ثقافة

"مجلة نزوى" توصي بتعزيز التكامل مع المشروعات الثقافية وتطوير الحضور الرقمي والهوية البصرية

21 يناير 2026
كتبت: خلود الفزارية - تصوير: حسين المقبالي
21 يناير 2026

ضمن أعمال ورشة عمل ناقشت "استدامة المشروع وتحديث الرؤية"

نظمت وزارة الإعلام ممثلة في مجلة نزوى، ورشة عمل بعنوان "استدامة المشروع وتحديث الرؤية"، أوصت بتكوين لجنة استشارية للمجلة، وتأسيس مرصد ثقافي، وإعداد سياسات واضحة لاختيار الكتاب والهوية البصرية، ومراجعة حجم المجلة بما يتلاءم مع القارئ الجديد وفرص التوزيع، وتعزيز التكامل مع المشروعات الثقافية في المؤسسات الأخرى، والاهتمام بالترجمة من اللغات الشرقية، وإصدار نسخة مترجمة إلى اللغة الإنجليزية، وتأسيس صالونات ثقافية ومنتدى دوري للمجلة، وتخصيص ملفات تعالج قضايا معاصرة مثل البيئة، والرقمنة والعلوم الحديثة، وقضايا المرأة وأدب الطفل، والتحولات الاجتماعية والثقافية والعمرانية، مع تعزيز التسويق الرقمي، والاهتمام بالمبدعين الشباب، وتطوير الحضور الرقمي والهوية البصرية، وإعداد دليل خاص باستخدامات الذكاء الاصطناعي، ودراسة إنشاء وكيل ذكي يعتمد على محتوى المجلة، وإضافة أقسام فنية إبداعية لمقاربة القضايا الراهنة.

وتم تنفيذ الورشة صباح اليوم في فندق جراند ميلينيوم، بحضور معالي الدكتور عبدالله بن ناصر الحراصي وزير الإعلام، ونخبة من الباحثين والمثقفين والأدباء، وهدفت إلى إعداد برنامج تنفيذي يبنى على مخرجات الورشة في الجوانب التحريرية والفنية والتقنية، وتعزيز الوعي بالمجلة بوصفها مشروعا ثقافيا حيا ومتجددا، وإشراك أطياف متنوعة من القراء والكتاب والباحثين والفنانين والتقنيين في مسار تطويرها، واستشراف اتجاهات الكتابة والنشر الثقافي في السياقات العربية والعالمية.

ونفذت الورشة عبر محورين في المحتوى الثقافي، وشمل مجالات المجلة ومضامينها وكتابها، والهوية البصرية والرقمية، وتناول أنماط الحضور الرقمي للمجلة وتطوير هويتها البصرية.

وبعد جلسات النقاش وتبادل الأفكار والرؤى، خلص المشاركون إلى أن موضوعات مجلة نزوى تميزت بعمق معرفي واضح، وتنوع أسهم في إثراء المشهد الثقافي العماني، من خلال دراسات أدبية ونقدية وتاريخية وفلسفية، وموضوعات في الفنون والسينما والموسيقى والمسرح، إلى جانب تناول القضايا الراهنة محليا وعربيا وعالميا.

مسار التطوير

وأعربت الدكتورة عائشة الدرمكية رئيسة تحرير مجلة نزوى عن شكرها للحضور على مداخلاتهم النوعية، ونقاشاتهم الجادة، في الجلسات الحوارية، والتعامل الاستمارات التقييمية، التي نعدها جزءا أساسيا من مسار التطوير.

مؤكدة أن جميع الملاحظات والرؤى التي طرحت، سواء على المنصة أو عبر الاستمارات، ستعامل بأقصى درجات الجدية والاهتمام، وستناقش ضمن فريق المجلة، ومع الجهات المعنية، في إطار موضوعي يهدف إلى تطوير مجلة نزوى وتحسين أدائها ومحتواها.

وأشارت الدرمكية إلى أهمية الاستفادة من هذا الجمع الثقافي الواسع في مناقشة السياسة التحريرية للمجلة، كما طرحت بعض المقترحات المتعلقة بالسياسة التحريرية، من بينها فكرة تخصيص كاتب ثابت، وهي مقترحات نثمنها، مع الإشارة إلى أن سياسة المجلة الحالية تحرص على التنوع، ولا تتيح لكاتب واحد النشر في عددين متتاليين، إيمانا بأهمية إتاحة الفرص وتعدد الأصوات. وفيما يتعلق باستخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة، تؤكد المجلة التزامها بمبدأ الشفافية، حيث يلزم الكاتب بالإفصاح عن حدود تدخل الذكاء الاصطناعي في إعداد المادة المقدمة، دون أن يكون ذلك حكما مسبقا على قبولها أو رفضها، إذ يبقى معيار الجودة والعمق والرصانة الفكرية هو الفيصل، مع الالتزام بالأمانة العلمية والمهنية.

مشروع المجلة

من جانبها ألقت هدى حمد مديرة تحرير مجلة نزوى كلمة المجلة أوضحت فيها أن المجلات في العالم والوطن العربي تستيقظ اليوم محفوفة بأشباح المحو والزوال. ينظر لتجاعيد شيخوختها وهرمها بانتباه شديد في عصر تتناسل فيه التقنيات بشكل مرعب كل يوم، وخلف قضبان اتهامها، تبقى المجلات في حيرة من أمرها بين القيمة الصلبة التي تضمرها وبين الخشية من الانزلاق الهش إلى أوحال "الموضات" العابرة.

بين المعنى الذي لا تريد التضحية به كقربان على مذبح الحداثة، والتصلب المذموم أمام الفتوحات المعرفية المذهلة الأخرى. متسائلة: كيف يمكن للمجلات أن تخوض احتمالاتها، وأن تتماس بجرأة مع أسئلة واقعها الجديد، أن ترصد الظواهر التي تعبر المجتمعات ثقافيا وسياسيا واقتصاديا، وأن تحرض سجالا حول المتغير دون أن تغدو ترسا في آلته الضخمة!

وأضافت أن مجلة نزوى في لحظة انطلاقها بدت كمصنع وشائج، تربط الجغرافيا المنعزلة بسياقها الخليجي والعربي والعالمي. ولعبت دورها الأصيل في تحريض الأسئلة والمخيلة ومساءلة الأفكار. وقد انبثق مشروع مجلة نزوى في منتصف التسعينيات، ليستوعب أصواتا محلية إلى جوار الأصوات العربية وما جلبته الترجمة من انفتاح على تجارب العالم. ولم ترتهن المجلة إلى شكل أو مضمون ثابت، وإنما غرفت من أنهار العالم وينابيعه المتباينة، بين ما اقترحه الكتاب والمثقفون وبين ما كلفوا به لضمان اتصال المجلة بالمتغيرات.

موضحة أن ما نصبو إليه بصحبتكم اليوم هو التماس مع حيوية أفكاركم لنبش السؤال: بين ترويض هاجس خسارة الثقل النخبوي التنويري، والخشية من الخفة البهلوانية التي لا تفضي إلى معنى.

وكيف يمكن عقد رهانات جديدة مع الأشكال والمضامين التي تحفر في لب ما يشغل الأجيال الجديدة؟

نحن اليوم معكم لنتساءل: كيف يمكن للمجلات أن تشق شرنقتها نحو فضاء شاسع، خارج تقشف الرؤية تجاه مشاريعنا الثقافية، وكيف ننجو من خدر التعطل، خشية السقوط في فخاخ نزعة التسليع؟

فكل ما تقترحه التقنيات الحديثة يغيرنا على نحو مذهل، ويعيد تشكيل علاقتنا بالكتابة والفنون والآداب، بتاريخ الأفكار والأماكن، بالسينما والمسرح واللوحة والصورة. فكيف لنا أن ننظر إلى هذا التحول الجارف، باعتباره باعثا على حياة جديدة متصلة بحساسية العصر ورؤاه؟

مناقشة المحتوى الثقافي

استهلت الورشة بعرض فيلم مرئي عن المجلة وتاريخها ومراحلها وصولا إلى أعدادها الجديدة، بعدها افتتح عبد الرحمن المسكري مدير الجلسة أعمال حلقة العمل الأولى مرحبا بالمشاركين من كتاب وأدباء ومثقفين، ومثمنا حضورهم ومساهمتهم في هذه الورشة التي تهدف إلى مناقشة الأفكار والرؤى والملاحظات النقدية المتعلقة بمشروع تطوير مجلة "نزوى".

وأوضح أن هذه الجلسة خصصت لمناقشة المحتوى الثقافي للمجلة والكتاب المرفق بها، بمشاركة خمس طاولات عمل.

وأشار إلى أن الاستمارات التي عبأها المشاركون ستخضع لقراءة معمقة من قبل إدارة المجلة، بهدف بلورة رؤية تطويرية مشتركة تنطلق من أفكار الكتاب والمثقفين والقراء، وتترجم لاحقا إلى برنامج عمل واضح المعالم.

وأكدت الطاولة الأولى على لسان متحدث المجموعة إبراهيم سعيد، أن مجلة "نزوى" شكلت منذ انطلاقتها في تسعينيات القرن الماضي منعطفا ثقافيا مفصليا في المشهد العماني، وفتحا معرفيا يشبه في أثره ما أحدثه ظهور الإنترنت لدى الأجيال الشابة، مشيرا إلى أن المجلة كانت ولا تزال موجها فكريا وثقافيا على امتداد ثلاثة عقود.

وأوضح أن تطلع المشاركين إلى تطوير المجلة لا ينفصل عن الحرص على صون نقاط قوتها، وفي مقدمتها الخط الجمالي والفني والفكري النادر الذي تميزت به "نزوى"، على مستوى المشهد الثقافي العربي عموما، وهو ما منحها قاعدة قراء ممتدة من المشرق إلى المغرب. مؤكدا على أبرز سمات المجلة وهي: العمق الفكري والتنوع في المواد المنشورة، والموازنة بين النصوص الوصفية والدراسات الرصينة، ومواكبة القضايا الراهنة في المشهد الثقافي، وعدم خضوعها للأدلجة أو القوالب الصارمة.

مشيرا أن القوة الحقيقية للمجلة تكمن في كتابها المستقلين، وفي احترام مشروع الكاتب الفرد وأفكاره، معتبرا أن هؤلاء الكتاب شكلوا "الدينامو" المحرك لمسيرة المجلة طوال عقودها الثلاثة. واقترحت الطاولة تحويل مجلة "نزوى" إلى مرصد ثقافي يتابع الظواهر الفكرية والثقافية المعاصرة محليا وعربيا وعالميا، ويعمل بمثابة مسح ثقافي شام، مع الحرص على ألا يغيب عن المجلة أي اسم عماني معاصر فاعل، ولا أي كاتب عربي أو عالمي مؤثر في المشهد الثقافي الراهن، وتحقيق توازن في الملفات، مع اقتراح ملفات خاصة بالثقافة البيئية، والرقمنة، والعلوم الحديثة، إلى جانب ملف عماني يعنى بالشخصيات والقضايا الثقافية المحلية.

والعمل على استعادة الكتاب العمانيين الذين ابتعدوا عن النشر في المجلة، وتقدير الكاتب المحلي والعربي ضمن استراتيجية واضحة تقوم على احترام جهد الأفراد، وإنشاء هيئة استشارية تضم أسماء ثقافية وازنة أسهمت في مسيرة المجلة، مثل: سيف الرحبي، وطالب المعمري، للاستفادة من خبراتهم.

مع توسيع مساحات النقد والدراسات والنصوص، مع الحفاظ على خط التميز والخصوصية، وإطلاق مسابقة ثقافية تستهدف الأجيال الشابة (تحت سن 30 عاما)، على غرار تجربة مجلة "العربي"، بهدف استقطاب أصوات جديدة وضمان استمرارية المجلة. كما أشار إلى التحديات المرتبطة بالتحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي، وضرورة تطوير أدوات تحريرية قادرة على التمييز بين المحتوى الإبداعي الأصيل والمحتوى التوليدي.

أكد الدكتور علي المتحدث باسم الطاولة الثانية أن مجلة "نزوى" تمثل مشروعا ثقافيا راسخا حافظ على استمراريته وتنوعه، مشيرا إلى إجماع مجموعته على قيمتها وأثرها، وأوضح أن التحولات التي يشهدها المشهد الثقافي محليا وإقليميا وعالميا تستدعي مراجعة توزيع الاهتمامات داخل المجلة، ولاحظ وجود تركيز أكبر على النقد الأدبي مقارنة ببعض الحقول الأخرى، مثل الدراسات التاريخية، رغم حضورها المستنر.

وجاءت مقترحات الطاولة بتعزيز حضور الدراسات العمانية، ولا سيما التاريخية والحضارية، والالتفات إلى التحولات الاجتماعية والاهتمام الثقافي بالمحافظات خارج المراكز، في ظل توجهات اللامركزية، وبناء قاعدة بيانات للكتاب والباحثين في مختلف التخصصات لتسهيل عملية الاستكتاب، والانتقال من تقديم المعرفة إلى نقد المعرفة، خصوصا فيما يتصل بالتراث العماني.

مع تناول قضايا مجتمعية معاصرة، مثل قضايا المرأة، وأدب الطفل، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، وتطوير خطاب بصري أكثر قربا من الأجيال الجديدة، دون التفريط بالعمق الفكري.

وتحدثت سمية اليعقوبية من الطاولة الثالثة عن مجمل ملاحظات مجموعتها التي تنطلق من رؤية استراتيجية تتجاوز التفاصيل الإجرائية، معتبرة أن مجلة "نزوى" بصيغتها الحالية تمثل مشروعا وطنيا ثقافيا بالغ الأهمية، واستثمارا طويل الأمد في الدبلوماسية الثقافية العمانية، لا يجوز النظر إليه من منظور مادي أو ربحي ضيق، مبينة أنها حالة ثقافية عربية متفردة، لا سيما في ظل التراجع الحاد الذي تشهده المجلات الثقافية العربية.

وأشارت إلى التحول النوعي الذي شهدته المجلة عبر تاريخها؛ إذ انتقلت من كونها مجلة ذات طابع أدبي وفكري عام، إلى منصة تهتم بالدراسات العلمية المعمقة والمقالات البحثية الرصينة، معتبرة هذا التحول تطورا بالغ الأهمية يجب تعزيزه لا التراجع عنه. أما مقترحات الطاولة فكانت بضرورة تعددية الطرح والأصوات داخل الملفات، لا على مستوى تنوع أسماء الكتاب فحسب، بل على مستوى تنوع الزوايا الفكرية والمدارس النقدية، وأهمية تضمين ملفات تعكس رؤى فكرية مختلفة دينية، وفلسفية، وليبرالية، واجتماعية، خصوصا عند تناول القضايا السياسية والثقافية الراهنة.

مع التركيز على القضايا الفكرية المركزية المتصلة بالأدب والفلسفة والتحولات الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بالثقافة، وإدراج أصوات من تخصصات مختلفة، كعلم الاقتصاد، ضمن المقاربات الثقافية، لفهم أعمق للتحولات المعاصرة. والاهتمام بالدراسات الثقافية المرتبطة بالهويات الجديدة، والتحولات الرقمية، وتأثير التقنية على الفرد والمجتمع. ومقاربة القضايا الاجتماعية من منظور سوسيولوجي وثقافي.

مع التأكيد على أهمية تحقيق توازن بين الموضوعات المحلية والموضوعات العربية ذات الطابع المشترك، وتعزيز النقد الثقافي الجاد القائم على الرصانة والموضوعية والجدة، بعيدا عن النقد الانطباعي أو المجاملات، وإلى مواكبة حركة الترجمة بتحليل نقدي معمق، مع التركيز على الترجمة من اللغات غير الإنجليزية، لا سيما اللغات الآسيوية المرتبطة بالمنطقة العربية.

كما اقترحت متابعة نشاط الباحثين والمستشرقين الناطقين بالعربية، وتعزيز حضور المجلة في الفعاليات الثقافية العربية والدولية الكبرى، ولا سيما تلك المعنية بالترجمة، والاهتمام بقضايا الفئات المهمشة، وتخصيص مساحات لتاريخ الخليج غير المطروق، واستعادة السرديات المنسية. كما اقترحت تنظيم منتدى ثقافي دوري لمجلة "نزوى" كل عامين، يراجع أبرز القضايا التي طرحتها المجلة، ويسلط الضوء على إنجازاتها عربيا وعالميا.

وتحدثت الشاعرة راما وهبة عن الطاولة الرابعة، واستهلت مداخلتها بالإشارة إلى رمزية افتتاحية العدد الأول من مجلة "نزوى" التي كتبها الشاعر سيف الرحبي، حين وصف إصدار مجلة ثقافية في زمن غير ثقافي، معتبرة أن استمرارية المجلة لأكثر من ثلاثين عاما هي الرد العملي الأقوى على هذا التساؤل.

موضحة أن مجموعتها حاولت التعامل مع المحاور المطروحة بأسلوب تساؤلي نقدي، بعيدا عن التنظير، وخلصت إلى أن المجلة واكبت القضايا الراهنة منذ بداياتها، لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في راهن العناوين، بل في قيمة المحتوى وقدرته على إنتاج أسئلة جديدة وتحفيز النقد الذاتي.

وأكدت الطاولة على أهمية الموازنة بين استكتاب الأصوات الجديدة، وضمان مستوى إبداعي ومعرفي رفيع، والتفكير في تخصيص أعمدة ثابتة لكتاب بعينهم، في ظل تراجع المنابر الثقافية العربية، والتأكيد على أن الثقافة ليست محلية أو إقليمية، بل انتماء إنساني عابر للجغرافيا، وهو ما جسدته "نزوى" تاريخيا.

كما قدمت مجموعة من المقترحات العملية كترجمة المجلة إلى لغات أخرى، وفي مقدمتها اللغة الإنجليزية، لتعزيز الحضور العالمي للثقافة العربية، والتوسع في دراسة أدب ما بعد الحروب، وأدب السجون، وتجارب الكتابة الناتجة عن الدمار والعزلة والمعاناة الإنسانية، وتعزيز حضور الفنون الأخرى، كالفنون التشكيلية، والسينما، والسيناريو، من خلال دراسات معمقة.

أما الطاولة الخامسة فتحدث فيها الدكتور حمود مركزا على ثلاثة محاور رئيسية وهي العمق المعرفي، مؤكدا أن بعض الموضوعات العميقة تستدعي الاستعانة بمحكمين ومتخصصين خارجيين، أسوة بالمجلات العلمية المحكمة، وتوسيع الحقول المعرفية لتشمل الدراسات الأنثروبولوجية والسيكولوجية المتخصصة، وربطها بالسياق الثقافي المحلي والعربي، ومقاربة الذكاء الاصطناعي بوصفه ثورة تقنية تحمل في الوقت ذاته تهديدا للذاكرة الإنسانية والإبداع، ما يستدعي نقاشا ثقافيا معمقا. ودعا إلى تكثيف الدراسات المتعلقة بالتراث الثقافي العماني، والسياق الأنثروبولوجي للمجتمع، بالشراكة مع مؤسسات بحثية متخصصة.

المحتوى الرقمي

وأدار الشاعر سالم الرحبي الجلسة الثانية التي تناولت المحتوى البصري والحضور الرقمي، حيث أوضح أن الجلسة الثانية خصصت لمناقشة الهوية البصرية لمجلة "نزوى"، وحضورها الرقمي وأدواتها التقنية، مؤكدا أن الخطاب البصري لا يقل أهمية عن الخطاب النصي، إذ يشمل اللون، والخط، والصورة، وشكل المجلة، وتأثير ذلك كله في تلقي القارئ. كما أشار إلى أهمية الحفاظ على خصوصية المجلة الأكاديمية، مع انفتاحها على الأدب والفنون والنصوص المفتوحة.

تحدثت عهود باسم الطاولة السادسة، وطرحت الطاولة جملة من المقترحات التي تداخل فيها محور المحتوى الثقافي مع الهوية البصرية والحضور الرقمي، مشيرة إلى أهمية إضافة قسم ثابت للكاريكاتير داخل مجلة "نزوى"، بوصفه فنا يحمل رسالة ثقافية عميقة، لا مجرد عنصر جمالي أو تزييني، وهو معمول به في عدد من المجلات الثقافية العربية.

وفيما يخص الحضور الرقمي، رأت أن منصات المجلة الحالية جيدة من حيث التأسيس، ولا سيما حساب "وإنستغرام"، لكنها بحاجة إلى تنشيط أكبر وتفاعل أوسع، بما يواكب الحراك الثقافي ويقرب المجلة من جمهورها. وعادت إلى ملف الترجمة، مؤكدة أن هذا المحور شغل حيزا مهما من نقاش المجموعة، ولا سيما في ظل غياب كيان مؤسسي وطني معني بعلوم الترجمة واللغات. وأشارت إلى ضرورة ترسيخ الاهتمام باللغات الآسيوية واللغات المهمشة في الترجمة، والعناية الخاصة باللغات العمانية، في ظل التنوع اللغوي الكبير الذي تتميز به السلطنة، باعتبارها من أغنى البلدان لغويا.

مع وضع خطة مدروسة لاستقطاب كفاءات قادرة على الكتابة عن هذه اللغات أو الترجمة بينها، بما يسهم في استدامة التراث اللغوي الوطني، كما نوهت بأهمية إتاحة المجال للكفاءات الشابة المؤهلة، مع التأكيد على أن الاستكتاب ينبغي أن يقوم على معيار الكفاءة، لا الإتاحة المفتوحة. وأكدت على أن تركيز مجلة "نزوى" على الترجمة، واستثمار الكفاءات الوطنية، قد يشكل مدخلا لإقناع صناع القرار بأهمية إنشاء منصات وطنية متخصصة في هذا المجال.

وتناول هلال البادي مداخلة الطاولة السابعة مؤكدا أن النقاش داخل مجموعته انصب على المحتوى الثقافي والهوية البصرية معا، لكنه ركز حديثه على الشق البصري، مع اتفاق المجموعة على أن شعار مجلة "نزوى" لا ينبغي المساس به، لا من حيث الشكل ولا من حيث الألوان، باعتباره حصيلة تراكم بصري وثقافي امتد لأكثر من ثلاثين عاما، مشددا على أن تغيير الشعار لمجرد التغيير يعني فقدان الذاكرة البصرية للمجلة، مشيرا إلى أن الهوية البصرية ليست مجرد شعار، بل منظومة متكاملة، داعيا إلى توحيد خطوط العناوين داخل العدد الواحد، واختيار خط مقروء وواضح، يسهل القراءة، خاصة لجيل الشباب، وتنظيم الإخراج الفني بما يمنح النصوص والصور مساحات كافية للتنفس.

كما توقف عند معالجة الصور، معتبرا أن الأعداد الأولى من المجلة كانت أكثر نجاحا في توظيف الصور مقارنة ببعض الأعداد اللاحقة، واقترح منح الصور الفنية مساحات مدروسة، وعدم التعامل معها بوصفها عناصر ثانوية، كما اقترح اعتماد فكرة "فنان العدد"، بحيث يرافق العدد نسق بصري واحد، يخفف من إشكالية البحث العشوائي عن الأعمال الفنية، ويمنح العدد وحدة جمالية متماسكة، مع التأكيد على أن ذلك لا يتعارض مع التنوع الفني.

مؤكدا على ضرورة اعتماد دليل للهوية البصرية يتضمن رموز الألوان المعتمدة، والخطوط المستخدمة، وقواعد الإخراج، وذلك لضمان الاستمرارية وعدم خضوع المجلة لاجتهادات فردية عند تغيير فرق الإخراج.

وجاءت مقترحات الطاولة الثامنة التي قدمها طاهر الحراصي مركزة على النسق البصري داخل العدد والتحول الرقمي. وأكدت الطاولة أن اعتماد فنان واحد أو توجه فني واضح في كل عدد لا يحد من التنوع، بل يخلق انسجاما بصريا يحفز القارئ على التفاعل والبحث، ويمنح العدد هوية داخلية متماسكة. وفيما يخص الهوية الحالية، رأى أن الشكل البصري للمجلة متسق إلى حد كبير مع محتواها، لكنه يحتاج إلى مراجعة الخطوط، وتحسين الألوان دون تغيير جذري، وتخفيف الكتل النصية بإدخال أنماط بصرية مساندة.

وأشار إلى أن الهوية البصرية وحدها لا تكفي لجذب الشباب، داعيا إلى تفعيل المنصات الرقمية بوصفها أدوات نشر أساسية لا مجرد قنوات ترويج، والتفكير في تطبيق رقمي أو منصة رسمية مرتبطة بوسائل التواصل الاجتماعي، وإعادة استثمار المحتوى المعرفي الضخم للمجلة، منذ عددها الأول، عبر قوالب رقمية معاصرة، بما في ذلك الاستفادة الواعية من أدوات الذكاء الاصطناعي، وأكد على أن شعار المجلة يمثل أصغر مفردة تحمل كل إرثها الثقافي، وأنه قابل للتحسين والتجويد، لا للمحو أو القطيعة.

أما الطاولة التاسعة فتحدثت فيها مكية الكمزارية، حيث قدمت رؤية تمثل وجهة نظر جيل بصري شاب، مؤكدة تقدير مجموعتها لجهود المجلة في الحفاظ على هويتها الثقافية، مع الانفتاح على التطوير.

وأشارت إلى أن المجموعة ناقشت تحديث الشعار بصيغة دائرية ترمز إلى الاستمرارية واللانهاية، مع الحفاظ على الاسم بوصفه علامة ثقافية، وإضافة توصيف بصري يوضح أن "نزوى" مجلة ثقافية، لتفادي التباس الهوية لدى القراء الجدد، وبناء منظومة ألوان متدرجة تعكس روح الثقافة، مع الحفاظ على الألوان الأساسية.

كما طرحت الطاولة فكرة توظيف الخط العماني في العناوين، والنصوص الشعرية، والمحتوى العماني تحديدا، مع مراعاة ملاءمته للقراءة في النصوص الطويلة، وفيما يتعلق بالإخراج، رأت أن بعض المساحات داخل المجلة يمكن استثمارها بصريا بطريقة مدروسة، عبر صور مرتبطة بالمحتوى، دون الإخلال بالراحة البصرية، مؤكدة أن الهوية لا تتجلى فقط في الشعار، بل في النمط البصري المتكرر الذي يرافق القارئ من الغلاف إلى الغلاف، وأن التنويع البصري ينبغي أن يكون مرتبطا بالمضمون، لا مجرد عرض جمالي منفصل، بما يعزز العلاقة بين النص والصورة والفكرة.