"لا سمع ولا طاعة".. سيرة مهنية للكاتبة والناقدة المصرية عبلة الرويني
القاهرة "رويترز": مسيرة عمل طويلة في الصحافة والكتابة النقدية تسردها المصرية عبلة الرويني في 171 صفحة من القطع المتوسط بعد أن اختارت لها عنوان "لا سمع ولا طاعة" لتكون بمثابة دليل مهني للأجيال الجديدة وشهادة حية على بعض التحولات والتغيرات في الصحافة المصرية على مدى نحو نصف قرن.
الكتاب الصادر عن دار الشروق في القاهرة مقسم إلى تسعة فصول، وتمهد له المؤلفة في الفصل الأول المعنون (مقاربة الشمس) قائلة "بعض سيرتي المهنية، لا تعني بالتأكيد الكتابة عن الأماكن والمؤسسات والإدارات والتوجهات والأشخاص، فقط سيرة الكتابة، أشكالها وتحدياتها.. مُنحنى الكتابة بين الصعود والهبوط، بين التوهج والانطفاء.. مشوار الحرية الطويل المعافر، والتجارب المختلفة، كيف فرض ملامحه على الكتابة وعلى التجربة بأكملها؟".
وفي الفصل الثاني (صباحات النشيد) تعرج المؤلفة على مرحلة الطفولة لتسلط الضوء على سنوات النشأة والتكوين في منتصف القرن العشرين وتستعرض مناخ التعليم في حقبة الستينيات قائلة "أنا ابنة ثورة يوليو، ابنة المكتبات العامة في الأحياء السكنية، ابنة التوسع في التعليم وزيادة حجم المدارس والجامعات إلى الحد الذي تطلب بناء مدرسة جديدة كل 6 أيام.. ابنة أعياد العلم وأعياد الفن وأكشاك الموسيقى في الحدائق العامة وحفلات أضواء المدينة.. ابنة الرحلات المدرسية الممنهجة لزيارة معالم مصر".
وبداية من الفصل الثالث وصولا إلى الفصل السادس تسرد المؤلفة رحلتها داخل المؤسسات الصحفية انطلاقا من التحاقها بصحيفة (الأخبار) العريقة، مرورا بتجربتها في صحيفة (الأهالي) اليسارية المعارضة التابعة لحزب التجمع الوطني التقدمي، وصولا إلى (أخبار الأدب) التي شكلت محطة فارقة في حياتها حتى تركتها مجبرة عام 2012 بعد تقلدها منصب رئاسة التحرير، وانتهاء بمغادرتها مؤسسة (الأخبار) نهائيا في نوفمبر 2024.
تتخلل هذه التجارب تفاصيل مشوقة عن لقاءات صحفية مع شخصيات بارزة أمثال البابا شنودة الثالث والكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل والشاعرة أمل دنقل، صاحبتها مناوشات ومناورات مع الرقابة تركت أثرها في عبلة الرويني التي قالت "للرقابة أيضا، المصادرة والحذف والمنع المتواصل للمقالات، دور في تشكيل الكتابة وصياغتها.. تركت تأثيرها على لغتي، نالت كثيرا من الشغف والاهتمام، وضاعفت التوتر والقلق والانفعال دائما.. في البداية كنت أقيم الدنيا ولا أقعدها، أغضب وأحتج على حذف المفردة، أحتد على ملاحقة العبارة وحذف الجملة".
وتستطرد قائلة "بتكرار المنع وتصاعده من المفردة إلى العبارة إلى المقال بأكمله، أصابني الضيق والكدر وكثير من الإحباط، وضعني أمام السؤال الصعب: هل أشتري سلامي النفسي وهدوئي وأتوقف عن الكتابة، أم أواصل ذلك العناء؟ سنوات من المعافرة مرتضية بالمعادلة الباردة.. أكتب ما أريد، وهم ينشرون ما يريدون".
وفي فصل (الفئران المذعورة) تستعيد مؤلفة الكتاب ذكريات "معركتها الكبرى" خلال سنوات حكم الرئيس السابق محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين حين أطيح بها من رئاسة تحرير صحيفة (أخبار الأدب) ضمن قرار لمجلس الشورى آنذاك بتغيير 75 بالمئة من رؤساء مجالس إدارات ورؤساء تحرير الصحف القومية.
وفي الفصل ذاته يتكشف مغزى عنوان الكتاب ودلالته حيث تقول الرويني "كان خروجي من رئاسة تحرير أخبار الأدب.. على إيقاع رقصة المولوية، حركة الراقص الدائرية ويداه المرفوعتان لأعلى شوقا إلى العدل والحرية، كان غلاف أخبار الأدب: ‘إلى مجلس الشورى، لا سمع ولا طاعة‘ وهو نفس عنوان مقالي الأخير للجريدة! وعنوان كتابي هذا أو عنوان مشواري المهني".
وأرفقت الرويني بالكتاب نماذج من مقالاتها التي نشرت عامي 2012 و2013 حين بلغ الصراع بين الإعلام ومؤسسة الرئاسة ذروته، حتى أن بعض الصحفيين والمثقفين ومن بينهم هي شخصيا منعوا تماما من الكتابة في الصحف القومية.
وقالت "لم أكن وحدي التي تمت محاصرتها وعزلها.. بعد معركة تغيير رؤساء تحرير الصحف القومية، بدأ التضييق والمنع وتوقف الكثير من الكتاب عن الكتابة في الصحف القومية، تحديدا تم منعهم.. في الأخبار، منعت مقالات إبراهيم عبد المجيد، أحمد طه النقر، يوسف القعيد، مدحت العدل، وتوقفت صفحة آراء حرة.. وفي الأهرام، توقفت مقالات: نبيل عبد الفتاح، نبيل عمر، محمود مراد، وإبراهيم حجازي، وتم التضييق على أحمد عبد المعطي حجازي، ود.صلاح فضل، حتى هاجروا للكتابة إلى صحف أخرى".
وفي فصل (عشوائيات رقابية) تزيح الرويني الستار عن كواليس بعض من صداماتها مع الرقابة منذ الثمانينيات وصولا إلى وقتنا الحاضر، فبدت وهي تسرد كل واقعة كأنها تقتص من كافة محاولات الحذف والمنع والمصادرة التي تعرضت لها على مدى 45 عاما في مهنة الصحافة، ليخرج الفصل جريئا ومباغتا بما حمله من أسماء معروفة ووقائع شهيرة تداولتها وسائل التواصل الاجتماعي ولاكتها الألسن في الجلسات الخاصة والعلنية لكن مقص الرقيب كان بالمرصاد لمنعها من الظهور في الصحف.
كتاب "لا سمع ولا طاعة" وإن كان لا يدون بشكل منهجي ومتسلسل يوميات مؤلفته في عالم الصحافة فهو يشكل شهادة من القلب لواحدة من أبناء المهنة ممن أفنوا عمرهم في الكتابة في وقت كانت الصحف هي الأعلى صوتا والأكثر تأثيرا في المواطن وصانع القرار.
