ثقافة

هدى الخطيب: الفن لا يقاس بعدد الأعمال ورسالتي للجيل الجديد تمسكوا بالأخلاق والمعرفة والهوية

20 يناير 2026
20 يناير 2026

الفنانة الإماراتية هدى الخطيب منارة في سماء الدراما الخليجية، لا تنظر للفن كمهنة عابرة أو منصة للنجومية. أدوارها حملت نكهتها المميزة المغلفة بالمسؤولية تجاه المجتمع والذاكرة الثقافية. تشكلت تجربتها الفنية بين العمل خلف الكاميرا، والتجربة والملاحظات النقدية على المشهد الخليجي، وكانت مسيرتها امتدادا لرؤية فكرية ترى في الفن موقفا، وفي الدراما أداة وعي.

تنوعت أدوارها بين الكوميديا والتراجيديا، وشاركت في مسلسلات متنوعة مثل "القرار الأخير"، و"أيام السراب"، و"حال مناير"، و"جمان"، و"دفعة بيروت"، حيث قدمت أدوارا أمومية معقدة وأخرى بسيطة، بالإضافة إلى أعمال كوميدية مثل "طاش ما طاش" و"سناب شاف"، مجسدة شخصيات مختلفة تعكس خبرتها الفنية الطويلة.

في هذا الحوار تحدثنا هدى الخطيب عن علاقتها الأولى بالفن، ودور المرأة والذاكرة في الدراما الخليجية، كما تكشف عن الإنسان وراء اسم الفنانة، والقيم التي شكلت جوهر شخصيتها، ووعيها الفكري والثقافي.

-بعيدا عن الشاشة، من هي هدى الخطيب؟

حين أفكر في نفسي خارج أضواء الشاشة، أجدني بعيدة تماما عن تلك الهالة التي يراها الناس عند مواجهة اسم الفنان. النجومية هي غطاء نرتديه حين نمثل، لكنها لا تعبر دائما عن حقيقتنا الداخلية. بعيدا عن الكاميرا أنا امرأة بسيطة جدا، مختلفة عما يتصوره الجمهور، أعيش حياتي بين عائلتي وأصدقائي بحميمية وصدق.

عائلتي شكلت جزءا مهما من هذا الشعور بالأمان والاتصال البشري، بالمحافظة على علاقة دافئة ومحترمة، تتسم بالحب العميق والتقدير المتبادل، مع مساحة للعتاب الهادئ حين يخطئ أحدنا، كل ذلك بأسلوب حضاري يتجاوز الانفعالات العابرة.

-لو عدنا إلى البداية، كيف تشكلت علاقتك الأولى بالفن؟

لم أنظر إلى الفن بوصفه خيارا مهنيا يمكن التعامل معه بمنطق الوظيفة أو المسار التقليدي. علاقتي بالفن تشكلت كقناعة داخلية سبقت أي ظهور أو قرار مهني. كان الفن بالنسبة لي مساحة للتعبير عن الأسئلة التي تشغلني كإنسانة قبل أن أكون فنانة، وأداة للتأثير والاشتباك مع الواقع الاجتماعي والثقافي الذي أعيش فيه. لم يكن هاجسي يوما الشهرة أو الحضور الإعلامي، بل الإحساس بأن للفن دورا يتجاوز الترفيه، وأن الفنان لا يمكن أن يكون معزولا عن مجتمعه أو محايدا تجاه قضاياه. هذه القناعة رافقتني منذ البدايات، ولم تتشكل لاحقا بفعل التجربة، بل جاءت معها ونضجت خلالها.

-قبل التمثيل، عملت داخل التلفزيون في مجال آخر. كيف أثر ذلك على مسارك الفني لاحقا؟

عملي كمصممة ديكور في تلفزيون دبي كان مرحلة تأسيسية مهمة جدا في حياتي المهنية. هذا العمل منحني وعيا عميقا بالصورة، وبكيفية تشكل المشهد بصريا، وبالعلاقة الدقيقة بين الفضاء والدراما. تعلمت كيف يمكن للتفاصيل الصغيرة أن تصنع معنى، وكيف يخدم الشكل البصري المضمون أو يفرغه من محتواه. عندما انتقلت لاحقا إلى التمثيل، لم أدخل هذا العالم من بوابة الأداء فقط، بل من فهم شامل للمنظومة الدرامية. كنت أرى نفسي جزءا من بناء المشهد، لا عنصرا معزولا داخله، وهذا الوعي أثر كثيرا على اختياراتي وطريقة تعاملي مع النص والكاميرا.

-من أين بدأت جذور ثقافتك، وكيف تشكل وعيك الفكري والمعرفي؟

ثقافتي لم تبن فجأة، ولم تأت من مصدر واحد. جذورها الأولى كانت في البيت، حيث كانت التربية المنزلية حجر الأساس، والبذرة الأولى التي صاغت شخصيتي. البيت الذي يقدر الأدب والعلم والثقافة لا شك أنه يترك أثره العميق في من يعيش فيه.

والدي -رحمه الله- كان مصدرا ثقافيا ومعرفيا هائلا. فكان عالم دين، وخطيب، وقاض، لكنه أيضا مثقف واسع الأفق، يعرف خمس لغات، ويقدر ثقافات متعددة. والمسجد في زمانه لم يكن مخصصا للصلاة فحسب، بل مركزا للحياة والتعليم، والتربية، والحوار. على يديه تعلمت أن الثقافة الحقيقية هي مزيج من الأدب والأخلاق والتواضع، وأن احترام الآخرين وعدم الاحتقار لأي إنسان مهما كان شكله أو مظهره هو قيمة عليا، لأن الله ينظر إلى القلوب لا إلى المظاهر.

وعلى مستوى المعرفة، أؤمن بأن الفنان المتعلم الحاصل على وعي وثقافة، قادر على توظيف معرفته في الفن بصدق. فالموهبة وحدها لا تكفي، كما أن العلم وحده لا يصنع فنانا. الفنان الحقيقي هو من يجمع بين الاثنين، حيث يختار ما يحبه ويطوره بالمعرفة، ويستند إلى فهمه لمجتمعه ومسؤوليته تجاه الآخرين في كل عمل يقدم عليه.

-كيف أثرت بيئتك العائلية في تكوين شخصيتك؟

عائلتي تمثل نموذجا فريدا يجمع بين التدين والوعي الثقافي والفني. بينما معظم أفراد الأسرة مشغولون بالعلم الديني والوظائف الاجتماعية، نجد أيضا من يعزف على العود، ويهوى الشعر والفنون. هذا التوازن بين الروح الدينية والذائقة الفنية كان دائما جزءا من تكويني، وأتاحت لي مساحة لأفهم كيف يمكن الجمع بين القيم والتذوق الفني. كما أن الدعم الأسري كان سندا لا غنى عنه في حياتي. أسرتي تحتفل بإنجازاتي الفنية، لكنها في الوقت نفسه توجهني برقي حين يستدعي الأمر ذلك. هذا الجمع بين التقدير والحرية، وبين الحب والنقد الراقي، ساعدني على تطوير شخصية واعية، تعرف متى تتحرك بحكمة ومتى تتخذ موقفا.

-هل أثر إتقانك لعدة لغات على رؤيتك للحياة؟

إتقاني لأكثر من خمس لغات لم يكن مجرد حفظ كلمات، بل تجربة حياة كاملة، باكتساب القدرة على رؤية العالم بعين متعددة. فكل لغة هي نافذة على ثقافة كاملة، تفتح أعيننا إلى رؤية الناس كيف يعيشون، وكيف يفكرون، ما مأكولهم وملبسهم، وكيفية رؤيتهم للحياة. هذه الخبرات توسع الأفق، وتمنح الإنسان هدوء وتفهما أكثر، لأنها تتيح له مشاركة الإنسانية مع الآخرين حتى من دون لقاء مباشر، بفهم مشاعرهم، وآلامهم، وأفراحهم، وأحزانهم، وإدراك أن الإنسان متشابه في جوهره رغم اختلاف البيئات.

-كيف تنظرين إلى محطاتك الفنية عبر الزمن، وما أبرز التحولات؟

كل عمل قدمته كان محطة قائمة بذاتها، تحمل في طياتها تجربة خاصة، ولا أستطيع اختزال أي محطة على أنها الأبرز. منذ بداياتي في أواخر التسعينيات وحتى اليوم، شهدت المبادئ وطريقة العمل وطبيعة الجمهور تغييرات كبيرة. المتلقي اليوم ليس كما كان سابقا، والأجيال تغيرت، كما أن توجهاتهم ورؤاهم تطورت.

وعلى مستوى بناء الشخصية، أتعامل دائما مع معيار واضح، بالأثر الذي ستتركه على الناس. فالشخصية ليست مجرد أداء أو مشهد، بل مسؤولية، ويجب أن تقدم بطريقة تحترم الفن والجمهور على حد سواء. لهذا أرفض الأدوار التي لا تحمل قيمة حقيقية أو لا تضيف شيئا للمتلقي، وأعتبر كل اختيار مسؤولية ثقافية وإنسانية.

-كيف ترين الهوية الخليجية في الدراما؟ وهل جسدت شخصيات تعكسها؟

الهوية الخليجية موجودة بلا شك، خصوصا في الأعمال التراثية والواقعية التي تمثل المجتمع كما هو، بعاداته وتقاليده وقيمه. وفي أعمالي قدمت شخصيات تحمل القيم الدينية والاجتماعية والعرفية، التي تظهر جوهر المرأة الخليجية في بيئتها الطبيعية. هذه الشخصيات موجودة في بيوتنا، وهي انعكاس للواقع لا مجرد خيال. مع ذلك، هناك أعمال تقدم صورا مشوهة أو غير دقيقة، وهو ما قد يشوش الهوية لدى بعض أفراد الجيل الجديد، لذلك أؤكد دائما على تقديم العمل الصادق الذي يعكس الجوهر الحقيقي للثقافة الخليجية.

-ما المعايير التي تتبعينها في اختيار أدوارك؟ وكيف تنظرين إلى صورة المرأة في الدراما؟

المعيار الأساسي هو الأثر الذي تتركه الشخصية في الناس. إذا لم تحمل قيمة إنسانية أو رسالة صادقة، فلا حاجة لتقديمها.

أما صورة المرأة في الدراما، فأحرص على إبرازها إيجابيا سواء كانت ثقافية، أو علمية، أو دينية، أو أخلاقية.

للأسف، هناك من يقدمها بصورة سطحية أو مشوهة، بينما المرأة الخليجية أثبتت حضورها في مختلف المجالات، ولم تعد مجرد متلقية بل أصبحت صانعة للدراما. هي التي تسهم في إبراز القيم الإنسانية، وتعكس الإرث الثقافي والاجتماعي، وتؤكد أن كل جيل مسؤول عن الحفاظ على هذا الإرث وتطويره دون التفريط في قيمه.

-هل شعرت أن التمثيل أتاح لك صوتا أقوى؟

نعم، التمثيل منحني مساحة أوسع للتواصل المباشر مع الجمهور. وجود الفنان داخل الحكاية يحمله مسؤولية أكبر، لأنه يصبح جزءا من الذاكرة البصرية للناس. بالنسبة لي، لم يكن هذا الصوت الأقوى هدفا بحد ذاته، بل وسيلة. كنت أؤمن بأن الحضور يمكن توظيفه لخدمة أفكار وقضايا عامة، سواء عبر الأعمال الفنية نفسها أو من خلال الحضور الثقافي والمشاركة في النقاشات العامة، فالشهرة إن لم تكن مرتبطة بمضمون تفقد قيمتها سريعا.

-تصفين الفن بأنه رسالة. هل تغير هذا التعريف مع مرور السنوات؟

لم يتغير هذا التعريف، بل أصبح أكثر وضوحا وترسخا. مع التجربة أدركت أن الفن الذي ينفصل عن المعنى يفقد قدرته على البقاء. قد يحقق رواجا مؤقتا، لكنه لا يتحول إلى أثر طويل الأمد. عندما أقول إن الفن رسالة، لا أعني المباشرة أو الخطاب الوعظي، بل الصدق في الطرح، والقدرة على الاشتباك الحقيقي مع الواقع الإنساني والاجتماعي. والفن في جوهره محاولة لفهم الإنسان، وليس استعراضا شكليا أو منتجا سريع الاستهلاك.

-عرفت بالانتقائية في اختيار الأدوار. لماذا لا تغريك أدوار البطولة أو الظهور المكثف؟

لأنني لا أؤمن بأن الحضور الكمي هو معيار النجاح أو القيمة الفنية. ما يهمني هو النص، والعمق، والمساحة التي يتيحها الدور لتقديم تجربة حقيقية. قد يكون الدور محدودا من حيث عدد المشاهد، لكنه غني من حيث المعنى. لا أسعى إلى البطولة المطلقة ولا إلى الظهور المستمر، بل إلى العمل الذي يضيف إلى تجربتي ويمنحني فرصة لتقديم شيء مختلف. هذه الانتقائية نابعة من قناعة بأن الفن لا يقاس بعدد الأعمال، بل بجودتها وأثرها.

-هل أدى هذا الموقف إلى تأجيل أو رفض أعمال؟

نعم، حدث ذلك في أكثر من محطة، ولكن التريث أو الرفض في مثل هذه الحالات لم يكن موقفا سلبيا أو مزاجيا، بل قرارا مدروسا مرتبطا بمدى انسجام العمل مع قناعاتي الفنية. أفضل الغياب على الحضور في عمل لا أشعر بأنه يمثلني أو يضيف إلى مسيرتي.

-لو توقفنا عند واقع الدراما الخليجية. أين تكمن الإشكالية الأساسية برأيك؟

الإشكالية لا تكمن في عدد الأعمال، بل في نوعيتها والرؤية التي تقف خلفها. نحن ننتج كثيرا، لكننا نكرر أنفسنا. ما نفتقده هو المشاريع التي تمتلك نفسا طويلا، وتجرؤ على الاشتباك مع التاريخ والتحولات الاجتماعية الكبرى. الدراما الخليجية بحاجة إلى أعمال ملحمية وتاريخية قادرة على بناء ذاكرة بصرية حقيقية للمنطقة، لا الاكتفاء بأنماط اجتماعية وكوميدية مكررة.

-رغم تكرار فكرة الأعمال الكوميدية أو الاجتماعية إلا أنها لم تفقد نسبة المشاهدات؟

النجاح الجماهيري مهم، لكنه لا يكفي لبناء مشهد درامي متوازن. لا يمكن لأي صناعة درامية أن تنهض على نوع واحد من الحكايات. الخليج يمتلك تاريخا غنيا بالأحداث والشخصيات والتحولات، لكن هذا التاريخ غالبا ما يختزل في صراعات نمطية، بينما هناك مساحات أوسع للحكايات الإنسانية والسياسية والاجتماعية التي لم ترو بعد.

-أين تكمن أزمة الدراما الخليجية؟

لا أرى أن المشكلة في غياب الكتاب الموهوبين، بل في آليات الاختيار والإنتاج. هناك نصوص جريئة وعميقة، لكنها لا تجد طريقها إلى التنفيذ بسبب حسابات تجارية أو خوف من الخروج عن المألوف. الجرأة في الاختيار لم تعد ترفا، بل ضرورة إذا أردنا للدراما الخليجية أن تتطور وتنافس عربيا.

-كيف تنظرين إلى حضور المرأة الخليجية في الدراما اليوم؟

حضور المرأة الخليجية في الدراما اليوم متباين ولا يمكن الحكم عليه بصورة واحدة أو مطلقة. فليس جميع صناع الدراما يقدمون المرأة بالصورة التي تليق بها أو تعكس حقيقتها الاجتماعية والإنسانية. هناك أعمال جادة، وأشخاص يؤمنون بأهمية إبراز المرأة في صورتها المتكاملة، كامرأة مثقفة وواعية تحمل بعدا علميا ومعرفيا، ومرتكزا دينيا وأخلاقيا، وتؤدي دورا فاعلا في أسرتها ومجتمعها. هذه الصورة واقعية وموجودة في مجتمعاتنا الخليجية منذ زمن طويل.

وأنا ضمن جيل يقع في المنتصف، نحمل إرث الماضي بقيمه وتقاليده وأخلاقياته، وفي الوقت ذاته نمتد نحو الحاضر ونتفاعل مع متغيراته. لذلك نشعر بمسؤولية مضاعفة في كيفية تقديم صورة المرأة، لأنها ليست مجرد شخصية درامية، بل مرآة لهوية مجتمع كامل. ومع الأسف، لا يمكن إنكار وجود أعمال تقدم المرأة بصورة سطحية أو مشوهة، وتختزلها في أدوار لا تعبر عن عمق تجربتها ولا عن مكانتها الحقيقية.

-هل يمكن اعتبارها صانعة للدراما أو مجرد متلقية لها؟

أنا أؤمن بأن المرأة الخليجية أصبحت صانعة بلا شك. يكفي أن ننظر إلى مسيرتها في مجال التمثيل، وإلى حجم الأعمال التي تناولت قضاياها، ومعاناتها، وطموحاتها، ومكانتها العلمية والثقافية. المرأة اليوم لم تعد تكتفي بأن تقدم على الشاشة، بل أصبحت قادرة على التعبير عن نفسها وعن قضيتها، سواء من خلال أدوارها أو من خلال مشاركتها الفعلية في صناعة العمل الدرامي. لقد وصلت إلى مرحلة من الوعي والثقة تجعلها شريكا أساسيا في تشكيل الخطاب الدرامي، لا مجرد متلق له.

والدراما، في النهاية مسؤولية مشتركة، وصورة المرأة التي نرسمها اليوم ستبقى أثرا للأجيال القادمة، لذلك يجب أن تبنى بوعي، وصدق، واحترام لعقل المتلقي ولمكانة المرأة في المجتمع

-كيف تنظرين إلى مسألة الهوية داخل العمل الفني؟

الهوية بالنسبة لي خط أحمر. الحفاظ عليها في اللغة والسلوك والقيم الاجتماعية أمر أساسي. كما أن الخصوصية الخليجية ليست عائقا أمام الانتشار، بل عنصر قوة إذا قدمت بذكاء وصدق، بعيدا عن الاستنساخ أو الذوبان في نماذج جاهزة.

-كيف أثر انتقال الدراما إلى المنصات الإلكترونية على طبيعة المحتوى والعلاقة الأسرية؟

التحول الرقمي فرض واقعا جديدا في المشهد الدرامي، حيث أصبح أغلب ما يعرض لا يمت بصلة إلى سياقنا الاجتماعي، باستثناء أعمال قليلة تحمل الجودة والرسالة. هذا الواقع أحدث تفككا في تجربة المشاهدة الأسرية. لم تعد الأسرة تجتمع أمام شاشة واحدة كما كان في زمن التلفزيون، بل أصبح كل فرد يستهلك المحتوى بمفرده عبر الهاتف، مما يضعف الهوية الأسرية ويؤثر على القيم المشتركة.

مع ذلك، أفهم أن هذا جزء من عصر السرعة والانفتاح الرقمي، وأنه لا يمكن تجاهله. لذا رسالتي للجيل الجديد: تمسكوا بالأخلاق أولا، والمعرفة ثانيا، والهوية ثالثا. فالفن مسؤولية، والإنسانية أساس كل عمل.

-كيف ترين الجيل الجديد وتحدياته؟

لا أحب التعميم، فكل جيل له خصوصيته. نعم، هناك تحديات كبيرة تواجه الشباب اليوم، لكنها لا تنفي وجود نماذج مشرفة، مثقفة وملتزمة، وهذا أراه حتى في عائلتي وأحفادي. التربية المنزلية تمثل الأساس في بناء الشخصية. الطفل الذي ينشأ على قيم الأخلاق واحترام الكبير ومخافة الله لن ينسى هذه المبادئ، وسيبني حياته على هذه الثوابت. والشباب المتميزون هم مؤشر على مستقبل واعد، وهؤلاء هم من سيحملون مشعل الثقافة والقيم الإنسانية في مجتمعاتنا.

-ما القيمة الإنسانية الأقرب إليك؟

القيمة الإنسانية الأقرب إلى قلبي هي ببساطة الإنسانية نفسها، أن نشارك الآخرين لحظاتهم، أن نتعاطف معهم في الفرح والحزن، وأن يكون حضورنا معهم صادقا، بلا مصالح شخصية أو مظاهر خارجية. أؤمن بأن من أحيا نفسا فكأنما أحيا الناس جميعا، وهذه هي بوصلتي في حياتي اليومية وفي اختياراتي الفنية، حيث أرى أن كل دور وكل تجربة يجب أن تحمل معنى، وأن تلامس روح الناس بصدق.

-بعد كل هذه السنوات، كيف تلخصين مسيرتك؟

أراها امتدادا لقناعة واحدة لم تتغير، الفن موقف، والنص أساس، والهوية ضرورة. ما أطرحه اليوم ليس تحولا مفاجئا، بل نتيجة طبيعية لمسار بدأ بقناعة واضحة ونضج مع التجربة. ما زلت أؤمن بأن الفن الحقيقي هو ذاك الذي يترك أثرا، لا ذاك الذي يمر مرور الكرام.