سالم الصقور في حمل القارئ على تطعّم ذوق الأسى، وعلى الإحساس بجوهرٍ بدأ يتآكل هو جوهر الإنسان الإنسان الذي يعيش تيهًا وجوديّا بفقْد الثقة في كلّ الثوابت من حوله.

علي بن مانع الشخصيّة المركز في الرواية التي اختارت أن تتابع حكايته عبر الضبط الساعاتي الميقاتي، وأن تضع كلّ همّها المحكي في يوم كامل بليله؛ يوم يمرّ في حال انتظار منتهى أمر المولودة المشوّهة التي يعمل والدها على بذل كلّ الجهد المتاح ليعيش الساعات المتبقيّة لها وهو ينعم بأبوّته لها هذه الأبوّة التي افتقدها، وسعى إليها ذاتًا راغبة، وذاتًا واقعةً تحت مطرقة المجتمع المراقب لهمسات الأفراد وسكناتهم.

لم تكن الحكاية على بساطتها ويسر حوادثها مرتبطة بقضيّة أطفال الأنابيب، ولا بالعقم ونظرة المجتمع له، ولا بالمنظور الاجتماعي للخصوبة والرجولة، ولا بالنظرة الجندريّة التي تحطّ من شأن المرأة وإن كانت وليدة، بل هي رواية الإنسان تتنازعه رياح الوجود في إثارة عبثيّة الحياة والموت، أو حكمة الحياة الموت، وفي إثارة وضع الفرد في الجماعة، وفي حكاية نبْض الإنسان؛ يخلو بنفسه، فيحكي ما يحدث في خلوته. ينفخ في رمادٍ مكتوم يخفي في بواطنه براكين قاهرة قاتلة.

الإنسان الذي يعيش في ظلّ سلطة قبليّة يسمها الراوي بالجور وتحطيم الأنفس، وفرض قوّة الماضي نهجا ومثالاً، وهذا ما بان بشكل لافت في حديثه عن قصّة نجوى الزوجة الأولى التي طلبت الطلاق في وقت لا تلجأ فيه المرأة إلى طلب الطلاق إلاّ وهي جادّة ومجدّة الساعة السابعة ليلا وقت العشاء، ووقت المسلسل، ووقت المرأة الذي تكون فيه أكثر جديّة؛ نجوى التي قصّ الراوي حكايته معها، وقصّ أيضًا تراكم الأسى والقهر في حكايتها، وكشف عن آثار الأقدمين فيها.

لقد أثار الكاتب «الصناديق المقفلة»، وأبان أثر المخفيّ. من ذلك أنّ القبيلة تسير على هدْي رمزٍ يُقتدى به ويُحتَذى، وهو في حال نجوى الجدّ الذي غُلّب على حياتها، غير أنّ القدوة قد تتحوّل أذيّة، ولسيادة الرجال المطلقة آثار سلبيّة سالبة للكينونة «حكم رجال العائلة ذلك البيت بصرامة مؤذية.

كلّ تصرّف في حياتهم يُوضع على مسطرة بطولات الجد. وكانت المرأة معيارا قبليا يحطّ من البيت أو يرفعه. منعوهن إكمال دراستهن بعد المتوسّطة. لا يأكل أي رجل من ذلك البيت مع أيّ امرأة، حتّى وإن كانت أمّه. ذهابهنّ إلى السوق أحد أحلامهنّ المؤجّلة».

عوالم من التقاليد، من العادات، من سيرة الإنسان، من جموحه وزلاّته، من ألمه وبكائه، من ضعفه الذي يرميه في براثن الإيمان بالوثنيّة، من اللجوء إلى الأساطير وعالم الجان، من الإيمان لقضاء الحاجات، من النكران لما آل إليه الإنسان من عوالم افتراضيّة يصبح فيه عطب الوليدة حدثًا يُستغلّ، من شاي يُشرَب على الطريق، من صلةٍ بهاتف إن سقط أو تعطّل انقطع الإنسان عن العالم، ترويها الرواية دون إملال أو كساد أو إفساد، وإنّما هو بيان حال ووصف بإيجاز، العين اللاّقطة لا لسان لها يثرثر ويسهب البيان.

لقد نجح سالم الصقور في تقديم رؤيته للكون من حوله بأسلوب شائق، ولغة رامزة، وإدراك عميق. حسبه أنّه حكى حكايته. حكايةٌ مرغِّبة تُطلّ على الوجود الإنساني في وقفة الفرْد متأمّلا في عالمه الخاصّ جدّا، وفي العالم من حوله، وقد اكتسب عيْنا عارفةً بعمق علل المجتمع، ونقل وعي الإنسان بالقلق بأزمة الذات. ليست الرواية كاشفة عن طابوهات المجتمع السعودي، ولا قيمة -في ظنّي لحكاية تتقصّد إثارة هذه المواضيع-، بل هي رواية سلسلة قادرة على جعل القارئ يتفاعل مع أزمة إنسان في مهبّ الشكّ؛ إنسان يفقد اليقين.