البحث والابتكار مرتكزا التقدم والبناء
يحظى البحث العلمي باهتمام متزايد من الحكومات والمؤسسات الكبرى؛ لدوره المحوري في تعزيز القدرة على توظيف المعرفة في مختلف القطاعات، ورفع الإنتاجية، وتطوير التقنيات إلى جانب دعمه لصنع القرار القائم على التحليل والدراسة، ومن خلاله تتحول الأفكار إلى تطبيقات عملية، وتُوجَّه الجهود نحو حلول قائمة على أسس علمية واضحة بما يعزز كفاءة استثمار الموارد، ويدعم تحقيق نمو شامل ومتوازن؛ فالدول التي تستثمر في المعرفة، وتمنح البحث العلمي أولوية تكون أكثر قدرة على تحويل التحديات إلى فرص، وتوظيف الابتكار في تطوير الاقتصاد، وتحسين جودة الحياة.
وفي إطار سعيها لمواكبة التسارع التقني العالمي تولي سلطنة عُمان اهتماما متناميا بالبحث العلمي واقتصاد المعرفة؛ لإدراكها أهمية الابتكار في الدفع بالتنمية، وتحقيق تطلعات «رؤية عُمان 2040» نحو مجتمع مبدع، واقتصاد معرفي قائم على التنافسية.
إلا أن تحقيق هذه التطلعات يظل مرتبطًا بتعزيز الاستثمار، وتفعيل دور مؤسسات القطاع الخاص في دعم الابتكار؛ حيث أسهمت الاستثمارات الضخمة التي خصصتها الشركات العالمية للبحوث وتطبيقاتها العملية في قيادة التطور التقني، وتحويل اقتصاد المعرفة إلى محرك رئيس للنمو في الدول المتقدمة صناعيًا وتقنيًا.
ولا شك أن القطاع الخاص في سلطنة عُمان يمتلك إمكانات وخبرات تطبيقية تؤهله للاضطلاع بدور أساسي في دعم البحث العلمي، واحتضان الأفكار، وتحويلها إلى منتجات وحلول ابتكارية ذات قيمة مضافة تُمكّن الاقتصاد الوطني والمواهب من المنافسة في الأسواق المحلية والعالمية.
وتتجلى سمة الاهتمام بالبحث العلمي والابتكار في ما نشهده من تطور ملموس في البنية التقنية، وتسارع في التحول الرقمي، وزيادة الاستثمارات في رأس المال البشري إلى جانب تحسن ملحوظ في المؤشرات الدولية، وتقدم في مجالات نوعية من بينها تقنيات الفضاء، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، وصناعات الهيدروجين الأخضر. واليوم مع إنشاء هيئة البحث العلمي والابتكار تنتقل جهود تعزيز الابتكار إلى مرحلة أكثر تنظيمًا وتأثيرًا عبر منظومة وطنية تعزز إنتاج المعرفة وتوظيفها، وتدعم الباحثين، وتحفز تمويل المشروعات البحثية.
إن نتائج مسح البحث والتطوير لعام 2025 -الذي يقيس مدخلات ومخرجات الابتكار وحجم الإنفاق على أنشطة البحث والتطوير التجريبي في سلطنة عُمان- تعكس التقدم المتواصل في بناء منظومة وطنية داعمة للابتكار واقتصاد المعرفة، وتعزيز القدرات البحثية؛ حيث ارتفع إجمالي الإنفاق على البحث والتطوير التجريبي خلال السنوات الماضية ليتجاوز 160 مليون ريال عُماني سنويًا مع استحواذ القطاع الخاص على الحصة الأكبر من هذا الإنفاق كشريك رئيس في دعم الأنشطة البحثية والابتكارية، والاستفادة من مخرجات البحث والتطوير في مختلف مجالات الابتكار.
ويأتي توجه سلطنة عُمان نحو تعزيز دور القطاع الخاص في قيادة الابتكار والاستثمار في البحث والتطوير مواكبا للتوجهات العالمية التي تؤكد أهمية مساهمة الشركات في بناء اقتصادات قائمة على المعرفة، مستثمرًا في العقول الفذة التي ستقود دفة التأثير والبناء، وتؤسس قيمة نوعية من الاكتفاء.. اكتفاء يأخذ بيد الفكرة إلى مسار فاعل يتحرر من التنظير وأروقة المختبرات لتكون أداة داعمة للاقتصاد الوطني، ومستهدفات الاستدامة والنمو.
