يوميَّات"سَجِّل، أنا عربي"
السبت، 14 نوفمبر 1998، أوستن، تكسَس (1)
(1)
أقرأ اليوم في كتاب «السينما في الوطن العربي» لجان الكسان بعض التفاصيل الخاصة بإنتاج أول فيلم سوري: «المتَّهم البريء» (1928). وقد استوقفني ما قامت به السُّلطات الفرنسيَّة بعد اكتمال تصوير الفيلم على إثر جهود شخصية شاقة وليس بتمويل من وزارة الثقافة الفرنسية مثلًا، حيث منعت الرقابة العرض «بسبب وجود آنسة قالوا إنه لا يجوز ظهورها في الفيلم لأنها مسلمة وغير محترفة، ولأن رجال الدين في المدينة يحتجون على ذلك، مما يسبب إخلالًا بالأمن العام...».
وقد سمحت السلطات الفرنسية لاحقًا بعرض الفيلم بعد أن أعيد تصوير المشاهد التي ظهرت فيها الآنسة السوريَّة بأخرى استبدلت فيها براقصة ألمانية اسمها لوفانتيا.
ما يستوقف في هذه التفصيلة كثير. ولكن، مبدئيًا، يمكن القول:
صورة الأنثى الغربية (باعتبارها امرأة عربية)!، بينما الأنثى العربيَّة الفعليَّة مُصادَر عليها حتى مجرد حق اتخاذ (assuming) الصُّورة، وليس التَّمثيل (representation) فحسب.
إن الفرنسيين المتنوِّرون (والمنوِّرون) لا يجشمون أنفسهم عناء القيام بخطوة لدى «الظَّلاميين» المحليين؛ بل إنهم يتخذون نفس الموقف، ويحمونه، ويضفون عليه الشرعية السياسية، والأخلاقية، والاجتماعية. وهذا موقف لا يليق بـ «باريس النور والحضارة»! وإذا كان المستعمِرون الغربيون يتبجحون دومًا بأن ما يقف وراء استعمارهم للشعوب «المتخلفة» هو الرغبة في نقلهم من «البربرية» إلى «الحضارة» - كما تقول اثنتان من أسوأ عبارات الخطاب الكولونيالي الغربي وأكثرها عنصرية ومركزية: «مهمة النَّقل إلى الحضارة» civilizing mission التي هي «عبء الرجل الأبيض» white man›s burden - فأين هو الدور الفرنسي «التحضيري/ الحضاري» في سوريا «المتخلِّفة» خاصة وأن الأمر يخص واحدة من أكبر القضايا وأكثرها صدارة حين يتعلق الأمر بـ«الحضارة»: قضية المرأة؟!
الذين يقولون إن ما يحدث اليوم في الجزائر ليس من صنيع الفرنسيين لا من قريب ولا من بعيد، ولكنه بالأحرى نتيجة لعوامل «داخليَّة» و«محليَّة» فحسب، عليهم الاهتمام بتاريخ السينما قليلًا.
(2)
كل يوم صدى لأمسه، وكل غد.
اليوم، في الطريق إلى اجتماع فرع «اللجنة الأمريكيَّة العربيَّة لمناهضة التَّمييز» (ADC)، التي أنا من أعضائها، تحدثت إلى الأستاذ الزائر [...] من جامعة [...] المغربيَّة إلى قسم الدِّراسات الشَّرق أوسطيَّة في الجامعة التي أدرس بها (UT)، والذي كان قد أنجز أول أطروحة دكتوراة رزينة أعرفها عن صورة العربي في السِّينما الأمريكيَّة الصَّامتة، وذلك في جامعة كانسَسْ (1993). كنت قد قرأت تلك الأطروحة بنسختها الجامعيَّة (غير المنشورة) عبر نظام الاستعارة «البين-جامعيَّة»، وفرحت بها معنويًّا وأخلاقيًّا، وأعجبت بها من ناحية المنهج، خاصة وأن توم شاتز الذي يتكئ ذلك الأستاذ العربي الزائر على بعض أطروحاته المنشورة، هو الأستاذ المشرف المباشر على أطروحتي الحاليَّة. وإلى هذا فإن أطروحة ذلك «الشَّقيق العربي»، الأستاذ الزائر، ترتبط مباشرة بموضوع دراستي الرَّاهن، بل وكذلك القادم الذي أخطِّط له.
وبالتالي، فقد سعدت بصورة لا يمكن وصفها والتَّعبير عنها، أن صاحب تلك الأطروحة الفريدة حقًّا، لحسن حظِّي ووافر نصيبي من نِعَم السَّماء وهباتها، من زوَّارنا في الجامعة لفصل دراسي بصفة «باحث زائر» ضمن مِنَح برنامج Fulbright (وفلأقل هنا، للأمانة والنَّزاهة، لا أدري لماذا أخفقتُ إخفاقًا ذريعًا في احترام أي من الأساتذة الزائرين من الوطن العربي الذين قابلتهم ممن أتوا إلى هنا عبر ذلك البرنامج). ولذلك فقد سعيت بلهفة إلى التَّعرف إليه حيث أنني -وقول هذا زائد عن الحاجة- توقعت منه التَّشجيع، والمؤازرة، والتَّعاطف، وتبادل الحوار والآراء حول مشروعي (الذي هو، في الحقيقة، مواصلة وإكمال للمشروع الذي ابتدأه من حيث إن مشروعي يتضمن الفترتين السِّينمائيَّتين الأمريكيَّتين: الصَّامتة، والنَّاطقة).
لكني، يا أخا العرب الذي هو أنا فقط، لم أحصل منه سوى على الخذلان، والتَّثبيط، والخيبة حين تحدثت إليه عن الصُّعوبات والتَّعقيدات (الماليَّة خاصَّة) التي تعترض مشروعي في الدِّراسة لمرحلة الدكتوراة التي أنويها على الرغم من عدم توافري على بعثة دراسيَّة؛ فكان تعقيبه أن عليَّ ألا أخشى شيئًا: «لأنك ستعود بعد الحصول على درجة الماجستير إلى عُمان، وستصبح وكيل وزارة على الأقل، وستتقاضى عشرة آلاف دولار راتبًا شهريًّا، فما الذي بينك وبين شغل الدكتوراه الشاق الذي لا قِبَل لك به»؟!
يا إلهي، إلى هذه الدرجة؟! صمتُّ، إذ لم أدر فعلًا ما الذي يمكن لي أن أقول. بعد قليل، وقطعًا للسُّكوت (الذي هو «صمتٌ» من ناحيتي)، قال لي إنه كان يعرف زميلًا سعوديًّا له في جامعة كانسَس أنجز دراسة الدكتوراة في تسع سنوات، بينما أنجزها هو في أربع سنوات فقط. رددتُ فورًا بآهة خافتة طويلة، محروقة، وحارقة، متبوعة مباشرة بالعبارة التالية التي قلتها بـ»الحركة الصوتيَّة البطيئة»: أنا أيضًا أعلم عن زميلٍ سُعوديٍّ لم ألتقِ به شخصيًّا، لكنه أنجز أطروحة الدكتوراة في هذه الجامعة (وشدَّدتُّ عامدًا على كلمة «هذه» بالنظر إلى السمعة الأكاديميَّة العاليَّة) عن الاستشراق في أعمال كتَّاب أمريكيين في أربع سنوات. وبالمناسبة، فقد كانت رئيسة لجنته باربارا هارلو شخصيًّا (ونبَّرت اسمها قاصدًا بسبب مقامها الفكري الرَّفيع). وبالمناسبة -أردفتُ- أيضًا: هي من قال لي إنني سأندم كثيرًا لو لم أقرأ تلك الأطروحة!
كان هذا الأستاذ قد هاتفني ليقول إن لا وسيلة مواصلات لديه للذهاب إلى الاجتماع، فقلت له إنه سيسعدني المرور به بسيارتي واصطحابه معي لأنني ذاهب إلى نفس الاجتماع أصلًا. لا شك أنه قال في نفسه: «لديه سيارة لأنه خليجي وفي بيته بئر نفط» في الحقيقة، لا! لا بد أن كلمة «خيمته» (التي -من نافلة القول- ينام فيه مع الجِمال والأغنام) وليس «بيته» هي ما ورد في خاطره، حيث إن الوقت لا يزال مبكِّرًا على «البدو الخليجيين الأوباش» للانتقال إلى مرحلة «السُّكنى المستقرة» في أطوار الحضارة!
وقبل حوالي تسع سنوات من اليوم قابلت إدوَرْد سعيد للمرة الأولى أثناء عرض أوبرا موتزارت «دون جوفاني» من إخراج بيتر سلَرز في مدينة نيويورك. «يا الله، يا أيها السَّخي الكريم مغدق العطايا، ها أنا أمام إدوَرد سعيد بلحمه، وشحمه، وقلبه، وعقله الهائل، وجهًا لوجه»!، هكذا قلت لنفسي. تقدَّمت إليه، وحيَّيته أحسن تحيَّة. وفي أثناء حديثنا سألني بالعربية الدَّارجة: «من وين إنته»؟، وحين أجبته، عقَّب مؤلِّف السِّفر الضَّخم الهائل الذي غيَّر مسار العلوم الإنسانيَّة في الأكاديميا الغربيَّة، الاستشراق، مستنكرًا مصعوقًا، بلسان الضَّاد أيضًا: «من عُمان، وعندك اهتمام بالأوبرا»؟!؛ فرددت -مستنكرًا ومصعوقًا أكثر- بالإنجليزية فورًا، وبالحرف الواحد: «هل هذه هي النسخة العربيَّة من الاستشراق يا بروفِسُرْ سعيد»؟! (“Is this the ARAB version of Orientalism, Professor Said”?!) مُشدِّدًا على كلمة «العربية». وكي لا أظلمه وأتحامل عليه فإنه، للأمانة والنَّزاهة، عقَّب بالإنجليزيَّة، وإن يكُ بعد خراب مالطة: «لا! لم أقصد ذلك»! (“No! I didn’t mean that!”) (*).
ويا محمود درويش: «سَجِّلْ، أنا عربي».
---------------------------------------
(*): من اجتهاداتي الضئيلة، في هذا الشأن، تقديم/ استنباط مفهوم «الاستخلاج» (على وزن «الاستشراق») الذي ابتدأ تداوله مؤخرًا في دوائر أكاديميَّة ضيِّقة. وبالطبع فأنا مدين في ذلك أيَّما دين لأستاذي الجليل إدوَرد سعيد. انظر، إن شئت: عبدالله حبيب، «لن نبدأ من حيث ابتدأت سينما الآخرين» («الخليج»: الشارقة، 21 نوفمبر 1994). ومن المثير للاهتمام حقًا أن ربط المخيال العربي بين «الخلايجة» والجِمال يوازي تمامًا ربط المخيال الأمريكي بين كل «العرب» والصحراء باعتبارهم «زنوج الصحراء» (“desert niggers”) بأكثر المعاني تحقيريَّة، وازدرائيَّة، وإهانيَّة (حاشية أضيفت إلى المتن في يوم الخميس، 5 فبراير 2026، مسقط).
